يكرم الله عباده بالهداية إلى الحق، ويفتح لهم أبواب العلم، ويمنحهم من الحجة والحكمة ما يجعلهم أسبابًا لهداية الناس وإصلاح أحوالهم. وتتجلى هذه المنحة في سيرة إبراهيم عليه السلام، الذي واجه الشرك بقلب موصول بالله، وعقل مستنير بالوحي، وبرهان يوقظ الفطرة ويبدد الباطل؛ فاجتمع في دعوته العلم والإيمان، والحكمة والشجاعة، والصبر على الأذى والحرص على نجاة قومه.
ومن هنا، تفتح الآية الكريمة: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83]، بابًا لفهم منزلة العلم، وأثر الحجة في الدعوة، وارتباط الرفعة بحكمة الله وعلمه. كما ترسم ملامح القيادة الربانية التي تحمل أمانة البيان، وترحم الخلق، وتثبت على الحق، وتدرك أن العلم مسؤولية في العمل والإصلاح، وأن التوفيق فضل يستوجب الإخلاص والشكر.
حجة ربانية توقظ العقول والقلوب
يستهل الله سبحانه الآية بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾، فينسب الحجة إلى ذاته العلية، تشريفًا لها وإعلاءً لشأنها، وتنويهًا بصدقها وقوتها، وتكريمًا لخليله الذي أجراها الله على لسانه وقلبه.
وفي تفسير هذه الإشارة، يوضح محمد الأمين الشنقيطي أن ظاهرها يشمل احتجاج إبراهيم على من ناظرهم؛ فقد حاجّ قومه فيما عبدوه من الكواكب والقمر والشمس والتماثيل، وأقام الحجة على أبيه، كما انتصر بالبرهان على الملك الذي جادله. وهكذا تتسع دلالة الآية لمسيرة دعوية واجهت صورًا متعددة من الانحراف، وردّتها إلى أصل التوحيد. «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، محمد الأمين الشنقيطي، 2/202.
كما يبين الإمام محمد أبو زهرة أن الإشارة بالبعيد في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ تناسب عظمة الفكر وقوة الاستدلال، وأن إضافة الحجة إلى الله سبحانه ترفع مكانتها وتؤكد صدقها، وتشرف من اصطفاه الله لحملها وبيانها. «زهرة التفاسير»، محمد أبو زهرة، 5/2571.
وعلى هذا، يتعلم الداعية أن الحجة أمانة، وأن الغاية منها إظهار الحق وهداية الخلق. فمن عرف أن ما عنده من العلم والتوفيق منحة إلهية، ازداد تواضعًا لربه، وحرصًا على سلامة قصده، وابتعد عن تحويل الحوار إلى ميدان للغرور والتعالي.
إيتاء الحجة فضل وأمانة عظيمة
ثم يأتي قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾، ليؤكد أن ما أوتيه الخليل من قوة البيان وسداد الاستدلال فضل من الله، ألهمه إياه، وهيأ له التعبير عنه، ونصره به على مناظريه.
وفي بيان هذا المعنى، يذكر محمد أبو زهرة أن الله أعطى إبراهيم حجته بإلهام الفطرة السليمة والعقل الحنيف المتجه إلى الحق؛ فكانت حجة قوية قامت على قومه فيما يفعلون ويتوهمون ويزعمون، وأبطلت ما اعتقدوه من الباطل والبهتان والظلم للحقائق.
كذلك يوضح الدكتور علي الصلابي أن الله اختار إبراهيم عليه السلام لتقوم به الحجة، وأن الناس متفاوتون في الفكر والعلم؛ فمنهم الهادي المرشد الذي اصطفاه الله لحمل رسالته، ومنهم الضال الطالب للهداية، ومنهم من استحكم فيه الشر وأعرض عن داعي الحق.
ويضيف الصلابي أن الله أمدّ خليله بقوة في شخصيته، فكان محاورًا بارعًا ومناظرًا مفحمًا، ورزقه قوة في الحجج والبراهين، حقق بها انتصارات متوالية على كبار قومه وسادتهم، فاستحق الثناء العظيم من مولاه سبحانه. «إبراهيم خليل الله»، علي الصلابي، ص175–176.
ومن ثم، فإن استحضار هذا الفضل يربط العلم بالعبودية، ويجعل صاحبه أكثر شعورًا بالمسؤولية؛ فكل قدرة على البيان تستدعي أمانة في استعمالها، وكل معرفة بالحق تقتضي عملًا به، وكل توفيق في الدعوة يوجب شكر المنعم سبحانه.
حوار إبراهيم قوة ورحمة وثبات
تقدم حوارات إبراهيم عليه السلام نموذجًا للداعية الذي يجمع بين وضوح العقيدة وحسن الاستدلال، وبين الثبات على الحق والحرص على هداية المخالف. فقد كان معلمًا وناصحًا، يقيم البرهان ويصبر على الأذى، ويرجو لقومه الرشاد مع استمرارهم في مخالفته.
وفي هذا السياق، يوضح حمد عبد الله السيف أن حوارات إبراهيم تتسم بالقوة المقنعة والتأثير النافذ في النفوس، وأن خصومه كانوا يعجزون عن مقابلة حججه بمثلها، غير أن الكبر والعناد كانا يصدانهم عن التسليم للحق، فيستبدلون الحوار والتفاهم بالكبت والبطش والتنكيل.
كما يشير إلى أن تأمل حوارات الخليل، مع استحضار شخصيته وأدواره الرسالية، يُظهر جوانب متعددة من قوته الحجاجية وخبرته الجدلية، حتى أصبحت هذه القوة سمة بارزة في دعوته وأسلوبًا متميزًا في مخاطبته لقومه. «صناعة الحوار»، حمد عبد الله السيف، ص286–289.
ولذلك، فإن عجز المخالف عن الجواب لا يعني بالضرورة استجابته للهداية؛ فقد تقوم الحجة وتبقى حواجز الاستكبار والمكابرة. وهنا تظهر حاجة المصلح إلى الصبر، وألا يجعل قبول الناس العاجل معيارًا وحيدًا لصدق دعوته أو ثمرة جهده.
ومع ذلك، يظل مقصد الدعوة رحمة الخلق وإخراجهم من الضلال؛ فيحمل الداعية حجته بقلب ناصح، ويثبت أمام الأذى دون أن يفقد إخلاصه، ويستمد من يقينه بالله قدرة على مواصلة البيان والإصلاح.
درجات الرفعة بالعلم والهداية والحكمة.
ويصل السياق إلى قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، ليفتح الأفق أمام مراتب الفضل التي يمنحها الله لعباده. فالدرجات تشمل المراتب المعنوية في الخير والعلم والسيادة والجاه والرزق، وتتفاوت بتفاوت ما يؤتيه الله من استعداد وتوفيق واصطفاء.
وفي تفسير المنار، يبين محمد رشيد رضا أن من معاني الآية رفع من يشاء الله من عباده إلى درجات لم يكونوا عليها، وكذلك زيادة أصحاب الدرجات رفعة، حتى تعلو منزلتهم في الفضائل والمناقب على منازل غيرهم.
كما يفصل مراتب الكمال؛ فالعلم النظري درجة، والحكمة العلمية والعملية درجتان، وفصل الخطاب وقوة الحجة من درجات الكمال، والسيادة والحكم بالحق درجة أخرى. أما النبوة والرسالة فهما أعلى من هذه الدرجات، لاشتمالهما عليها وزيادتهما بما يختص الله به رسله.
ويشرح رشيد رضا أن الله يهيئ من يشاء للدرجات المكتسبة ويوفقه لأسبابها، ويختص من يشاء بالمواهب التي يتفضل بها ابتداءً؛ فيعين صاحب الدرجة المكتسبة على الارتقاء، ويصرف عنه الموانع، ويؤتي أنبياءه من المناقب والآيات واهتداء الخلق بهم ما تتفاوت به مراتبهم.
وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253]. ويربط تفسير المنار بين إيتاء إبراهيم الحجة ورفعة منزلته بالنبوة، وما ترتب عليها من مراتب الدعوة والعمل. «تفسير المنار»، محمد رشيد رضا، 7/582–584.
ومن جهة أخرى، يفسر محمد أبو زهرة الدرجات بأنها المراتب العالية في الهداية والتوفيق، ويرى أن التعبير بالفعل المضارع ﴿نَرْفَعُ﴾ يدل على تجدد الرفعة واستمرارها؛ فالخير يتواصل بوجود الهداة المرشدين والمستمعين الأخيار.
ويصور أبو زهرة اختلاف الاستجابة للهداية؛ فهناك من يسمعون فيقولون: «سمعنا وأطعنا»، وبجوارهم من يسمعون طيب القول فيقولون: «سمعنا وعصينا». وبين الاستجابة والإعراض يستمر تفاعل الخير والشر، وتبقى العاقبة للمتقين.
ولذلك يستحضر قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269]؛ فالحكمة خير واسع الأثر، تصل العلم بحسن العمل، وتعين صاحبها على وضع القول والفعل في موضعهما. «زهرة التفاسير»، محمد أبو زهرة، 5/2572.
حكمة الله تبني القيادة الربانية
وتُختتم الآية بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، فتردّ إيتاء الحجة ورفع الدرجات إلى حكمة الله وعلمه؛ فهو سبحانه يعلم أحوال عباده، ويضع فضله في موضعه، ويقدر الأمور بعلم محيط وحكمة بالغة.
وفي تفسير المنار، يوضح محمد رشيد رضا أن هذا الختام يقرر مضمون ما سبقه، ويبين تعلقه بصفات الله تعالى. كما يلفت إلى الانتقال من ضمير العظمة إلى اسم الرب المضاف إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم، بما يتضمنه ذلك من تذكير بفضل الله ورعايته وتعليمه وهدايته.
ويبين أن في الخطاب تذكيرًا للنبي صلى الله عليه وسلم بما منحه الله من رفعة الذكر والاصطفاء لخاتمة الرسالات، وأن ربه حكيم في فعله وصنعه، عليم بشؤون خلقه وتدبير عباده؛ وسيُريه في سيرته مع قومه من شواهد الحكمة والنصرة ما قصّه عليه من شأن إبراهيم مع قومه. «تفسير المنار»، محمد رشيد رضا، 7/582–584.
وعلى ضوء ذلك، تنشأ القيادة الربانية من اجتماع العلم والإيمان، والحكمة والإخلاص، والقدرة على البيان والصبر على تبعاته. وهي قيادة تستشعر مسؤوليتها أمام الله، وتحمل هموم الناس، وتجعل ما أوتيته من معرفة وقوة حجة سبيلًا لخدمتهم وهدايتهم.
ومن هنا، تشتد حاجة الأمة إلى علماء ودعاة يحملون العلم تعبدًا ومسؤولية، ويقيمون الحجة رحمة بالخلق، ويثبتون على الحق ابتغاء مرضاة الله. فسيرة إبراهيم عليه السلام تعلمهم أن الرفعة الحقيقية من الله، وأن طلبها يقتضي صدق العبودية، وأمانة البيان، والعمل بما علموا، مع دوام الافتقار إلى الحكيم العليم.

