تواجه الحكومة سؤالًا لا تجيب عنه قوائم المشروعات ولا أرقام التعاقدات المليارية، بعدما أعاد اضطراب حركة القطارات فتح ملف سلامة السكك الحديدية، وكفاءة الإنفاق على مرفق ترتبط به حياة ملايين المواطنين.

 

وأعادت النائبة ريهام عبد النبي طرح هذا السؤال تحت قبة البرلمان، مطالبة بكشف نتائج التطوير الفعلية، بينما تضع الحوادث والأعطال المتكررة الخطاب الحكومي عن الإنجازات أمام امتحان الأمان وانتظام الخدمة.

 

 

مليارات الإنفاق تحت اختبار السلامة

 

بحسب ما أوردته النائبة في سؤالها البرلماني، تجاوزت تكلفة خطة تطوير السكك الحديدية 225 مليار جنيه، وهو رقم يفرض مساءلة تفصيلية عن النتائج، تتجاوز الاكتفاء باستعراض الجرارات والعربات ونظم الإشارات.

 

فالمال العام ليس شهادة نجاح تمنحها الحكومة لنفسها، وإنما مسؤولية تقتضي إثبات ما تحقق مقابل الإنفاق، وشرح أسباب استمرار الاختلالات، وتحديد الجهات المسؤولة عن معالجة مواطن الخطر داخل المرفق الحيوي.

 

واعتبرت ريهام عبد النبي أن الحكم على التطوير يجب أن يرتبط بما يشعر به الراكب فعليًا، من سلامة الرحلة وانتظام موعدها إلى كفاءة التعامل مع الأعطال، بعيدًا عن الاكتفاء بحجم المشروعات.

 

وفي قراءة نقدية منشورة، تساءل الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني عن نتائج مليارات الإنفاق على النقل، داعيًا إلى مراجعة القروض وكفاءة المشروعات، ومعتبرًا استمرار المعاناة سببًا يستوجب التدقيق في السياسات المتبعة.

 

ويفتح هذا النقد بابًا لمساءلة أولويات الحكومة؛ فأي مشروع يفترض أن يوضح المشكلة التي يعالجها، والمؤشرات التي تثبت نجاحه، والمدة اللازمة لظهور أثره، والجهة التي تتحمل مسؤولية تعثر النتائج المعلنة.

 

كما أن تحديث العربات لا يحسم وحده تقييم الخدمة؛ إذ يبقى السؤال عن تكامل عناصر التشغيل والصيانة والتأهيل، وعن قدرة الإدارة على تحويل الإنفاق إلى تحسن يمكن قياسه ومراجعته علنًا.

 

وطالبت النائبة ببيان مصادر التمويل وحجم القروض والالتزامات بالعملات الأجنبية، وهي مطالبة تضع التكلفة الحقيقية للتطوير تحت المجهر، وتمنع اختزال النقاش في قيمة العقود المعلنة دون أعبائها المالية اللاحقة.

 

وتزداد ضرورة الشفافية حين تطلب الحكومة من المواطنين تحمل تبعات قراراتها الاقتصادية؛ فمن حقهم معرفة أين ذهبت الموارد، وكيف اختيرت المشروعات، وما إذا كانت الأولويات تعكس احتياجات مستخدمي المرفق اليومية.

 

والمساءلة المطلوبة ليست رفضًا للتحديث، بل رفض لتحويل الإنفاق إلى حجة تغلق النقاش؛ فكلما تضخمت التكلفة، زاد واجب الحكومة في تقديم حساب مفصل عن الكفاءة والنتائج وأسباب استمرار المشكلات التشغيلية.

 

 

تذبذب الحوادث يستدعي كشف الحساب

 

تورد المادة التي يستند إليها السؤال البرلماني تسجيل 1046 حادثًا خلال 2022، ثم 181 حادثًا في 2023، قبل ارتفاع العدد إلى نحو 220 حادثًا خلال 2024، وفق الأرقام المنقولة فيها.

 

وتشير المادة نفسها إلى انخفاض العدد إلى 170 حادثًا في 2025، بنسبة تقارب 22.7%، وهو تحسن عددي ينبغي إثباته بالنشرات الأصلية، وقراءته مع مؤشرات جسامة الحوادث وأعداد الضحايا وحجم التشغيل.

 

ولا تسمح هذه السلسلة بالقول إن الحوادث ارتفعت سنويًا دون انقطاع؛ لكنها تفرض تفسير التذبذب، والكشف عن مدى توحيد تعريف الحادث وأساليب تسجيله، حتى تكون المقارنة بين السنوات دقيقة ومفيدة.

 

وفي تحليله المنشور، لفت الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إلى أن انخفاض عدد الحوادث خلال فترة معينة لا يكفي للاطمئنان، مستندًا إلى مقارنة أعداد الوقائع بما تخلفه من وفيات وإصابات.

 

وتكمن أهمية هذه الزاوية في منع استخدام مؤشر منفرد لتجميل الصورة؛ فالتقييم الجاد يحتاج إلى عرض متكامل للسلامة، يوضح شدة الحوادث وتوزيعها وأسبابها، ويتيح للجمهور فهم التحسن وحدوده دون انتقائية.

 

ولهذا طالبت ريهام عبد النبي بإعلان إجمالي الحوادث سنويًا منذ مارس 2019، مع تصنيفها بحسب طبيعتها وأسبابها، وتحديد المسؤوليات الفنية والتشغيلية، بما يسمح بفحص سجل التطوير على أساس بيانات مفصلة.

 

والحكومة مطالبة كذلك بتفسير الفجوة بين ما تعلنه من تحديث وبين تكرار الأعطال؛ لأن المواطن لا يستطيع تقييم منظومة معقدة من خلال بيانات متفرقة تصدر عقب الأزمات ثم يغيب تتبعها.

 

ولا يكفي إعلان التحقيق عقب كل واقعة؛ فالمطلوب نشر نتائجه وما ترتب عليها من إجراءات تصحيحية، ثم إثبات تنفيذها، حتى لا تصبح لجان الفحص محطة إدارية تنتهي عند تهدئة الغضب.

 

وأي مراجعة جدية يجب أن تشمل قرارات الإدارة وتوزيع الموارد والرقابة، مع تحديد مسؤولية كل طرف بالأدلة؛ فاختزال الأزمة في الحلقة الأخيرة من التشغيل قد يترك أسبابًا أوسع دون علاج.

 

 

ركاب الصعيد يدفعون ثمن الارتباك

 

أعاد حادث العياط، الذي استشهدت به النائبة، إبراز حجم ارتباط مصالح المواطنين بانتظام السكك الحديدية؛ إذ امتدت تداعياته إلى إلغاء رحلات وتعديل مسارات تشغيل أخرى، وتعطيل خطط سفر ركابها اليومية.

 

وبحسب التفاصيل الواردة في السؤال، أُنهيت رحلة القطار 2013 الروسي المكيف في الواسطي، وشملت التعديلات القطار 977 القادم من الأقصر، إلى جانب إنهاء رحلة القطار 1007 وإعادة ترتيب تشغيله لاحقًا.

 

وتضمنت الإلغاءات رحلات الفيوم إلى القاهرة والإسكندرية، ورحلتين من أسيوط إلى القاهرة، وهو اتساع يكشف كيف يمكن لاضطراب في نقطة واحدة أن يمتد أثره إلى مستخدمين في محافظات متعددة خلال الأزمة.

 

وبالنسبة لراكب قادم من الصعيد، قد يعني إلغاء الرحلة البحث عن وسيلة أغلى، أو ضياع موعد عمل، أو تأخر زيارة علاجية؛ وهي تكاليف محتملة لا تظهر بمجرد إعلان استعادة الحركة.

 

وفي نقده لسياسات النقل، ربط الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني تقييم الإنفاق باستمرار معاناة المواطنين وتأخر الانتقال، معتبرًا أن حجم الأموال المخصصة لا يعفي المسؤولين من تفسير ضعف النتائج التي يلمسها المستخدمون.

 

ومن هذه الزاوية، تصبح إدارة الطوارئ جزءًا أصيلًا من حساب التطوير؛ فالمرفق يحتاج إلى ترتيبات واضحة لإبلاغ الركاب بالتغييرات، وتوفير بدائل مناسبة، وتحديد مسؤولية مساعدة من تتعطل رحلاتهم أثناء الأزمات.

 

وطالبت النائبة بالفعل بتحسين التواصل الفوري مع المواطنين، ووضع آليات أكثر كفاءة لتوفير البدائل، إلى جانب خطة زمنية لخفض الحوادث والأعطال، تمنح خطوط المسافات الطويلة والصعيد أولوية تعكس احتياجات ركابها.

 

أما تحديد السبب المباشر لحادث العياط، فيبقى مرتبطًا بنتائج التحقيق والفحص الفني؛ فلا يجوز القفز إلى اتهام شخص بعينه، بينما تظل مساءلة الحكومة عن إدارة المرفق ونتائج الإنفاق قائمة ومشروعة.

 

والمطلوب الآن جدول معلن للإصلاح، ومؤشرات دورية للسلامة والأعطال والالتزام بالمواعيد، ومراجعة للتمويل والأولويات؛ فالمواطن ليس ملزمًا باعتبار كل تعاقد جديد إنجازًا مكتملًا قبل أن يلمس أثره في الخدمة اليومية.

 

وتبقى مسؤولية الحكومة أكبر من إصدار بيانات الاعتذار أو تكرار أرقام المليارات؛ إذ عليها إثبات أن المال العام يحمي الركاب ويحسن رحلاتهم، وأن أي إخفاق يواجه بالمحاسبة والإصلاح المعلن والمتابعة.