تحولت مطالبة بسيطة بإعادة بناء مدرسة مهدمة في الشيخ زويد إلى قضية حقوقية، بعدما قالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إن الشرطة ألقت القبض على عدد من الأهالي المشاركين مع أطفالهم في وقفة سلمية تطالب بمدرستهم.

 

وأعادت الواقعة ملف المدارس المتضررة في شمال سيناء إلى الواجهة، بعدما بدأ تلاميذ النخلات عامهم الدراسي فوق أنقاض مدرستهم، في مشهد كشف استمرار أزمة تعليمية عمرها سنوات رغم انتهاء العمليات العسكرية المعلنة في المنطقة.

 

طابور صباح فوق الأنقاض

 

أدى تلاميذ مدرسة النخلات للتعليم الأساسي في قرية قبر عمير بمدينة الشيخ زويد طابورًا صباحيًا رمزيًا يوم 13 سبتمبر، في أول أيام الدراسة، مطالبين بإعادة بناء المدرسة التي خرجت من الخدمة منذ سنوات.

 

وتقول المؤسسة الحقوقية إن المدرسة توقفت فيها الدراسة منتصف عام 2015، ثم تعرضت لقصف مدفعي خلال سبتمبر 2016، قبل أن تُدمر بالكامل عام 2018 ضمن أحداث العمليات العسكرية التي شهدتها شمال سيناء.

 

ورفض الأهالي استمرار إلحاق أبنائهم بمدرسة قبر عمير للتعليم الأساسي، مؤكدين أن المدرسة البديلة تبعد عدة كيلومترات عن تجمعهم، في وقت لا تتوفر فيه وسائل مواصلات عامة وآمنة تنقل الأطفال بصورة منتظمة.

 

وتحول حضور الأطفال بزيهم المدرسي وسط الركام إلى رسالة احتجاج واضحة، إذ اختارت الأسر بدء العام الدراسي من موقع المدرسة القديمة للضغط باتجاه إعادة المنشأة التعليمية إلى الخدمة بعد سنوات من الانتظار المتواصل.


 

وأكدت مديرية التربية والتعليم بشمال سيناء أن مدرسة النخلات تهدمت كليًا خلال سنوات المواجهات الأمنية، وأن الطلاب جرى إلحاقهم بمدرسة قبر عمير، محذرة في الوقت نفسه من خطورة وجود الأطفال داخل موقع المدرسة المهدمة.

 

وأعلنت المديرية أن هناك تصورًا لإنشاء مدرسة جديدة ضمن تجمع تنموي بالمنطقة تضم 22 فصلًا دراسيًا، إلا أن تصريحاتها لم تحدد موعدًا زمنيًا واضحًا يبدأ عنده التنفيذ أو تنتهي فيه أعمال الإنشاء.

 

القبض يحول المطلب لأزمة

 

قالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إن قوات الشرطة في الشيخ زويد ألقت القبض على عدد من أهالي تجمع النخلات بعد مشاركتهم في الوقفة، معتبرة أن تحركهم اقتصر على المطالبة بحق أبنائهم في التعليم.

 

ووفق رواية المؤسسة، بدأت عمليات القبض بالتزامن مع تحركات مسؤولي التعليم لمناقشة أزمة المدرسة، وقالت إن عماد سلام موسى الجبالي، الذي ظهر متحدثًا في مقطع الوقفة، قُبض عليه أثناء وجوده داخل اجتماع رسمي.

 

وأضافت أن الشرطة ألقت القبض على أشخاص آخرين من المشاركين في التحرك، قبل أن تفرج السلطات لاحقًا عن ستة منهم، بينما استمر احتجاز عماد سلام موسى الجبالي وسامي كايد مزيون.

 

وأكدت المؤسسة، في بيانها الصادر يوم 16 سبتمبر، أنها لم تحصل حتى ذلك الوقت على معلومات مؤكدة بشأن مكان وظروف احتجاز الرجلين أو طبيعة الإجراءات القانونية المتخذة بحقهما أو الاتهامات المنسوبة إليهما.

 

وطالبت المؤسسة بالإفراج عنهما ووقف ملاحقة المشاركين في الوقفة، واعتبرت أن الاحتجاج الذي شاركت فيه الأسر والأطفال كان تجمعًا سلميًا يرتبط بمطلب اجتماعي وتعليمي يتعلق بتوفير مدرسة قريبة وآمنة لأبناء المنطقة.

 

ولا تتوافر في المصادر العلنية التي أمكن التحقق منها إفادة رسمية من وزارة الداخلية بشأن رواية القبض أو أسباب استمرار احتجاز الشخصين المذكورين، ما يجعل التفاصيل المتعلقة بالإجراءات الأمنية مستندة حاليًا إلى بيان المؤسسة الحقوقية.

 

مدارس مهدمة وانتظار مستمر

 

لا تنفصل أزمة مدرسة النخلات عن ملف أوسع للمنشآت التعليمية المتضررة في شمال سيناء، إذ قالت المؤسسة إنها وثقت في تقرير سابق تضرر 135 منشأة تعليمية خلال سنوات المواجهات والعمليات العسكرية في المحافظة.

 

وذكرت المؤسسة أن من بين تلك المنشآت 73 مدرسة قالت إن قوات إنفاذ القانون دمرتها، إلى جانب إغلاق سبع مدارس دون توفير بدائل مناسبة، واستخدام 49 مدرسة لأغراض عسكرية خلال فترات مختلفة.

 

وتظل هذه الأرقام منسوبة إلى توثيق المؤسسة الحقوقية، بينما تؤكد الجهات التعليمية في حالة النخلات أن المبنى تعرض للهدم بسبب الأحداث التي شهدتها المنطقة، وأن الطلاب أُلحقوا بالفعل بمدرسة بديلة في قبر عمير.

 

ووصلت أزمة إعادة بناء مدرسة النخلات إلى جهات نيابية قبل سنوات، فيما أكد عضو بمجلس الشيوخ في 13 سبتمبر أن هيئة الأبنية التعليمية لا تمانع إعادة بنائها بالتنسيق مع محافظة شمال سيناء.

 

لكن التصريحات الرسمية ربطت مستقبل المدرسة كذلك بمخططات إنشاء تجمع تنموي جديد، وهو ما يترك الأهالي أمام سؤال بشأن المدة التي سيواصل خلالها أطفالهم الانتقال إلى مدرسة بعيدة قبل توفير مبنى تعليمي داخل تجمعهم.

 

وتكشف الواقعة تناقضًا بين إعلان الاستعداد لإقامة منشأة تعليمية جديدة وبين استمرار غياب جدول زمني معلن، بينما أصبحت مطالبة الأهالي التي بدأت بطابور صباح رمزي قضية تتجاوز حدود المدرسة إلى الحقوق المدنية للأسر المشاركة.

 

وتضع قضية عماد الجبالي وسامي مزيون السلطات أمام مطالب بالكشف عن وضعهما القانوني ومكان احتجازهما إن استمر احتجازهما، وتوضيح ما إذا كانت هناك اتهامات رسمية مرتبطة بالوقفة، وهي معلومات لم تظهر علنًا حتى الآن.

 

ويبقى المشهد الأكثر دلالة أطفالًا يقفون بزيهم المدرسي فوق أنقاض مدرسة خرجت من الخدمة منذ سنوات، بينما ينتظر الأهالي إجابة عملية تتجاوز الوعود إلى موعد محدد يعيد مدرسة النخلات إلى أبناء تجمع قبر عمير.