تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة جديدة من التصعيد المتداخل، تجمع بين الضغط الاقتصادي والعقوبات المالية من جانب، والتحركات العسكرية والصاروخية من جانب آخر، بالتزامن مع تجدد الخلاف داخل مجلس الأمن حول مستقبل العقوبات الدولية المفروضة على طهران.

 

وفي أحدث تحركات واشنطن، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على أفراد وكيانات قالت إنهم يقدمون دعماً لحزب الله اللبناني وكتائب حزب الله في العراق، مؤكدة أن الإجراءات تستهدف شبكات مالية ولوجستية مرتبطة بإيران.

 

وتزامن ذلك مع تقارير أمريكية عن أضرار لحقت بطائرات عسكرية في قاعدة موفق السلطي بالأردن جراء ضربات إيرانية، إلى جانب معلومات تحدثت عن استئناف طهران إنتاج الصواريخ الباليستية داخل منشآت تحت الأرض، رغم الضربات التي تعرضت لها مواقعها خلال الحرب.

 

وفي إسرائيل، جدد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعهده بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما شهد مجلس الأمن مواجهة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، بشأن شرعية إعادة تفعيل العقوبات الدولية على طهران.

 

 

واشنطن توسع دائرة العقوبات

 

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات عقابية جديدة ضد أفراد وكيانات في العراق ولبنان والإمارات، متهمة إياهم بتقديم دعم مالي ولوجستي إلى حزب الله اللبناني وكتائب حزب الله العراقية، وتسهيل عمليات مرتبطة بإيران والالتفاف على العقوبات المفروضة عليها.

 

وشملت العقوبات أربعة قادة وأعضاء في كتائب حزب الله، هم علي حسن فرحان اللامي، وحسين أحمد حسين الضحيباوي، ومحمد أمين فاضل علي الشيخلي، وكرار محمد قاسم الحريشاوي، إضافة إلى مسؤول في هيئة الحشد الشعبي وتاجر أسلحة عراقي يقيم في الإمارات، وعدد من الشركات العاملة في مجالات المقاولات والتجهيزات التقنية والتجارة وتحويل الأموال.

 

وقالت الخزانة الأمريكية إن كتائب حزب الله تحصل على التدريب والأسلحة والتمويل والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.

 

كما طالت الإجراءات في لبنان رجال أعمال وأصحاب شركات صرافة، تتهمهم الولايات المتحدة بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في نقل عائدات النفط الإيراني وتحويلها إلى أموال نقدية وذهب.

 

 

عقوبات تستهدف قنوات التمويل

 

تأتي العقوبات ضمن عملية أطلقتها وزارة الخزانة الأمريكية تحت اسم "المنبوذ الاقتصادي"، والتي تهدف، وفق واشنطن، إلى تضييق الخناق على القنوات الاقتصادية التي تستخدمها إيران لتمويل أنشطتها العسكرية وتجاوز العقوبات.

 

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الحملة تستهدف الأشخاص والجهات التي تواصل دعم النظام الإيراني، مؤكداً أن واشنطن تسعى إلى قطع صلات تلك الشبكات بالنظام المالي الأمريكي وتفكيك قنوات التمويل المرتبطة بها.

 

وبموجب الإجراءات الجديدة، تُجمّد الممتلكات والمصالح التابعة للأشخاص والكيانات المدرجة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أمريكيين، كما يُحظر على المواطنين والمؤسسات الأمريكية إجراء معاملات معهم.

 

وتزامنت هذه الخطوة مع إجراءات أمريكية أخرى ضد شبكات مرتبطة بإيران. ففي أواخر أغسطس، اقترحت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية التابعة للخزانة الأمريكية تقييد وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى الخدمات المصرفية المراسلة لدى المؤسسات المالية الأمريكية، متهمة البنك بمعالجة معاملات بنحو 1.8 مليار دولار لشركات يُحتمل ارتباطها بشبكات مصرفية إيرانية غير رسمية.

 

وفي سبتمبر، فرضت واشنطن عقوبات على بنك غولدن غلوب للاستثمار التركي وشركتين تابعتين له، متهمة إياه بتسهيل نقل عائدات النفط الإيراني من الصين إلى تركيا وتحويلها إلى أموال نقدية وذهب.

 

 

النفط الإيراني تحت ضغط متزايد

 

امتدت تداعيات العقوبات والحصار إلى قطاع النفط الإيراني، الذي يمثل أحد أهم مصادر التمويل بالنسبة لطهران.

 

وقال مسؤول أمريكي لوكالة رويترز إن عمليات تحميل النفط الإيراني تراجعت خلال الثلاثين يوماً الماضية إلى نحو 200 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.8 مليون برميل يومياً خلال يناير وفبراير.

 

وأضاف أن عمليات تفريغ النفط الإيراني انخفضت بدورها إلى نحو 900 ألف برميل يومياً، مقابل 1.4 مليون برميل يومياً قبل الحرب، فيما بلغ متوسط النفط الإيراني أو النفط المشتبه في كونه إيرانياً الموجود على متن السفن نحو 110 ملايين برميل خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بنحو 180 مليون برميل قبل اندلاع الحرب.

 

وتشير هذه الأرقام إلى أن القيود المفروضة على حركة النفط الإيرانية باتت تضغط على قدرة طهران على تصدير الخام وتحويل عائداته إلى موارد مالية يمكن استخدامها في تمويل الاقتصاد أو الأنشطة العسكرية.

 

وفي إجراء منفصل، وافق مواطن أمريكي على دفع 1.427 مليون دولار لتسوية مسؤولية مدنية محتملة عن 39 انتهاكاً للعقوبات الأمريكية على إيران، بعدما قدم خدمات استشارية وإدارية لشركة إيرانية وحصل على توزيعات أرباح مصدرها إيران، وفق وزارة الخزانة.

 

 

أضرار في قاعدة أمريكية بالأردن

 

وبالتوازي مع التصعيد الاقتصادي، ظهرت مؤشرات على استمرار المواجهة العسكرية المباشرة.

 

وقال مسؤول أمريكي لوكالة رويترز إن ضربات إيرانية استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن خلال الأسبوع الجاري، وأسفرت عن أضرار بعدد من الطائرات العسكرية الأمريكية.

 

وأوضح المسؤول أن طائرة هجومية من طراز "إيه-10 ثاندربولت 2" تعرضت لأضرار أدت إلى انفصال أحد جناحيها، بينما لحقت أضرار طفيفة بنحو ثماني طائرات من طراز "إف-15"، قبل إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة.

 

وتأتي هذه الخسائر ضمن أضرار أوسع لحقت بالقوات الأمريكية خلال الحرب. ووفق تقرير صدر في مايو عن خدمة أبحاث الكونجرس، فقد الجيش الأمريكي عشرات الطائرات العسكرية بين التحطم والتدمير والاستهداف، فيما أشارت البيانات الرسمية إلى مقتل 18 عسكرياً أمريكياً وإصابة أكثر من 800 آخرين.

 

كما أثار الهجوم مخاوف بشأن مخزون صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية، بعدما اضطرت القوات الأمريكية إلى إطلاق نحو 30 صاروخ اعتراض من طراز باتريوت للتصدي للصواريخ الإيرانية.

 

وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استُهلك نحو 65% من صواريخ باتريوت الاعتراضية الأمريكية، ما يعني بقاء أقل من 850 صاروخاً مقارنة بنحو 2330 قبل بدء الحرب.

 

 

طهران تعيد إنتاج الصواريخ

 

وفي تطور آخر، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين وشرق أوسطيين مطلعين أن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية، بالاعتماد على مكونات كانت مخزنة لديها والعمل داخل منشآت تحت الأرض.

 

وبحسب التقرير، تعمل طهران على تجميع صواريخ تعمل بالوقود السائل وأخرى بالوقود الصلب، فيما رصدت معلومات استخباراتية نشاطاً في عدد من المواقع تحت الأرض، من بينها منشأة خجير الصاروخية جنوب شرقي إيران.

 

كما تسعى إيران، وفق المسؤولين الذين نقلت عنهم الصحيفة، إلى إنشاء مواقع تجميع جديدة تحت الأرض لتقليل فرص تعرضها لضربات مستقبلية.

 

ولا يزال الإنتاج، بحسب التقديرات الأمريكية والإقليمية، أقل بكثير من مستوياته قبل الحرب، بسبب تضرر منشآت صناعية مهمة وصعوبة الحصول على بعض المكونات ومواد الوقود الصلب.

 

لكن استئناف التصنيع يمثل تحدياً للرواية الأمريكية والإسرائيلية بشأن حجم الضرر الذي ألحقته الضربات بالقدرات الصاروخية الإيرانية، إذ يشير إلى قدرة طهران على إعادة بناء جزء من ترسانتها تدريجياً.

 

وأظهرت صور الأقمار الصناعية، وفق وول ستريت جورنال، أعمال إعادة بناء لطرق وجسور ومنشآت إنتاج، إلى جانب إعادة فتح مداخل أنفاق تابعة لقواعد صاروخية تضررت خلال الغارات.

 

 

نتنياهو يجدد التهديد النووي

 

على الجانب الإسرائيلي، جدد بنيامين نتنياهو تعهده بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، في أعقاب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث فيها عن محاولات إيرانية لإعادة بناء قدراتها النووية.

 

وقال نتنياهو إن إيران تحاول إعادة تسليح نفسها نووياً، مضيفاً أن الضربات السابقة دمرت قدرتها الفورية على إنتاج قنابل نووية، لكنها تسعى الآن إلى إعادة بناء تلك القدرات.

 

وجاءت تصريحات نتنياهو خلال وجوده عند حائط البراق، قبيل احتفالات رأس السنة العبرية، في رسالة تعكس استمرار اعتبار البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز مصادر التهديد بالنسبة لإسرائيل.

 

ويأتي ذلك في وقت تتحدث فيه تقارير استخباراتية عن إعادة بناء إيران منشآت عسكرية وصاروخية، وهو ما يزيد المخاوف الإسرائيلية من استعادة طهران قدراتها السابقة خلال فترة زمنية أقصر من المتوقع.

 

 

خلاف دولي حول عقوبات إيران

 

لم يقتصر التصعيد على الجانبين العسكري والاقتصادي، بل انتقل إلى مجلس الأمن، حيث عقد المجلس جلسة حول عمل لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1737 والمتعلقة بإيران.

 

وانقسمت الدول الأعضاء حول الأساس القانوني لاستمرار اللجنة، بعدما اعترضت روسيا والصين على عقد الاجتماع، معتبرتين أن القرار 2231 المرتبط بالاتفاق النووي انتهى العمل به، وبالتالي لم تعد هناك أرضية قانونية لمواصلة العقوبات المنصوص عليها في القرار 1737.

 

وصوتت 11 دولة لصالح عقد الاجتماع، بينما عارضته روسيا والصين، وامتنعت باكستان والصومال عن التصويت. وبما أن التصويت كان إجرائياً، لم يكن استخدام حق النقض متاحاً.

 

وتولت فرنسا، التي تترأس مجلس الأمن خلال سبتمبر، عقد الاجتماع تحت بند عدم الانتشار.

 

وأكدت روسيا أن القرار 2231 انتهى في 18 أكتوبر 2025، وأن لجنة العقوبات لم تعد قائمة، فيما دعمت الصين الموقف ذاته وحذرت من أن استمرار هذه الإجراءات قد يضر بالجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل الأزمة النووية.

 

في المقابل، تمسكت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بموقفها القائل إن الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق النووي فعلت آلية "العودة التلقائية للعقوبات" بصورة قانونية، بسبب ما تعتبره عدم التزام إيران بتعهداتها النووية.

 

وجددت واشنطن اتهاماتها لطهران بعدم تقديم معلومات كافية بشأن المواد والمنشآت النووية، مستندة إلى تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي بشأن صعوبات عمليات التحقق والتفتيش.

 

وكان مجلس محافظي الوكالة قد اعتمد قراراً يدعو إيران إلى معالجة ما وصفه بعدم امتثالها لاتفاق الضمانات، بعد تصويت حصل خلاله المشروع على تأييد 23 دولة ومعارضة ثلاث دول، بينها روسيا والصين، بينما امتنعت ثماني دول عن التصويت.

 

وبذلك تتداخل مسارات العقوبات الاقتصادية والضغط العسكري والخلاف الدبلوماسي حول الملف النووي، بينما تسعى واشنطن إلى تضييق مصادر تمويل إيران ووكلائها، في حين تظهر مؤشرات على استمرار قدرة طهران على إعادة بناء جزء من قدراتها الصاروخية والعسكرية، بما يبقي احتمالات التصعيد مفتوحة خلال المرحلة المقبلة.