تكشف أزمات المدارس والجامعات المصرية المتلاحقة أن التعليم لم يعد يواجه مشكلة عابرة يمكن علاجها بتعديل مناهج أو تغيير نظام امتحانات، بل أزمة ممتدة تضرب المعلم والفصل والتمويل وجودة المخرجات وتكافؤ الفرص.

 

وتضع الأرقام الرسمية نفسها الحكومة أمام أسئلة ثقيلة، بعدما أقرت وزارة التعليم بعجز ضخم في أعداد المعلمين، بينما يفرض الدستور التزامات واضحة بالإنفاق وتوفير تعليم مجاني بمعايير جودة لا تزال محل جدل واسع.

 

 

فصول مزدحمة ومعلمون لا يكفون

 

تبدأ أزمة التعليم من داخل الفصل، حيث يصبح الحديث عن تطوير المناهج والتكنولوجيا بلا معنى حقيقي عندما يدخل الطالب إلى مدرسة تعاني نقص المعلمين وضغط الأعداد وتراجع الوقت المتاح للتفاعل والتعلم الحقيقي.

 

وأعلنت وزارة التربية والتعليم في أغسطس 2024 أن عدد المعلمين العاملين بلغ نحو 843 ألفًا، بينما وصل العجز الذي تواجهه الوزارة إلى نحو 470 ألف معلم، وهو رقم يكشف حجم الفجوة المتراكمة.

 

ولمواجهة هذا العجز لجأت الوزارة إلى التعاقد مع عشرات الآلاف بنظام الحصة، والاستفادة من معلمين بلغوا سن التقاعد، وإشراك خريجين في الخدمة العامة، وهي حلول تخفف الأزمة لكنها لا تنهي جذورها.

 

وتطرح تلك الإجراءات سؤالًا مباشرًا بشأن قدرة المنظومة على بناء تعليم مستقر طويل المدى، لأن المدرسة التي تعتمد على حلول استثنائية ومتغيرة لسد احتياجاتها البشرية يصعب مطالبتها بتحقيق جودة مستقرة داخل الفصول.

 

ويشير الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، في انتقاداته المتكررة للسياسات التعليمية إلى أن مشكلات التعليم تتجاوز الكتب والمناهج لتصل إلى غياب مشروع متكامل للتطوير.

 

ويرى مغيث أن الاعتماد على الحفظ والتلقين وغياب التفكير النقدي من المشكلات المزمنة داخل النظام التعليمي، معتبرًا أن إصلاح المناهج لا يمكن فصله عن إصلاح البيئة التعليمية وأوضاع المعلمين وإدارة المدارس.

 

ولا تبدو المشكلة إذن مجرد نقص أعداد، فالمدرس المرهق داخل فصل مكتظ، والذي يعمل في بيئة تعاني ضعف الإمكانات، لن يستطيع بمفرده تنفيذ شعارات التطوير مهما تبدلت الكتب أو الأجهزة أو أنظمة الامتحانات.

 

وهكذا تتحول المدرسة الحكومية لدى شرائح واسعة من الأسر إلى محطة غير كافية وحدها، فتتوسع الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية ويتحمل المنزل جزءًا متزايدًا من تكلفة تعليم يفترض دستوريًا أن تكفله الدولة.

 

 

التمويل يكشف أزمة الأولويات

 

تنص المادة التاسعة عشرة من الدستور على تخصيص نسبة لا تقل عن أربعة في المئة من الناتج القومي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي، مع زيادتها تدريجيًا وصولًا إلى المعدلات العالمية.

 

ولا يتعلق الإنفاق هنا بمجرد رقم يوضع في الموازنة، لأن جودة التعليم ترتبط مباشرة ببناء المدارس وتعيين المعلمين وتدريبهم وصيانة المباني وتجهيز المعامل وتطوير المناهج وضمان وصول الخدمة إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

 

وفي خطة 2025 و2026 أعلنت الدولة رفع الاستثمارات الحكومية الموجهة لوزارة التربية والتعليم والجهات التابعة لها من نحو 56 مليار جنيه إلى نحو 61 مليارًا، بزيادة خمسة مليارات جنيه.

 

لكن ارتفاع القيمة الاسمية للإنفاق لا يغلق وحده النقاش بشأن كفايته، خصوصًا مع التضخم وزيادة أعداد الطلاب وتراكم احتياجات المدارس، ولذلك يركز منتقدون على نسبة التعليم من الناتج والإنفاق العام.

 

وينتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني توجهات الإنفاق الحالية، معتبرًا أن حصة التعليم من الناتج المحلي تراجعت مقارنة بسنوات سابقة، ويربط ذلك باتساع الاعتماد على التعليم الخاص والخدمات التعليمية المدفوعة.

 

ويذهب الميرغني إلى أن تقليص الوزن النسبي للإنفاق التعليمي يهدد جوهر مجانية التعليم، لأن الأسرة تضطر لتعويض ما تفتقده المدرسة الحكومية عبر الدروس والكتب الخارجية والمجموعات والخدمات التعليمية الأخرى.

 

وتزداد خطورة هذه الفجوة عندما يصبح مستوى التعليم الذي يحصل عليه الطفل مرتبطًا بقدرة أسرته المالية، لأن النتيجة حينها ليست تفاوتًا في المدارس فقط، وإنما تفاوتًا مبكرًا في فرص الجامعة والعمل والصعود الاجتماعي.

 

وهنا يتحول الحق الدستوري في التعليم تدريجيًا من وعد بالمساواة إلى سباق مالي غير متكافئ، يستطيع فيه القادر شراء بدائل أفضل، بينما يظل محدود الدخل أسيرًا لما تسمح به المدرسة الحكومية وإمكاناتها.

 

 

تغييرات متلاحقة بلا استقرار

 

ولا تتوقف الأزمة عند التمويل والعجز البشري، إذ شهد التعليم خلال سنوات متعاقبة تعديلات في نظم التقييم والثانوية والمناهج وطرق الامتحانات، ما جعل الأسر والطلاب في حالة انتظار دائم لقواعد قد تتغير.

 

ويؤكد الدكتور حسام بدراوي، الخبير في سياسات التعليم وأحد المشاركين سابقًا في صياغة رؤى للتطوير، أن أزمة المنظومة لا تعود إلى نقص الخطط بقدر ارتباطها بضعف التنفيذ والاستدامة.

 

وانتقد بدراوي المركزية المفرطة في إدارة التعليم، معتبرًا أن إدارة عشرات الآلاف من المدارس من مركز واحد تعرقل الكفاءة، كما أشار إلى أن كثيرًا من أهداف التطوير المعلنة لم تنفذ بالمستوى المستهدف.

 

وتكشف هذه الملاحظة جوهر المشكلة، فإطلاق نظام جديد لا يعني بالضرورة إصلاح التعليم، لأن النظام قد يتحول إلى عبء إضافي إذا لم تتوافر المدرسة والمعلم والتدريب والبنية التكنولوجية والتمويل الكافي لتطبيقه.

 

وتزداد الفجوة وضوحًا عندما تقارن الأسر بين الخطاب الرسمي المتكرر عن التطوير وبين واقع المدارس الذي يظل في مناطق عديدة محكومًا بالكثافات والعجز والدروس الخصوصية والإنفاق المتزايد من جيوب أولياء الأمور.

 

وتكشف بيانات التعلم الدولية بدورها مشكلة أعمق من مجرد الالتحاق بالمدرسة، إذ تشير أحدث التقديرات المتاحة إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال في مصر تعاني فقر التعلم وعدم بلوغ الكفاءة الأساسية في القراءة.

 

وهذا يعني أن نجاح الدولة في إدخال الأطفال إلى الفصول لا يكفي وحده، فالمعيار الحقيقي هو ما يتعلمه الطالب بالفعل، وما إذا كانت سنوات الدراسة تنتج معرفة ومهارات وقدرة على التفكير لا شهادة ورقية.

 

والمفارقة أن مصر تمتلك تاريخًا طويلًا من الكفاءات التربوية والأكاديمية، كما لا تزال مدارسها وجامعاتها تخرج طلابًا وباحثين متميزين، وهو ما يثبت أن الأزمة ليست غياب المواهب وإنما البيئة التي تعمل داخلها.

 

وتبقى المحصلة أن التعليم المصري لا يحتاج إعلان مشروع جديد كل عدة سنوات بقدر حاجته إلى سياسة مستقرة قابلة للقياس، وتمويل كاف، ومعلم مستقر، وفصل صالح، ومحاسبة واضحة على النتائج.

 

فحين يبقى العجز في المعلمين ضخمًا، وتظل الأسرة مضطرة لشراء جزء معتبر من الخدمة التعليمية خارج المدرسة، يصبح الحديث عن مجانية التعليم وجودته ناقصًا مهما تعددت المنصات والامتحانات والشعارات الحكومية.

 

وما لم تتحول الأولوية المعلنة للتعليم إلى مدارس ومعلمين وجودة يمكن قياسها داخل الفصل، ستظل الفجوة قائمة بين نصوص الدستور وخطط الوزارات وبين تجربة الطالب اليومية التي تمثل الاختبار الحقيقي لأي سياسة تعليمية.