تدخل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي مرحلة أكثر سخونة، مع تكثيف الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس تحركاتهما لحشد القاعدة الجمهورية، في وقت تشير فيه تقديرات انتخابية إلى احتمال فقدان الحزب أغلبيته في مجلس النواب، بينما تظل السيطرة على مجلس الشيوخ موضع اختبار أكثر حساسية.
وخلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري في مدينة دالاس بولاية تكساس، لجأ ترامب إلى لهجة حادة لحث أنصاره على المشاركة في الانتخابات المقررة في 3 نوفمبر، محذرًا الجمهوريين الذين قد يتخلفون عن التصويت بعبارة أثارت اهتمامًا واسعًا، حين قال إنهم "سيذهبون إلى الجحيم".
وجاء خطاب ترامب في وقت يحاول فيه الحزب الجمهوري تجاوز ضغوط انتخابية متزايدة، مرتبطة بتراجع شعبية الرئيس وارتفاع التضخم وتداعيات الحرب مع إيران، بالتزامن مع سعي القيادة الجمهورية إلى إبقاء الناخبين الموالين لترامب داخل دائرة المشاركة السياسية حتى في انتخابات لا يظهر فيها الرئيس نفسه مرشحًا.
ترامب يستخدم لغة دينية للحشد
خلال كلمته الختامية في المؤتمر، دعا ترامب الحاضرين إلى ترديد تعهد بالتصويت، وقال: "أتعهد لأعظم رئيس في تاريخ الولايات المتحدة"، في إشارة إلى نفسه، قبل أن يطلب منهم التعهد بجمع أفراد عائلاتهم وأصدقائهم والتوجه إلى صناديق الاقتراع في 3 نوفمبر أو التصويت مبكرًا.
وبعد أن ردّد الحاضرون هتافات تؤكد التزامهم بالتصويت، سألهم ترامب: "هل تعرفون ماذا يحدث إذا لم تصوتوا؟"، قبل أن يجيب بنفسه: "ستذهبون إلى الجحيم".
وتعكس هذه اللهجة محاولة واضحة لرفع مستوى الحماس داخل القاعدة الجمهورية، خصوصًا أن انتخابات التجديد النصفي غالبًا ما تعتمد بصورة كبيرة على قدرة الأحزاب على دفع أنصارها إلى المشاركة، وليس فقط على اتجاهات الناخبين العامة.
ويستعد الأمريكيون لاختيار جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضوًا، إلى جانب نحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، في انتخابات يمكن أن تحدد قدرة إدارة ترامب على تمرير أجندتها خلال المرحلة المقبلة.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على المقاعد التي ستتغير، إذ إن فقدان الأغلبية في أحد المجلسين قد يضع قيودًا أكبر على الرئيس ويمنح الديمقراطيين قدرة أوسع على تعطيل أو مراجعة السياسات والقرارات التي تتطلب موافقة الكونغرس.
فانس يهاجم الديمقراطيين
وفي المؤتمر نفسه، صعّد نائب الرئيس جيه دي فانس هجومه على الحزب الديمقراطي، مقدمًا الانتخابات المقبلة باعتبارها مواجهة بين ما وصفها بالقيم المحافظة التي يمثلها الجمهوريون، وبين تيار يساري اعتبره متطرفًا.
وقال فانس أمام حشد من أنصار الحزب إن الديمقراطيين سيقدمون في الانتخابات مرشحين "يخبرون أطفالكم بما يُسمح لهم بقوله وكيف يُسمح لهم بالعيش"، مضيفًا أن الحزب الديمقراطي، بحسب وصفه، هو "حزب الكراهية".
وذهب نائب الرئيس إلى اتهام الديمقراطيين بالعداء لأمريكا وللأشخاص الذين بنوها، كما اتهمهم بإظهار التعاطف مع منفذي هجمات 11 سبتمبر في خطاب يعكس طبيعة الاستقطاب السياسي المتزايد بين الحزبين.
واستقبل الحاضرون فانس، البالغ من العمر 42 عامًا، بالتصفيق والهتافات، في مؤشر على المكانة المتزايدة التي يحظى بها داخل الحزب الجمهوري، خصوصًا مع بدء الحديث مبكرًا عن شكل القيادة الجمهورية في مرحلة ما بعد ترامب.
وكان ترامب نفسه حريصًا على الإشادة بنائبه، معتبرًا أن فانس قدم أداءً قويًا، وقال إن الديمقراطيين بدأوا يشعرون بالقلق.
العائلة في قلب خطاب الجمهوريين
احتلت قضايا الأسرة والأبوة والقيم المحافظة مساحة بارزة من خطاب فانس، الذي حاول تقديم هذه الملفات باعتبارها أحد أبرز الفوارق بين الجمهوريين والديمقراطيين.
وأكد فانس لأنصار الحزب أن المطلوب ليس الاتفاق مع الإدارة الجمهورية في كل سياساتها، وإنما إدراك الفارق بينها وبين ما وصفهم بـ"الراديكاليين"، مشددًا على ضرورة إقصاء الديمقراطيين من السلطة في انتخابات نوفمبر.
كما اتهم خصومه بمحاولة استهداف مفهوم الأسرة التقليدية، متعهدًا بالدفاع عن العائلات الأمريكية، في خطاب يستهدف بالدرجة الأولى الناخبين المحافظين والمتدينين.
وخلال كلمته، قاطع أحد المحتجين حديث فانس، وكان يحمل علم المكسيك ويهتف من بين الحضور. ورد نائب الرئيس على المحتج بسخرية، قائلاً إنه إذا كان يحب المكسيك إلى هذا الحد، فيمكنه الذهاب إليها، مضيفًا أنه سيشتري له تذكرة سفر.
وتكشف الواقعة عن طبيعة المؤتمر الذي تحول إلى مساحة لإظهار التماسك الجمهوري في مواجهة المعارضة والاحتجاجات، مع اعتماد قادة الحزب على لغة حادة لاستقطاب المؤيدين.
الجمهوريون يواجهون خطر خسارة النواب
وتأتي التحركات الجمهورية في ظل مؤشرات انتخابية لا تبدو مريحة للحزب في مجلس النواب. ووفق تقديرات نشرها موقع متخصص في متابعة الانتخابات الأمريكية، يمكن أن يحصل الديمقراطيون على 229 مقعدًا مقابل 206 للجمهوريين، مع بقاء المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تقاربًا.
وفي حال تحققت هذه التقديرات، سيواجه ترامب واقعًا سياسيًا أكثر تعقيدًا خلال الفترة المقبلة، إذ إن خسارة مجلس النواب قد تمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على فتح تحقيقات وممارسة رقابة مكثفة على الإدارة، فضلًا عن التأثير في تمرير التشريعات.
ويزيد من صعوبة الموقف الجمهوري استمرار معدلات تأييد ترامب عند مستويات منخفضة إلى متوسطة، في نطاق الثلاثينات، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع التضخم، إضافة إلى التداعيات السياسية للحرب مع إيران.
ويرى الباحث والكاتب المتخصص في الشأن الأمريكي محمد المنشاوي أن لغة ترامب، بما تتضمنه من وعود مالية ومهاجمة الديمقراطيين، تدخل في إطار الخطاب الانتخابي المتوقع مع اقتراب موعد الاقتراع.
وأشار إلى أن التقديرات تشير إلى احتمال انتقال أغلبية مجلس النواب إلى الديمقراطيين، معتبرًا أن السؤال داخل الأوساط الجمهورية لم يعد فقط ما إذا كان الحزب سيخسر المجلس، وإنما حجم الخسارة المحتملة.
مجلس الشيوخ الاختبار الأصعب
في المقابل، يمثل مجلس الشيوخ اختبارًا مختلفًا للجمهوريين، نظرًا إلى أهمية الحفاظ على الأغلبية فيه بالنسبة لقدرة ترامب على تمرير خياراته السياسية وتثبيت نفوذه داخل المؤسسات الفيدرالية.
ويعتقد المنشاوي أن الحزب الجمهوري سيخوض معركة أساسية للحفاظ على أغلبيته في المجلس، في وقت يحاول فيه ترامب وفانس إقناع الناخبين بأن الديمقراطيين لا يمثلون بديلًا مناسبًا.
وتزداد حساسية المعركة مع محاولة بعض المرشحين الجمهوريين الابتعاد عن ترامب أو عدم الظهور معه بصورة مكثفة، خشية أن تؤثر بعض سياساته في فرصهم داخل ولاياتهم.
كما يرى مراقبون أن داخل الحزب الجمهوري قدرًا من الانقسام، حتى وإن ظل أقل وضوحًا من الخلافات التي يشهدها الحزب الديمقراطي، بينما يمثل ترامب محور القوة الرئيسي داخل القاعدة الجمهورية.
ورقة الخمسة آلاف دولار
ولم يكتف ترامب بالتحذير من عدم التصويت، بل أعاد طرح وعد مالي لافت، يتمثل في منح كل أمريكي بالغ خمسة آلاف دولار إذا تمكن الجمهوريون من الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي الكونغرس.
ووفق الصيغة التي طرحها ترامب، سيكون الحصول على هذه الأموال مرتبطًا بإنفاقها داخل الولايات المتحدة، بما يجعل الوعد جزءًا من خطاب اقتصادي وانتخابي يستهدف الناخبين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتحاول الإدارة من خلال هذه الرسائل مواجهة أثر الملفات الاقتصادية التي قد تتحول إلى نقطة ضعف انتخابية، خصوصًا مع استمرار التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، وهي ملفات تؤثر بصورة مباشرة في تقييم الناخبين لأداء الرئيس.
وتتزامن هذه الوعود مع حديث ترامب عن مستقبل أسعار النفط، التي ارتفعت بصورة كبيرة نتيجة الحرب مع إيران، مؤكدًا أن الأسعار لن تتراجع على الأرجح قبل انتخابات التجديد النصفي، وأنها قد تنخفض بعد الانتخابات.
وكان ترامب قد توقع أن تنتهي الحرب مع إيران مباشرة بعد الانتخابات، قائلًا إن طهران لن تكون قادرة على الصمود لفترة أطول، في تصريحات تربط بصورة غير مباشرة بين مسار الحرب والتوقيت الانتخابي الأمريكي.
فانس يختبر طريق 2028
وبعيدًا عن انتخابات الكونغرس، حمل ظهور فانس في المؤتمر دلالة إضافية تتعلق بمستقبل الحزب الجمهوري بعد ترامب.
ويُنظر إلى نائب الرئيس باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ترامب وقيادة الحزب في الانتخابات الرئاسية عام 2028، وهو ما جعل خطابه في دالاس محل اهتمام يتجاوز الانتخابات النصفية.
ومع ذلك، أكد فانس أنه لن يحسم موقفه بشأن انتخابات 2028 قبل انتهاء انتخابات التجديد النصفي، في محاولة لتجنب تحويل الاهتمام عن المعركة الحالية.
ويبدو أن ترامب نفسه لا يمانع في منح نائبه مساحة سياسية متزايدة، إذ أشاد بأدائه ووصفه بالرجل الموهوب، مؤكدًا أنه يقوم بعمل ممتاز في منصب نائب الرئيس.
ويواجه فانس في الوقت نفسه مهمة إثبات قدرته على مخاطبة القاعدة الجمهورية بأسلوبه الخاص، مع الحفاظ على التحالف السياسي الذي بناه ترامب خلال السنوات الماضية.
وفي نهاية المطاف، تبدو انتخابات نوفمبر اختبارًا مزدوجًا للجمهوريين: اختبار لقدرتهم على الحفاظ على نفوذهم داخل الكونغرس، واختبار لقدرة ترامب على حشد أنصاره حتى عندما لا يكون اسمه على ورقة الاقتراع.
أما بالنسبة لفانس، فقد تتحول الانتخابات إلى محطة مبكرة لقياس قدرته على وراثة النفوذ السياسي لترامب، بينما يبقى السؤال الأكبر متعلقًا بما إذا كان الحزب قادرًا على الاحتفاظ بأغلبيته، أم أن صناديق الاقتراع ستفرض خريطة سياسية جديدة على واشنطن.

