بعد 26 عامًا على استشهاده خلال انتفاضة الأقصى، عادت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من صفحات المناهج التعليمية المصرية، بعدما أُدرجت الصورة التي هزت العالم ضمن كتب جيل جديد من الطلاب.

 

واستشهد محمد الدرة في 30 سبتمبر 2000، بعدما وثقت الكاميرات لحظة احتمائه إلى جانب والده جمال الدرة، قبل أن تطالهما نيران الاحتلال، في مشهد أصبح لاحقًا من أشهر الصور المرتبطة بالقضية الفلسطينية واستهداف الأطفال.

 

من ذاكرة الانتفاضة إلى وعي جيل جديد

 

تعيد المناهج المصرية صورة الدرة إلى الذاكرة التعليمية بعد أكثر من ربع قرن على استشهاده، لتصل قصته إلى جيل من الطلاب لم يكن قد وُلد عند وقوع الحادثة، وتبقى شاهدة على واحدة من أكثر اللحظات حضورًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية.

 

وأعرب جمال الدرة، والد الطفل الشهيد، عن اعتزازه بوجود صورة نجله ضمن منهج البكالوريا المصرية، معتبرًا أن الخطوة تحمل دلالات إنسانية، وتعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية في وعي الأجيال الجديدة.

 

وقال جمال الدرة، في تصريحات لوسائل إعلام مصرية، إنه يستقبل هذه الخطوة بمزيج من الألم والفخر، بعدما أصبحت صورة ابنه حاضرة في المناهج التعليمية، مشيرًا إلى أن محمد استشهد أمام أعين العالم.

 

ووجه والد الشهيد رسالة إلى الطلاب في مصر، داعيًا إياهم إلى ألا ينظروا إلى صورة محمد باعتبارها مجرد صورة من الماضي، بل أن يتذكروا الطفل والإنسان الذي كان وراءها، وما عاشته أسرته من ألم، وقصة شعب لا يزال يبحث عن الأمان.

 

وأكد أن حضور قصة محمد الدرة في المناهج لا يمثل تكريمًا لعائلته وحدها، بل لكل طفل فلسطيني استشهد، ولكل أسرة فقدت أبناءها، ولكل من حمل القضية الفلسطينية في ذاكرته ووجدانه.

 

صورة لم تغب عن ذاكرة المصريين

 

ولم يقتصر التفاعل مع إدراج صورة الدرة في المناهج على الأوساط الإعلامية، إذ أعاد ناشطون ومدونون تداول الصورة واستحضار المشهد الذي ظل حاضرًا في الذاكرة منذ عام 2000.

 

واستعاد أحد المدونين ذكرياته مع المشهد، مشيرًا إلى أنه كان من جيل الأطفال الذين تشكل وعيهم على صورة محمد الدرة ووالده، وأن المشهد ظل عالقًا في ذاكرته وذاكرة المصريين، معربًا عن سعادته بظهور الصورة في المناهج، حتى وإن جاءت الخطوة بعد سنوات طويلة.

 

ورأى مدونون أن الرسالة الأهم لا تكمن في الصورة وحدها، وإنما فيما تحمله من معنى للطلاب، داعين إلى النظر إليها باعتبارها قصة طفل وأسرة وإنسان، لا مجرد مشهد محفوظ في كتاب.

 

واعتبر ناشطون أن انتقال صورة الدرة من شاشات الأخبار إلى صفحات الكتب المدرسية يمثل عبورًا للزمن، ويعيد تثبيت واحدة من أبرز صور انتفاضة الأقصى في ذاكرة الأجيال الجديدة.

 

مشهد وُلد من رحم انتفاضة الأقصى

 

تعود قصة محمد الدرة إلى الأيام الأولى لانتفاضة الأقصى، حين كان الطفل يسير مع والده في شارع صلاح الدين بقطاع غزة، قبل أن يجدا نفسيهما تحت نيران الاحتلال ويحاولا الاحتماء خلف برميل إسمنتي.

 

وحاول جمال الدرة حماية ابنه بجسده، لكن الرصاص أصابه وأصاب محمد، قبل أن يسقط الطفل شهيدًا على ساق والده، في مشهد وثقته الكاميرات وتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر صور الانتفاضة حضورًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية.

 

واندلعت انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000، عقب اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون المسجد الأقصى برفقة قوات كبيرة من الجيش والشرطة الإسرائيلية، لتدخل الأراضي الفلسطينية بعدها مرحلة جديدة من المواجهات.

 

وبعد أكثر من ربع قرن، تنتقل صورة الدرة مرة أخرى بين الأجيال؛ من شاشات الأخبار التي وثقت لحظاته الأخيرة إلى صفحات الكتب المدرسية، لتبقى قصة طفل فلسطيني غاب جسدًا، لكن صورته ظلت حاضرة في الذاكرة.