قررت حكومة الإنقلاب وقف أي اقتراض خارجي جديد لتمويل مشروعات وزارة النقل، إلا بموافقة «لجنة الدين العام» بمجلس الوزراء، مع منع الوزير من التفاوض منفردًا.
ويأتي القرار وسط تضخم غير مسبوق في التزامات القطاع، بعدما اقتربت قروض مشروعات النقل من 14 مليار دولار، مقابل 12.5 مليار دولار العام الماضي، وسط توقعات بوصولها إلى 18 مليار دولار.
ويفتح هذا التصعيد الباب أمام أسئلة أخطر حول جدوى مشروعات كبرى جرى تمويلها بالديون، وحول قدرة الدولة على سداد التزامات تتزايد بينما تتراجع الموارد وتتصاعد أعباء الموازنة.
وزارة النقل تتحول إلى ماكينة اقتراض
بحسب مصدر حكومي، فإن قروض مشروعات وزارة النقل ارتفعت إلى نحو 14 مليار دولار، بعدما كانت 12.5 مليار دولار خلال العام السابق، وسط توقعات بوصولها إلى 18 مليار دولار.
وكانت الوزارة تجري مباحثات منفردة مع جهات التمويل للحصول على قروض جديدة، الأمر الذي ساهم في تراكم الالتزامات، ودفع الحكومة إلى محاولة إحكام السيطرة على قرارات الاقتراض.
ولا يبدو القرار منفصلًا عن التحذيرات الدولية بشأن الديون المصرية، خصوصًا بعدما وصف صندوق النقد الدولي الدين بأنه يمثل «خطرًا سياديًا مرتفعًا» على الاقتصاد.
وطالب الصندوق بتشديد الرقابة على الكيانات والمشروعات الموجودة خارج الموازنة العامة، بينما وصلت الديون المضمونة سياديًا إلى 5.4 تريليون جنيه حتى يونيو 2025.
لكن توقيت القرار يثير علامات استفهام إضافية، فقد جاء بعد شهرين من تصريحات صندوق النقد في يوليو، وبعد سبعة شهور من تحذيرات مماثلة صدرت خلال فبراير ومارس.
وهنا يظهر سؤال أكثر حساسية: هل جاء وقف التفاوض المباشر بسبب أزمة الديون فقط، أم أن التسريبات المتعلقة بملفات فساد داخل الوزارة عجلت بالقرار؟.
وخلال الشهر الماضي، نشر الناشط المصري مؤمن أشرف مستندات قال إنها تتضمن اتهامات بالفساد المالي والإداري والتربح من المشروعات وإسناد أعمال بالمخالفة للقانون.
وتضمنت التسريبات اتهامات طالت وزير النقل كامل الوزير، ونجله عبد الهادي الوزير، وعددًا من مساعديه ومستشاريه، مع حديث عن عمولات وترتيبات غير قانونية.
ولا تعني تلك الاتهامات ثبوت ارتكاب جرائم، لكنها تضع منظومة الإنفاق والاقتراض أمام ضرورة تحقيقات مستقلة تكشف حقيقة ما جرى في المشروعات والصفقات.
وفي قراءة اقتصادية، يرى الخبير مصطفى يوسف أن وقف الاقتراض خطوة جيدة، خصوصًا إذا التزمت الحكومة بتوصيات صندوق النقد والبنك الدولي بشأن خفض الديون الخارجية.
ويحذر يوسف من أن الدين وصل إلى مرحلة حرجة، خصوصًا مع ضعف نمو الموارد، واعتماد الدولة بدرجة كبيرة على بيع الأصول السيادية لتوفير العملة الصعبة.
ويقول إن خدمة الدين، بما تشمل الفوائد والأقساط، تلتهم بين 54% وأكثر من 60% من إجمالي مصروفات الدولة، بينما تقترب من 76% من إجمالي إيرادات الموازنة.
وبمعنى أكثر وضوحًا، تذهب نسبة ضخمة من موارد الدولة لسداد ديون سابقة، بينما تتراجع المساحات المتاحة للإنفاق على الأجور والدعم والتنمية والخدمات الأساسية.
ويعتبر يوسف أن اقتراض الأموال لمشروعات ضرورية يمكن الدفاع عنه، لكنه يرفض استمرار الاقتراض لمشروعات لا تحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا أو ترفع قدرة الدولة الإنتاجية.
ويطرح مثالًا أكثر صراحة، إذ يرى أن إنفاق الأموال على مشروعات مرتبطة بالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، بينما تتراكم الديون، يمثل هدرًا لإمكانيات الدولة.
مشروعات بالمليارات.. والمواطن يتحمل الفاتورة
تتضاعف الأزمة عندما تتجه الدولة للاقتراض من أجل مشروعات ضخمة، ثم تلجأ إلى رفع أسعار الخدمات لتحميل المواطن جزءًا من تكاليف التشغيل والأقساط والفوائد.
فمنذ وصول سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى جنيه واحد في بداية عهد السيسي، ارتفع السعر تدريجيًا حتى وصل إلى 20 جنيهًا حاليًا.
كما ارتفعت أسعار تذاكر القطارات، لتصل تذكرة قطارات تالجو المكيفة إلى ما بين 500 و700 جنيه، بينما تراوحت الروسية والفرنساوي بين 190 و390 جنيهًا.
وشهد عام 2024 وحده زيادتين في أسعار تذاكر القطارات، الأولى خلال مارس والثانية في يوليو، بنسب تراوحت بين 12.5% للخطوط الطويلة و25% للخطوط القصيرة.
وتبرر الوزارة الزيادات عادة بتغطية مصروفات التشغيل، وسداد الديون المتراكمة، وتمويل التطوير وإدخال قطارات وعربات جديدة، لكن المواطن يظل الطرف الذي يدفع في النهاية.
وهكذا تتحول المعادلة إلى دائرة مغلقة؛ الحكومة تقترض للتطوير، ثم ترفع الأسعار، بينما يظل السؤال قائمًا حول حجم العائد الحقيقي من هذه الاستثمارات.
ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن قرضًا للسكك الحديدية بلغت قيمته 421 مليون دولار لم يحقق، بعد مرور خمس سنوات، الهدف المنتظر.
فقد ظلت معدلات الوفيات والإصابات عند مستوى 0.56 وفاة وإصابة لكل مليار راكب/كيلومتر، وهو المستوى نفسه تقريبًا قبل بدء المشروع في 2022.
والأخطر أن البنك الدولي صنف مخاطر الإدارة المالية والائتمانية المرتبطة بقروض مشروعات السكك الحديدية في مصر عند مستوى «مرتفع».
وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم القروض، وإنما أيضًا بقدرة الجهات المنفذة على إدارة التمويلات وتحقيق النتائج التي يفترض أن تبرر الاقتراض.
وفي الوقت نفسه، يشكو ملايين المواطنين في محافظات الدلتا ووادي النيل، وعددها 21 محافظة من أصل 27 محافظة، من تدهور الطرق الداخلية.
وتتحول الطرق المتهالكة إلى فاتورة بشرية قاسية، بعدما تسببت حوادث الطرق خلال 2025 في مقتل 5829 شخصًا وإصابة نحو 85 ألفًا، وفق بيانات رسمية.
وشهد العام الجاري أيضًا حوادث دامية أثارت غضبًا واسعًا، بينها حادثتا الإسماعيلية خلال الشهر الماضي، التي أسفرت عن مقتل 19 وإصابة 30.
كما شهدت منطقة غيط العنب حادثًا آخر راح ضحيته 20 مصريًا، غالبيتهم فتيات، رغم استمرار الوزارة في إعلان أرقام الإنجازات والتطوير.
وهنا تبدو المفارقة واضحة؛ فبينما تتدفق مليارات الدولارات على مشروعات عملاقة، ما زالت طرق داخلية وخدمات أساسية تعاني مشكلات تودي بحياة المواطنين.
تريليونات الإنفاق.. وأرقام لا تتطابق مع النتائج
في 10 يوليو، أعلنت وزارة النقل ضمن بيان إنجازاتها خلال الفترة من 2014 إلى 2026، أن إجمالي تكلفة المشروعات تجاوز 2 تريليون جنيه.
لكن الرقم لا يتطابق مع تصريحات سابقة للسيسي، الذي قال في مارس 2022 إن مشروعات النقل نُفذت بتكلفة بلغت 2.6 تريليون جنيه.
ويكشف اختلاف الرقمين حجم الارتباك في عرض تكلفة المشروعات، خصوصًا مع تعدد الهيئات والجهات المنفذة وتنوع مصادر التمويل بين الموازنة والقروض والاستثمارات.
ولا يمكن تجاهل أهمية تطوير السكك الحديدية، فهي ثاني أقدم شبكة من نوعها عالميًا بعد المملكة المتحدة، وبدأ إنشاؤها في مصر عام 1834.
وتعلن الوزارة تنفيذ وتخطيط 80 مشروعًا لتطوير وسائل الجر والإشارات والوحدات المتحركة، بتكلفة تصل إلى 142 مليار جنيه، لخدمة نحو 1.1 إلى 1.2 مليون راكب يوميًا.
لكن ضخ الأموال في مشروعات النقل لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل جرى اختيار المشروعات وفق احتياجات المواطنين أم وفق رؤية توسعية باهظة التكلفة؟
ويصل طول القطار الكهربائي الخفيف إلى 100 كيلومتر، بينما تبلغ تكلفة الكيلومتر الواحد نحو 22 مليون دولار، في مشروع يخدم مناطق عمرانية جديدة.
أما المونوريل، فتبلغ تكلفة خطيه شرق وغرب النيل نحو 2.8 مليار دولار، بينما تصل تكلفة القطار الكهربائي السريع إلى 23 مليار دولار.
ويبلغ طول القطار الكهربائي السريع 660 كيلومترًا، ليربط السخنة بالعاصمة الجديدة والعلمين ومطروح، ضمن تصور لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.
أما القطار الكهربائي الخفيف فتبلغ تكلفته نحو 1.3 مليار دولار، بينما تمتد مشروعات المونوريل في الصحراء لمسافة تقارب 100 كيلومتر بخطيه.
وتتجاوز التكلفة المعلنة للمونوريل أحيانًا الرقم الأساسي للمشروع، إذ تصل إجمالي عقود التشغيل والصيانة والورش المجمعة إلى 4.5 مليار دولار، وفق أرقام الشركات المنفذة.
وفي المقابل، بلغت رؤوس الأموال التي ضخت في الهيئة القومية للأنفاق 19.3 مليار جنيه، وهي الهيئة المسؤولة عن المونوريل والقطار الكهربائي السريع.
كما بلغت رؤوس الأموال في الهيئة القومية لسكك حديد مصر 10.5 مليار جنيه، بينما وصلت التمويلات المحلية والأجنبية للقطاع إلى 317 مليار جنيه.
وجاء ذلك ضمن موازنة العام المالي 2025-2026، في وقت تكشف فيه الأرقام عن استمرار حاجة القطاع إلى الاقتراض رغم تراكم الالتزامات السابقة.
وتتراوح القروض والالتزامات الخاصة بمشروعات وزارة النقل بين 18 و20 مليار دولار، بما يعادل نحو 12.5% إلى 13% من إجمالي الدين الخارجي.
ويبلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر نحو 164 مليار دولار، وفق تصريحات وزير النقل في مارس، ما يجعل التزامات قطاع واحد تمثل نسبة ضخمة من الدين القومي.
والأكثر إثارة للقلق أن الوزارة لا تبدو في طريقها للتوقف عن الاقتراض، بل تستهدف الحصول على تمويلات جديدة خلال الفترة المقبلة.
وتسعى الهيئات الاقتصادية إجمالًا لاقتراض 459.2 مليار جنيه، بينما تستحوذ هيئات وزارة النقل العشر على 321.9 مليار جنيه من هذه الاحتياجات.
وتنقسم احتياجات الاقتراض الخاصة بهيئات وزارة النقل إلى 170.8 مليار جنيه قروضًا محلية، وما يعادل 151.9 مليار جنيه قروضًا خارجية.
وتكشف هذه الأرقام أن وزارة النقل لا تواجه مجرد أزمة تمويل مؤقتة، وإنما أصبحت إحدى أكبر بوابات الاقتراض الحكومي، في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصاد على تحمل ديون جديدة.
وتزداد المخاطر عندما لا تترافق القروض مع عوائد واضحة، أو عندما تتحول المشروعات إلى أعباء تشغيلية تحتاج إلى دعم مستمر من الموازنة.
ولهذا يطالب متابعون مصريون بمراجعة شاملة لقروض الوزارة، ومراجعة جدوى المشروعات التي حصلت على التمويل، ووقف المشروعات التي لم تعد ضرورية أو لم تثبت جدواها.
كما يطالبون بإعادة ترتيب الأولويات، وتقييم دراسات الجدوى، وجدولة ديون الوزارة، والبحث عن وسائل للسداد لا تنقل العبء مباشرة إلى المواطن أو الموازنة العامة.
ويرى منتقدون أن إنفاق الأموال على أبراج ومشروعات استعراضية، بدلًا من بناء 1000 مستشفى و1000 معهد فني و3000 مدرسة، يعكس خللًا في ترتيب الأولويات.
ولا يتوقف الانتقاد عند المونوريل، بل يمتد إلى فلسفة الإنفاق نفسها، خصوصًا عندما تتزامن المشروعات مرتفعة التكلفة مع نقص الخدمات الأساسية وتزايد أعباء المعيشة.
ومنذ 3 يوليو 2013، يربط منتقدون هذا المسار بنموذج اقتصادي يعتمد على الاقتراض وتنفيذ مشروعات ضخمة، ثم تحميل المجتمع نتائج ارتفاع تكاليف التمويل.
وبذلك تصبح أزمة وزارة النقل نموذجًا مصغرًا لأزمة أكبر؛ ديون تتوسع، ومشروعات تتكلف مليارات، ومواطن يدفع أسعارًا أعلى، بينما تظل جدوى الإنفاق محل جدل.
وإذا كان وقف الاقتراض الجديد خطوة ضرورية، فإنها لن تكون كافية دون كشف كامل لحجم الالتزامات، وتدقيق العقود، ومراجعة دراسات الجدوى، ومحاسبة أي مخالفات تثبتها التحقيقات.
فالخطر الحقيقي لم يعد في قرض منفرد أو مشروع واحد، وإنما في منظومة كاملة تسمح بتراكم الديون أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد العائد.
وحين تصبح خدمة الدين بين 54% وأكثر من 60% من المصروفات، وتقترب من 76% من الإيرادات، فإن هامش الخطأ يصبح شديد الضيق.
وتلك هي المفارقة الأشد قسوة: دولة تقترض لتطوير النقل، ثم تقترض مجددًا لسداد التزامات سابقة، بينما يدفع المواطن تكلفة التشغيل والتطوير والخدمة من دخله.
في النهاية، لا يحتاج المصريون إلى مزيد من الأرقام الدعائية، بقدر حاجتهم إلى إجابة واضحة: أين ذهبت مليارات القروض، وماذا حققت، ومن سيتحمل فاتورة سدادها؟.

