تدخل أوروبا مرحلة جديدة من الاستعداد الأمني مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، بعدما امتدت تداعيات الصراع إلى ما هو أبعد من ساحات القتال، لتشمل مخاطر الهجمات السيبرانية والتخريب والمسيّرات واستهداف البنية التحتية الحيوية.
وخلال سبتمبر 2026، اتخذت عدة حكومات أوروبية خطوات لتعزيز الجاهزية المدنية والعسكرية، في وقت حذرت فيه قيادات أوروبية من تنامي ما تصفه بـ«الحرب الهجينة» الروسية. وفي المقابل، لا توجد مؤشرات معلنة وموثقة على أن حربًا مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي أصبحت وشيكة، بينما تتركز الاستعدادات الحالية على التعامل مع احتمالات التصعيد والحوادث التي قد تقع دون مستوى الحرب المفتوحة.
وتزامنت هذه التطورات مع تحذيرات بولندية من احتمال تعرض دول داعمة لأوكرانيا لهجمات بالمسيّرات والصواريخ، وإجراءات فرنسية لحماية المنشآت الحيوية، إلى جانب تحديث خطط الأمن القومي في إسبانيا واعتماد سويسرا استراتيجية أمنية جديدة، فضلًا عن استعدادات للإجلاء والحماية المدنية في دول شرق أوروبا.
بولندا تحذر من هجمات هجينة
برزت بولندا خلال الأيام الأخيرة باعتبارها إحدى أكثر الدول الأوروبية انشغالًا باحتمالات اتساع نطاق المواجهة.
وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، في 17 سبتمبر، إن أجهزة استخبارات لم يسمها أبلغته بأن روسيا قد تخطط لتنفيذ هجمات «هجينة» باستخدام المسيّرات والصواريخ ضد دول تدعم أوكرانيا، بينها بولندا.
وبحسب ما نقلته رويترز، قال توسك أمام البرلمان إن مثل هذه الهجمات قد يجري تقديمها على أنها «عرضية»، بهدف إرباك دول الناتو وإضعاف استعدادها لتفعيل آليات الحلف إذا تعرض أحد أعضائه لهجوم. كما أعلنت بولندا تعزيز نشاط مقاتلات إف-16 والمروحيات وتقوية أنظمة الدفاع الجوي والاستجابة السريعة.
ماكرون يرفع حماية المنشآت
في فرنسا، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن التهديد الروسي «الهجين» الذي تواجهه أوروبا وفرنسا تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة.
وطلب ماكرون من الحكومة إعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمنشآت الحساسة من مخاطر تشمل المسيّرات والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب وغيرها من أشكال التدخل.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، ربط الرئيس الفرنسي هذه التحركات بما وصفه بتزايد محاولات التأثير على أوروبا وإضعاف دعمها لأوكرانيا، مؤكدًا أن باريس ستعمل على رفع مستوى الحماية والاستعداد.
وكان ماكرون قد أشار في وقت سابق من سبتمبر إلى حادثة مرتبطة بمسيّرات في مطار لايبزيغ الألماني، معتبرًا أنها مثال جديد على ما وصفه بالتدخل الروسي والحرب الهجينة، في حين تظل ملابسات بعض هذه الحوادث ودرجة المسؤولية الروسية عنها محل نقاش وتحقيقات.
ولا تقتصر المخاوف الفرنسية على المنشآت العسكرية، إذ تشمل شبكات الطاقة والنقل والاتصالات والمرافق التي يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى تأثير مباشر على الحياة اليومية والاقتصاد.
إسبانيا تحدث استراتيجية الأمن
وفي إسبانيا، بدأت السلطات خطوات لإعداد استراتيجية جديدة للأمن القومي، في ظل اعتبار «الحرب الهجينة» أحد أبرز التحديات الأمنية في المرحلة الحالية.
وقالت مديرة الأمن القومي الإسباني، الجنرال لوريتو جوتييريز هورتادو، إن العمل بدأ بالفعل لإعداد استراتيجية جديدة تأخذ في الاعتبار التحولات التي شهدها العالم وتنامي مخاطر الاستراتيجيات الهجينة.
وتشمل هذه المخاطر، وفق التصور الأمني الأوروبي، حملات التضليل والهجمات السيبرانية والتجسس والتخريب والتدخل في البنية التحتية الحيوية، إلى جانب استخدام وسائل عسكرية مثل المسيّرات والصواريخ.
وأوضحت جوتييريز أن الاستراتيجيات الهجينة أصبحت من أكثر التحديات تميزًا في المرحلة الراهنة، وهو ما يدفع مدريد إلى مراجعة أدوات الوقاية والكشف والاستجابة.
سويسرا تعيد صياغة أمنها
وفي سويسرا، اعتمد المجلس الاتحادي في 18 سبتمبر استراتيجية السياسة الأمنية لعام 2026، في خطوة تعكس تغير تقييم السلطات للبيئة الأمنية الأوروبية.
وتتضمن الاستراتيجية عشرة أهداف و46 إجراء، وتقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي تعزيز قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على الصمود، وتحسين قدرات الحماية والمقاومة، وتقوية القدرات الدفاعية.
وقالت الحكومة السويسرية إن الحرب الروسية على أوكرانيا، إلى جانب التهديدات الهجينة والاعتماد على بنى تحتية وخدمات مترابطة، تفرض تحديات على الدولة والاقتصاد والمجتمع.
وتشمل المخاطر التي تركز عليها الاستراتيجية الهجمات السيبرانية وأنشطة التأثير والتجسس والتخريب، إضافة إلى احتمال التعرض لهجمات بعيدة المدى. ومع ذلك، تشير الوثيقة الرسمية إلى أن احتمال تعرض سويسرا لهجوم مسلح مباشر غير مرجح في المستقبل المنظور.
ليتوانيا تستعد لإجلاء السكان
في دول البلطيق، تبدو الاستعدادات المدنية أكثر ارتباطًا بالحدود الشرقية للناتو وقربها الجغرافي من روسيا وبيلاروسيا.
وأعلنت وزارة الداخلية الليتوانية تخصيص 6 ملايين يورو لتعزيز استعداد البلديات لإجلاء السكان وتقديم المساعدة المدنية خلال الأزمات.
وتشمل الخطة تجهيز نقاط الإجلاء، وتأمين أماكن للإقامة المؤقتة، وتوفير الغذاء والمساعدة للسكان الذين قد يتم إجلاؤهم، إلى جانب دعم قدرات منظمات المجتمع المدني والعاملين في نقاط الإخلاء.
أوروبا توسع خطط الطوارئ
ولا تتحرك الدول الأوروبية بشكل منفصل فقط، إذ تدفع مؤسسات الاتحاد الأوروبي نحو آليات أكثر تنسيقًا لمواجهة التهديدات التي تقع دون مستوى الحرب التقليدية.
واقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنشاء مجلس أوروبي للأمن، إلى جانب ما وصفته بـ«دليل مواجهة التهديدات الهجينة»، بهدف تمكين الدول من الاستجابة بصورة منسقة لحوادث مثل التخريب والحرائق المتعمدة والتدخلات بالمسيّرات والهجمات السيبرانية.
وتأتي هذه الخطوة مع تزايد الحديث الأوروبي عن ضرورة حماية البنية التحتية الحيوية، خصوصًا شبكات الكهرباء والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والمنشآت العسكرية ومصانع الأسلحة.
كما تتجه خطط الطوارئ في عدد من الدول إلى تعزيز قدرة المستشفيات والخدمات المدنية على العمل خلال أزمات طويلة، بما في ذلك انقطاع الكهرباء أو الاتصالات أو سلاسل الإمداد.
الغذاء والإجلاء ضمن الاستعدادات
وأصبح الاستعداد المدني جزءًا واضحًا من الخطاب الأمني الأوروبي، خصوصًا في الدول التي ترى أن أي أزمة واسعة قد تؤثر سريعًا في الخدمات الأساسية.
وتتجه بعض الحكومات إلى تحديث إرشادات الطوارئ الموجهة إلى الأسر، والتي تتضمن الاحتفاظ بكميات من المياه والغذاء والأدوية ومستلزمات الطوارئ لفترات مؤقتة. ولا ترتبط هذه التوصيات بالحرب وحدها، إذ يمكن استخدامها أيضًا في مواجهة الكوارث الطبيعية وانقطاع الكهرباء والهجمات السيبرانية والأزمات اللوجستية.
وفي دول شرق أوروبا، يأخذ الاستعداد بعدًا إضافيًا يتعلق بالإجلاء الجماعي، بينما تركز دول أخرى على حماية المنشآت الحيوية وتأمين الطاقة والاتصالات.

