كشفت بيانات التجارة الخارجية اتساع الفجوة التي تعجز الحكومة عن احتوائها، بعدما قفزت الواردات المصرية إلى 12.4 مليار دولار خلال يونيو 2026، وارتفع العجز إلى 7.5 مليار دولار رغم زيادة الصادرات.

 

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، زاد العجز بنسبة 58.5% مقارنة بيونيو السابق، حين سجل 4.7 مليار دولار، لتضع النشرة مسؤولية تقليص الاعتماد على الخارج أمام الحكومة وأجهزتها الاقتصادية المعنية بإدارة التجارة.

 

 

حصيلة لا تكفي

 

فبينما ارتفعت الصادرات بنسبة 37.4% إلى 5 مليارات دولار، صعدت الواردات بنسبة 49.4%، وهو تفاوت يكشف أن تحسن البيع للخارج لم يمنع اتساع الفجوة، ولا يكفي لتقييم نجاح إدارة التجارة.

 

وبحساب القيم المنشورة، غطت الصادرات نحو 40% من الواردات، بما يعني أن حصيلة بيع السلع للخارج لا تمول حتى نصف المشتريات، وتبقى الفاتورة المتبقية عبئًا يتطلب تدفقات أخرى بالنقد الأجنبي.

 

غير أن الأرقام المعروضة مقربة، فلا يطابق طرح الصادرات من الواردات قيمة العجز المنشورة تمامًا، ولذلك تظل نسبة الزيادة والعجز منسوبتين للنشرة، دون إعادة اشتقاقهما باعتبار القيم المختصرة أرقامًا تفصيلية.

 

وفي قراءة سابقة، حذر ممدوح الولي بمقال نشرته الجزيرة في يوليو 2023 من ارتباط الصادرات الصناعية بمكونات مستوردة تصل إلى 60%، معتبرًا أن زيادة التصدير تستدعي زيادة الاستيراد بهذا الهيكل.

 

وانطلاقًا من تشخيصه، يصبح رفع المكون المحلي معيارًا للحكم على المكاسب، لأن ارتفاع حصيلة التصدير يفقد جزءًا من أثره عندما تصاحبه مدفوعات أكبر لشراء مستلزمات الإنتاج من الموردين خارج البلاد.

 

وعلى مستوى القطاعات، ارتفعت صادرات منتجات البترول بنسبة 128%، والملابس الجاهزة بنسبة 47.7%، والفواكه الطازجة بنسبة 77.1%، والعجائن والمحضرات الغذائية بنسبة 36.5%، لكنها زيادات لم تعادل الاندفاع الأكبر لفاتورة الواردات.

 

في المقابل، تراجعت صادرات الأسمدة بنسبة 12%، والأدوية ومحضرات الصيدلة بنسبة 13.2%، والبقول الجافة بنسبة 42.6%، والبصل الطازج بنسبة 0.4%، ما يكشف تفاوت الأداء ويمنع تعميم التحسن على جميع الأنشطة التصديرية.

 

ولذلك، تفرض النتائج مساءلة الحكومة عن أدوات دعم الصناعة والتصدير، فالمطلوب توضيح أسباب تعثر القطاعات المتراجعة، وربط الحوافز بزيادة الإنتاج والقيمة المضافة، مع نشر نتائج قابلة للقياس والمراجعة أمام الجمهور.

 

 

الخام يضغط على الفاتورة

 

أما الدكتور محمد فؤاد، فأوضح في تصريحات للبوصلة نيوز خلال مايو 2025 أن تحسن الميزان التجاري آنذاك لم يكن دليلًا على تحول هيكلي مستدام، رغم وجود تحسن نسبي بالبنية الصناعية.

 

كما أرجع فؤاد جانبًا من ذلك التحسن إلى عوامل مؤقتة، بينها قيود الاستيراد وتراجع أسعار بعض الواردات، وهو تمييز ضروري بين تحسن الأرقام لفترة محدودة وتغيير قدرة الاقتصاد على الإنتاج.

 

وبالعودة إلى يونيو، ارتفعت واردات البترول الخام بنسبة 141%، لتبرز ضمن السلع التي أرجعت النشرة إليها زيادة المشتريات الخارجية، دون أن تقدم النسب وحدها حسابًا لمساهمة كل سلعة في العجز.

 

وعلاوة على ذلك، زادت واردات اللدائن بأشكالها الأولية بنسبة 41.6%، والمواد الأولية من الحديد أو الصلب بنسبة 3.6%، وهي سلع يرتبط استخدامها بالإنتاج، بما يستدعي بدائل محلية تحافظ على تشغيل المصانع.

 

بالتوازي، ارتفعت واردات سيارات الركوب بنسبة 10.9%، لتؤكد البيانات تنوع مصادر الزيادة، وتفرض التمييز بين استيراد مدخلات الصناعة والمشتريات النهائية عند تقييم أولويات استخدام النقد الأجنبي وتحديد أدوات معالجة الاختلال.

 

ومع ذلك، انخفضت واردات منتجات البترول بنسبة 29.2%، وهو ما يستلزم الفصل بينها وبين الخام، إذ لا تسمح البيانات المختصرة باعتبار حركة أحد البندين وصفًا كاملًا لتطور فاتورة الطاقة المستوردة.

 

ومن جهة أخرى، تراجعت واردات القمح بنسبة 9.7% والسكر الخام بنسبة 37%، بينما انخفضت واردات الأبواب والدعامات والمنشآت الحديدية بنسبة 5.3%، لكن هذه التراجعات لم تكبح نمو القيمة الإجمالية للمشتريات من الخارج.

 

وبناءً عليه، يحتاج تقييم إدارة الاستيراد إلى بيانات الكميات والأسعار والمخزون، لأن انخفاض القيمة لا يثبت وحده إحلال الإنتاج المحلي، كما لا يعني ارتفاعها بالضرورة زيادة مماثلة في الكميات المستوردة فعليًا.

 

 

المستهلك وحدود التمويل

 

وفي سياق سابق يخص الأسعار، ربط عبد المطلب عبد النبي، بتصريحات للجزيرة في أبريل 2017، تصاعد التضخم باستغلال التجار تعويم الجنيه لزيادة أسعار المخزون، إلى جانب رفع الدولة أسعار سلع وخدمات.

 

واستنادًا إلى هذا التفسير، تبقى حماية المستهلك مرتبطة بمراقبة التسعير والقرارات الحكومية، وليس بحركة التجارة وحدها، مع التأكيد أن رأيه السابق يتناول التضخم ولا يمثل تعليقًا منه على نشرة يونيو الحالية.

 

ومن ثم، يفتح اتساع الفجوة التجارية سؤالًا عن تدبير التمويل الخارجي، لكنه لا يثبت تلقائيًا اقتراض مبلغ مساوٍ للعجز، إذ تدخل إيرادات الخدمات والتحويلات والاستثمارات ضمن موارد التعاملات المصرية مع الخارج.

 

في الوقت نفسه، قد يزيد احتياج الاستيراد للنقد الأجنبي الضغوط على سوق الصرف إذا لم تقابله تدفقات كافية، وهو احتمال اقتصادي مشروط لا تسمح نشرة شهر واحد بتحديد حجمه أو توقيته.

 

ولخفض هذه الضغوط، تصبح الأولوية لزيادة إنتاج السلع القابلة للمنافسة وتوفير مستلزمات المصانع، بدل الاكتفاء بإبراز نمو الصادرات، بينما تتسع المسافة بين الإيرادات السلعية والمدفوعات الخارجية وتضعف قدرة الحصيلة على تغطيتها.

 

وقبل تقديم النتائج باعتبارها نجاحًا، يتعين على الحكومة إعلان مستهدفات لصافي التجارة والمكون المحلي، وتفسير تراجع صادرات الأدوية والأسمدة، وإتاحة تفاصيل فاتورة الخام، حتى تخضع القرارات للمحاسبة على نتائج محددة ومعلنة.

 

وأخيرًا، تضع فجوة يونيو البالغة 7.5 مليار دولار الإدارة الاقتصادية أمام اختبار واضح، فزيادة الصادرات لم تحاصر الواردات، والمطلوب إجراءات إنتاجية قابلة للقياس تقلص الاعتماد الخارجي وتمنع استمرار اتساع العجز التجاري.