حصدت الكوليرا أرواح 23 شخصًا وأصابت أكثر من 310 آخرين في منطقتين بولاية غرب كردفان، وسط انهيار الخدمات الصحية وانعدام أدوية أساسية يحتاجها المرضى للبقاء أحياء.

 

وكشفت البيانات الميدانية أن الوباء يتزامن مع حصار إنساني قاسٍ، بعدما تعطلت وسائل النقل ونفدت المحاليل الوريدية، واضطرت أسر إلى إطعام أطفالها علف الحيوانات لمواجهة الجوع.

 

 

بؤرتان للموت والعزلة

 

أعلنت غرفة طوارئ دار حمر تسجيل 120 حالة اشتباه بالكوليرا داخل مركز العزل في قرية حمير، إلى جانب وفاة 11 شخصًا نتيجة تدهور الأوضاع الصحية.

 

ووصفت الغرفة الوضع داخل القرية بالخطير، في ظل استمرار تدفق المرضى على مركز العزل، وعدم توافر الإمكانات اللازمة لفحص الحالات أو علاج المصابين سريعًا.

 

ويعاني المركز من انعدام المحاليل الوريدية والأدوية المنقذة للحياة، رغم أن تعويض السوائل والأملاح يمثل التدخل الأساسي لتجنب الوفاة الناتجة عن الجفاف الحاد.

 

ومع تزايد الحالات، يواجه العاملون داخل المركز ضغوطًا تتجاوز قدرته المحدودة، بينما يخشى الأهالي تحول القرية إلى بؤرة أوسع للعدوى يصعب احتواؤها.

 

وفي منطقة حلة حسين، سجلت غرفة الطوارئ أكثر من 190 إصابة بالكوليرا، إلى جانب 12 وفاة، لترتفع الحصيلة الإجمالية في المنطقتين إلى 23 وفاة.

 

وتشير هذه الأعداد إلى انتشار متسارع للمرض داخل مجتمعات تفتقر إلى الرعاية الصحية والمياه المأمونة، بينما تظل القدرة على رصد جميع الحالات محدودة للغاية.

 

كما لم تحدد الهيئة الإغاثية الفترة الزمنية التي سجلت خلالها الإصابات والوفيات، ما يزيد صعوبة قياس سرعة التفشي وتحديد حجم الخطر الفعلي.

 

غير أن الأرقام المعلنة تكشف وحدها شدة الأزمة، خصوصًا مع تركز مئات الحالات في منطقتين محدودتي الإمكانات وتعذر نقل المرضى إلى مرافق أكثر تجهيزًا.

 

وتحتاج حالات الكوليرا الخطرة إلى تدخل سريع، لأن فقدان السوائل قد يؤدي خلال ساعات إلى صدمة حادة وفشل وظائف الجسم ثم الوفاة دون علاج مناسب.

 

 

الدواء غائب والجوع حاضر

 

توقفت وسائل التنقل المؤدية إلى حلة حسين، فعزلت المنطقة عن محيطها وتعذر إسعاف الحالات الحرجة أو نقل الأدوية والمحاليل والمواد الغذائية إلى السكان المحاصرين.

 

ويحول انقطاع الطرق والتنقل كل إصابة بسيطة إلى تهديد محتمل للحياة، إذ يصبح الوصول إلى مركز صحي أو الحصول على جرعة علاج مهمة شبه مستحيلة.

 

وفاقمت عزلة المنطقة انتشار المرض، لأن نقص الوقود والمركبات يمنع فرق الاستجابة من الوصول إلى المصابين، ويعرقل جمع المعلومات وإجراء الفحوص وتوفير مياه آمنة.

 

وفي الوقت نفسه، بلغت الأزمة الغذائية مستوى صادمًا، بعدما دفعت ندرة الطعام بعض الأسر إلى استخدام علف الحيوانات غذاءً لأطفالها، وفق غرفة طوارئ دار حمر.

 

وتكشف هذه الشهادات أن سكان المنطقة لا يواجهون وباءً منفصلًا، بل كارثة مركبة تجمع المرض والجوع والعزلة وانهيار القدرة على الحصول على أبسط مقومات الحياة.

 

ويزيد سوء التغذية هشاشة الأطفال والمرضى وكبار السن أمام العدوى، كما يضعف قدرة أجسادهم على مقاومة الجفاف والتعافي من المضاعفات المصاحبة للكوليرا.

 

أما تلوث المياه أو صعوبة الحصول عليها، فيجبران السكان على استخدام مصادر غير مأمونة، ما يوسع دائرة العدوى داخل المنازل والتجمعات السكانية المكتظة.

 

وتنتقل الكوليرا عادة عبر المياه أو الأغذية الملوثة، ولذلك يصبح غياب المياه النظيفة وشبكات الصرف والخدمات الصحية عاملًا مباشرًا في تسارع التفشي.

 

ودعت غرفة الطوارئ المنظمات الإنسانية إلى توفير الأدوية والمحاليل والمساعدات الغذائية فورًا، وإنقاذ مركز العزل من التوقف أمام الزيادة المستمرة في أعداد المرضى.

 

لكن إيصال المساعدات يظل مرتبطًا بفتح الطرق وتأمين حركة العاملين، وتوفير وسائل نقل قادرة على الوصول إلى القرى والمناطق المعزولة في غرب كردفان.

 

 

الحرب تغذي الوباء

 

يأتي التفشي ضمن أزمة صحية أوسع تضرب السودان، بعدما حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 14 يوليو من خسائر القتال والأمراض بين المدنيين.

 

وفي 7 يوليو، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل 1330 إصابة مؤكدة بالكوليرا و114 وفاة في السودان، بما يعكس ارتفاعًا مقلقًا في معدل الوفيات.

 

وتظهر هذه الحصيلة أن تفشي غرب كردفان ليس واقعة محلية معزولة، بل امتداد لانهيار صحي واسع أصاب ولايات عديدة وأضعف قدرات الاستجابة للعدوى.

 

ومنذ أبريل 2023، أدت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى تدمير مرافق صحية وتعطيل سلاسل الإمداد وتشريد أعداد ضخمة من السكان.

 

كما دفعت المعارك ملايين السودانيين إلى مناطق تفتقر إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والمأوى المناسب، وهي ظروف مثالية لانتشار الكوليرا والأمراض المعدية.

 

وبلغ عدد النازحين نحو 13 مليون شخص، وفق تقديرات أممية ودولية، بينما سقط عشرات آلاف القتلى خلال حرب مزقت مؤسسات الدولة وعمقت الفقر والجوع.

 

وتواجه فرق الإغاثة صعوبات مستمرة في الوصول إلى المجتمعات المتضررة، بسبب القتال وانقطاع الطرق ونقص التمويل، بينما تتضاعف الاحتياجات بوتيرة تفوق الموارد المتاحة.

 

ولا تتوقف مواجهة الوباء عند إرسال الأدوية، بل تتطلب توفير مياه مأمونة ومرافق للصرف ومراكز عزل ووسائل نقل وحملات توعية داخل التجمعات المعرضة للخطر.

 

وتستدعي كارثة غرب كردفان فتح ممرات آمنة بصورة عاجلة، تسمح بنقل المرضى وإدخال المحاليل والأدوية والغذاء، قبل أن تتحول الإصابات الجديدة إلى وفيات إضافية.

 

وبينما تتواصل الحرب، يدفع المدنيون ثمن انهيار الصحة والغذاء معًا، لتصبح الكوليرا وجهًا آخر لصراع ترك السودانيين محاصرين بين الرصاص والمرض والجوع.