يرى الصحفي والكاتب الفلسطيني رمزي بارود أن الحكومة الأمريكية تواصل المضي في النهج نفسه رغم التكلفة الباهظة التي تدفعها واشنطن، ليس فقط على المستوى المادي، وإنما أيضًا على صعيد نفوذها الجيوسياسي. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تفقد نفوذها ومكانتها في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، بما قد يطلق تأثيرًا متسلسلًا تتردد أصداؤه حول العالم.
ويستعرض الكاتب في تحليل نشره موقع ميدل إيست أونلاين سجل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، مركزًا على الحرب ضد إيران، ودعم إسرائيل، وغزو العراق واحتلاله، في محاولة لتفسير أسباب تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة بعيدًا عن التفسيرات التي تحصر الإخفاق في سوء التخطيط العسكري أو التقليل من قدرات إيران.
وجاء أحدث تعبير عن هذا النهج على لسان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي قال خلال اجتماع لوزراء مالية مجموعة العشرين في أشفيل بولاية نورث كارولاينا في الأول من سبتمبر، إن مضيق هرمز سيصبح خلال عامين «قطعة مياه بلا قيمة»، مع انتقال نقل النفط إلى خطوط أنابيب برية.
ويروج بيسنت الآن لرواية جديدة تنقل التركيز من الحرب العسكرية إلى المواجهة الاقتصادية. وفي مقال نشره في «فايننشال تايمز» في 23 أغسطس، أعلن أن «إنزالًا اقتصاديًا على غرار يوم النصر قادم لإيران»، مهددًا الدول التي تواصل تجارتها مع طهران بعواقب اقتصادية قاسية.
ولا يبدو هذا الطرح، وفق بارود، استراتيجية متماسكة للسياسة الخارجية بقدر ما يعكس إقرارًا بعجز واشنطن عن تغيير مسار الحرب الدائرة.
إخفاق واشنطن في إيران.. تفسير عسكري لا يروي القصة كاملة
برز اتجاهان رئيسيان لتفسير الكيفية التي وصلت بها واشنطن إلى هذا الوضع. ويرى الاتجاه الأول، الذي تتبناه قطاعات من الإعلام الأمريكي ومسؤولون سابقون وقادة عسكريون متقاعدون، أن الحرب على إيران شكلت خطأ منذ البداية، وأن واشنطن افتقرت إلى الاستعداد العسكري واللوجستي اللازم لخوضها.
ويضع التفسير الثاني إيران في قلب المشهد، معتبرًا أن واشنطن قللت بصورة جوهرية من تقدير القدرات العسكرية الإيرانية، والقدرة على الصمود سياسيًا، ومدى النفوذ الإقليمي لطهران، وتعاملت مع إيران وكأنها فنزويلا أخرى يمكن إخضاعها بالعقوبات والتهديدات وضغوط عسكرية محدودة.
ويحمل التفسيران جانبًا من الحقيقة، لكن أيًا منهما لا يقدم، بحسب بارود، التفسير الأعمق والأقل دفاعية والأكثر ارتباطًا بالسياق التاريخي لفهم حجم الإخفاق الأمريكي الراهن.
وبرز عالم السياسة الأمريكي وأستاذ العلاقات الدولية البارز جون ميرشايمر باعتباره أحد أكثر المنتقدين جرأة للحرب الأمريكية.
وقال ميرشايمر في 15 يوليو: «ترامب عالق ولا مخرج أمامه»، مجددًا موقفًا طرحه مرارًا منذ بداية الحرب. وأضاف أن قرار مهاجمة إيران في 28 فبراير 2026 «واحد من أكبر الأخطاء في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية».
وكثيرًا ما يحلل ميرشايمر، شأنه شأن جيفري ساكس وسكوت ريتر وغيرهما من الأصوات الأمريكية المنتقدة، هذه «الأخطاء الكبرى» من منظور أمريكي، وهو أمر مفهوم إلى حد كبير. لكن بالنسبة إلى ملايين الأشخاص في الشرق الأوسط، لا يمثل هذا التحليل تمرينًا فكريًا أو استراتيجيًا، بل يصف واقع حياتهم اليومية.
وعاش سكان المنطقة نتائج هذه الحسابات الكارثية، ودفعوا الثمن الإنساني لتعنت الولايات المتحدة وعسكرتها وفشلها السياسي.
ويقدم تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط أمثلة لا حصر لها على هذا النمط المدمر، فيما يظل دعم واشنطن لإسرائيل، التي يصفها الكاتب بأنها أكبر قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، المثال الأكثر استمرارًا.
ولا يحتاج الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون وغيرهم من شعوب المنطقة إلى إطار استراتيجي جديد للوصول إلى استنتاج مماثل لاستنتاج ميرشايمر، فقد اختبروا مباشرة نتائج القوة الأمريكية عبر الحروب والغزوات والاحتلالات والعقوبات والتدخل السياسي والدعم غير المشروط لإسرائيل.
من العراق إلى إيران.. واشنطن تواجه شرق أوسط تغير
سجلت الولايات المتحدة فصلًا كارثيًا آخر عبر غزو العراق واحتلاله. وأسقطت واشنطن حكومة صدام حسين عام 2003، لكنها أخفقت بصورة كارثية في إدارة العراق وتحقيق استقراره أو إعادة صياغة الشرق الأوسط وفق «الرؤية» التي أعلنتها.
ولم يفضِ ذلك إلى قيام نظام إقليمي جديد تقوده الولايات المتحدة، بل إلى تدمير العراق، وإطالة أمد عدم الاستقرار، وصعود قوى سياسية لم تتوقعها واشنطن ولم تتمكن من السيطرة عليها.
وانخرط حلفاء واشنطن الغربيون كذلك في ما أصبح يعرف بـ«مستنقع العراق»، ودفعوا تكاليف سياسية وعسكرية ومالية كبيرة مقابل حرب استندت إلى مبررات ثبت زيفها، بينما لا تزال تداعياتها دون حل.
ولا تبدو لدى هؤلاء الشركاء السابقين رغبة في المشاركة لفترة غير محددة في حرب أكبر وربما أكثر تدميرًا ضد إيران، خصوصًا في ظل إدارة الأزمة على يد دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، اللذين يصفهما الكاتب بأنهما زعيمان يحظيان بقدر كبير من عدم الشعبية والاندفاع وانعدام الثقة.
لكن الشرق الأوسط تغير.
وتمتلك دول المنطقة اليوم قدرة أكبر على صياغة سياساتها، وتحالفات أكثر تنوعًا، ومصالح أكثر ارتباطًا بمآلات الصراعات مما كانت عليه عام 2003. ولم تعد تعمل داخل نظام إقليمي تمثل فيه واشنطن المركز الوحيد المؤثر للقوة العالمية.
وتقدم زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج الأخيرة إلى مصر أحد الأمثلة العديدة على هذا التحول. وقال شي خلال اجتماعه برئيس الانقلاب المصري عبدالفتاح السيسي في الثاني من سبتمبر: «يجب أن نتمسك بمبدأ أن شعوب الشرق الأوسط هي سيدة شؤونها»، داعيًا كذلك دول المنطقة إلى رفض «التدخل الخارجي» وتعزيز الحوار الإقليمي بشأن السلام والأمن.
وتتجه قوى إقليمية أخرى، مثل مصر، إلى تنويع شراكاتها بدلًا من الاعتماد الحصري على واشنطن.
ويدرك قادة الشرق الأوسط أن استمرار الحرب ضد إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها، إذ قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وتدمير اقتصاداتها وبنيتها التحتية، وتهديد طرق الطاقة الحيوية، وإشعال حروب مترابطة قد تمتد آثارها لعقود.
إسرائيل أضعف.. ونموذج الهيمنة الأمريكية يفقد صلاحيته
تقودنا هذه التطورات إلى إسرائيل، التي شكلت تاريخيًا حجر الأساس في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، لكنها باتت أضعف بصورة ملحوظة. وتعاني إسرائيل استنزافًا عسكريًا، وانقسامًا سياسيًا، وانقسامًا اجتماعيًا، كما تعجز عن حسم أي من الحروب التي فتحتها بصورة قاطعة، رغم إعلانات نتنياهو المتكررة عن تحقيق النصر.
ولا يمكن، لذلك، تفسير مأزق واشنطن الراهن بمجرد استنزاف ترسانتها أو سوء التخطيط العسكري أو اندفاع ترامب أو تأثير نتنياهو، كما لا يمكن اختزاله في التقليل من قدرات إيران.
ويكمن الإخفاق الأعمق في محاولة واشنطن فرض نموذج قديم للهيمنة الإقليمية على شرق أوسط، بل وعلى عالم، تغير بصورة جوهرية.
ويرى بارود أن شعوب المنطقة لم تعد تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها مركز القوة العالمي الوحيد القادر على تحديد مسار المنطقة، في وقت تتوسع فيه خيارات الدول الإقليمية وتتعدد شراكاتها الدولية.
ولا يقتصر التغيير على العلاقات السياسية، بل يمتد إلى الحسابات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية. فالدول التي عانت آثار الحروب والتدخلات الأمريكية أصبحت أكثر إدراكًا لكلفة الاعتماد على محور واحد، وأكثر حرصًا على بناء علاقات متنوعة مع الصين وروسيا والهند ودول الخليج، إلى جانب استمرار علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا.
ويكشف هذا التحول أن واشنطن لا تواجه فقط تحديًا عسكريًا في إيران، وإنما تواجه أزمة أوسع تتعلق بقدرتها على الحفاظ على نموذج الهيمنة الذي اعتمدته لعقود في الشرق الأوسط.
https://middle-east-online.com/en/beyond-iran-america%E2%80%99s-long-record-middle-east-blunders

