أعاد ارتفاع الدولار خلال تعاملات الأحد 13 سبتمبر 2026 فتح ملف السياسات الاقتصادية الحكومية، بعدما بلغ سعر البيع في بعض البنوك 51.45 جنيه، بينما يستمر تقديم زيادة الاحتياطي باعتبارها دليلًا كافيًا على الاستقرار.

 

وتكشف المفارقة بين تحسن الموارد الدولارية وتجدد الضغوط على الجنيه حدود التعافي المعلن، وتطرح سؤالًا مباشرًا حول جدوى سياسات تجذب استثمارات سريعة المغادرة، بينما تترك دخول المواطنين معرضة لتآكل جديد ومخاطر غلاء متجدد.

 

 

الأموال الساخنة ترهن استقرار الجنيه

 

بلغ الدولار في بنكي الإسكندرية وسايب 51.35 جنيه للشراء و51.45 جنيه للبيع، مقابل 51.32 جنيه للشراء و51.42 جنيه للبيع في الأهلي المصري ومصر والتجاري الدولي، وفق الأسعار الواردة في البيانات المتاحة.

 

وسجلت بنوك الأهلي الكويتي والتنمية الصناعية والكويت الوطني 51.29 جنيه للشراء و51.39 جنيه للبيع، بينما بلغ السعر لدى البنك المركزي 51.27 جنيه للشراء و51.41 جنيه للبيع، بما يعكس استمرار الضغوط على العملة المحلية.

 

وتزامن ذلك مع تسجيل تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع بقيمة 106 ملايين دولار يوم الخميس الماضي، عقب يومين سجلا تدفقات إيجابية إجمالية بلغت 522 مليون دولار.

 

ولا تعني هذه المبيعات بالضرورة خروج قيمتها بالكامل من البلاد فورًا، لكنها تكشف سرعة تبدل اتجاه المستثمرين، وتوضح لماذا يصبح الاعتماد المفرط على استثمارات المحافظ مصدر هشاشة عند تحويل حصيلة البيع للدولار.

 

وفي موقف سابق ينتقد أسس السياسة الاقتصادية، دعا جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، إلى وضع ضوابط على دخول الأموال الساخنة وخروجها، وتقليل ارتهان القرارات النقدية لتحركاتها.

 

ويرى عبد الخالق أن محاولة الجمع بين استقرار الصرف وحرية حركة رؤوس الأموال واستقلال السياسة النقدية تفرض تناقضات، مطالبًا بمراجعة الإطار الاقتصادي بدل الاستمرار في جذب التمويل دون مردود إنتاجي ملموس.

 

وتمنح هذه الرؤية النقدية تحركات السوق معنى يتجاوز ارتفاعًا يوميًا محدودًا؛ فالمشكلة الأساسية تتمثل في حجم الانكشاف أمام قرارات مستثمرين يستطيعون تعديل مراكزهم سريعًا، بينما يتحمل الاقتصاد المحلي تكلفة امتصاص الصدمة.

 

وبدل الاكتفاء بوصف كل تراجع بأنه تقلب عابر، تصبح الحكومة مطالبة بكشف حدود اعتمادها على هذا التمويل، وتكلفته، وخطط التعامل مع انعكاس اتجاهه، حتى لا يتحول الاطمئنان الرسمي إلى غطاء لمخاطر مؤجلة.

 

 

الاحتياطي المرتفع لا ينهي الهشاشة

 

تتضمن البيانات المقدمة ارتفاع صافي الاحتياطيات الأجنبية بصفة مبدئية إلى نحو 57.22 مليار دولار بنهاية أغسطس، مقارنة بنحو 56.3 مليار دولار في يوليو، وهي زيادة مهمة تستوجب قراءة تتجاوز الاحتفاء بالرقم.

 

فالاحتياطي يدعم قدرة البلاد على مواجهة الالتزامات والصدمات الخارجية، لكنه لا يقدم وحده حكمًا نهائيًا على سلامة الاقتصاد، ولا يضمن ثبات سعر الصرف مع تغير الطلب على الدولار وتوقيتات التدفقات والمدفوعات.

 

ويحتاج تقييم هذا التحسن إلى النظر في الالتزامات الخارجية ومواعيد استحقاقها، وطبيعة الموارد التي تغذي الاحتياطي، وقدرة الأنشطة الإنتاجية على توفير عملة أجنبية متجددة، بدل اختزال الصورة في مستوى إجمالي معلن.

 

وفي تصريحات سابقة خلال يوليو، انتقد الخبير الاقتصادي هاني توفيق استناد تحسن الجنيه إلى تدفقات الأموال الساخنة، معربًا عن تفضيله أن يأتي انخفاض الدولار نتيجة نمو الصادرات وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

 

وأوضح توفيق أن تلك الأموال تستطيع توفير سيولة أجنبية مؤقتة ودعم الجنيه على المدى القصير، لكنها تحمل تكلفة مرتفعة ترتبط بالفائدة، وقد تنعكس لاحقًا على ميزان المدفوعات وقوة العملة المحلية نفسها.

 

ويكشف هذا التمييز قصور مساواة التدفقات المالية جميعها بالنجاح الاقتصادي؛ فتمويل يشتري أدوات دين يختلف عن استثمار يوسع مصنعًا أو يفتح سوقًا تصديرية، حتى إن وفر الاثنان دولارات في اللحظة نفسها.

 

وبحسب الأرقام الواردة، سجلت استثمارات العرب والأجانب في أدوات الدين صافي بيع بنحو 578 مليون دولار خلال يوليو، رغم تحقيق صافي شراء يقارب 11 مليار دولار منذ بداية العام حتى نهايته الشهرية.

 

وهذه الحصيلة الإيجابية تمنع تصوير المشهد بوصفه نزوحًا شاملًا، لكنها لا تلغي النقد الأساسي؛ إذ تظل جودة التمويل واستدامته وتكلفته معايير أهم من استخدام إجمالي التدفقات لتبرير استمرار السياسة الاقتصادية ذاتها.

 

 

المواطن يدفع تكلفة اختيارات الحكومة

 

بلغت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وفق البيانات المقدمة، 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025–2026، مقابل 36.5 مليار دولار في العام السابق، بزيادة 29.6%، بما يوفر موردًا مهمًا للعملة الأجنبية للاقتصاد.

 

وعلى المستوى الشهري، بلغت التحويلات نحو 4.2 مليار دولار خلال يونيو، بنمو 15.6%، وهي أرقام تعكس أهمية مساهمة المصريين بالخارج في توفير النقد الأجنبي ودعم أسرهم وسط ضغوط تكاليف المعيشة المتواصلة.

 

لكن ارتفاع التحويلات لا يعفي الحكومة من مسؤولية بناء قاعدة إنتاجية أقوى؛ فجهد العاملين بالخارج لا ينبغي أن يصبح تعويضًا دائمًا عن اختلالات الاستثمار، أو مبررًا لتأجيل معالجة أسباب الاحتياج المستمر للدولار.

 

وفي تحليل منشور سابقًا، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني توجيه الاقتراض إلى مشروعات يراها غير إنتاجية، وربط تضخم أعباء الدين بتضييق المساحة المتاحة للإنفاق الاجتماعي وتفاقم الضغوط على الحقوق الاقتصادية للمواطنين.

 

وطالب الميرغني بتوجيه الاستثمار نحو الزراعة والصناعة، وتشغيل الطاقات المعطلة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع مراجعة أولويات الإنفاق، وهي مطالب تضع البديل الإنتاجي في مواجهة الاستمرار في معالجة الأزمات بالاقتراض المتجدد.

 

وعندما يرتفع الدولار، قد ترتفع تكلفة الخامات والسلع المستوردة بحسب العقود والمخزون والمنافسة، فتنتقل الضغوط تدريجيًا إلى المنتج والمستهلك، بينما لا تتحرك الأجور والمعاشات تلقائيًا بالسرعة نفسها لتعويض خسارة القوة الشرائية.

 

ومن هنا، لا تكفي مطالبة المواطنين بتحمل آثار المرونة النقدية؛ فالمسؤولية الحكومية تشمل الحد من الاحتكار، وحماية الدخول الأضعف، وإتاحة تمويل الإنتاج، وتقديم حساب واضح عن عائد المشروعات التي استنزفت الموارد.

 

ويظل الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية قدرتها على تخفيف هشاشة الجنيه وتحسين حياة المواطنين؛ أما الاحتفاء بالاحتياطي والتحويلات مع إبقاء الإنتاج ضعيف الحماية، فيترك الأسر تواجه فاتورة اختيارات لم تشارك في صنعها.