بعد 10 على اختفاء الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة، أصدرت محكمة الجنايات في العاصمة الإيطالية روما حكماً غيابياً بسجن ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين لمدة 10 سنوات لكل منهم، بعد إدانتهم في قضية اختطاف الباحث، بينما برأت متهماً رابعاً من جميع الاتهامات الموجهة إليه.
وجاء الحكم في ختام مسار قضائي طويل استمر لسنوات، وشهد خلافاً بين القاهرة وروما بشأن الأدلة وسبل التعاون القضائي، فيما لم تدن المحكمة أياً من المتهمين الثلاثة بقتل ريجيني، كما لم تثبت بحقهم تهمة القتل التي طالب الادعاء الإيطالي بعقوبات مشددة بشأنها.
وأعاد الحكم إلى الواجهة ملف التعويضات لعائلة ريجيني، بعدما أمرت المحكمة بتعويضات للمدعين المدنيين، في وقت لا يزال فيه تنفيذ الأحكام نفسها يواجه عقبات بسبب وجود المتهمين خارج إيطاليا وعدم معرفة أماكن وجودهم.
اختفاء ريجيني في القاهرة
كان جوليو ريجيني، البالغ من العمر 28 عاماً، طالب دراسات عليا في جامعة كامبريدج البريطانية، ويجري في مصر أبحاثاً مرتبطة بالنقابات العمالية المستقلة، وهي موضوعات اعتبرها التحقيق الإيطالي ذات حساسية في ذلك الوقت.
وفي 25 يناير 2016، اختفى ريجيني في القاهرة، قبل أن يُعثر على جثمانه بعد 9 أيام تقريباً في إحدى المناطق الواقعة خارج العاصمة، وعليه آثار إصابات شديدة وتعذيب، وفق ما خلصت إليه الفحوصات والتحقيقات الإيطالية.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت القضية إلى واحد من أبرز ملفات الخلاف بين مصر وإيطاليا، خصوصاً بعدما تبنت النيابة الإيطالية رواية تفيد بتورط عناصر أمنية مصرية في اختطاف الباحث، بينما نفت القاهرة أي مسؤولية لأجهزة الدولة عن مقتله.
وأصبح ريجيني رمزاً لحملة طويلة في إيطاليا للمطالبة بكشف ملابسات وفاته ومحاسبة المسؤولين عنها، فيما استمرت عائلته ومحاميتها أليساندرا باليريني في الضغط من أجل الوصول إلى ما تعتبره عدالة كاملة في القضية.
ثلاثة أحكام وبراءة متهم
قضت محكمة روما بسجن الرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، والعقيد هشام حلمي، والعقيد آثر كمال محمد إبراهيم، لمدة 10 سنوات لكل منهم، بعد إدانتهم في جريمة الخطف المشدد المرتبطة باختفاء ريجيني.
وفي المقابل، حصل اللواء طارق صابر، المسؤول السابق في جهاز الأمن الوطني، على البراءة من الاتهامات الموجهة إليه.
وكان الادعاء الإيطالي قد طالب بعقوبة السجن المؤبد لمجدي شريف، فيما طلب السجن 17 عاماً وستة أشهر للمتهمين الثلاثة الآخرين، مستنداً إلى ما قال إنه أدلة تربطهم بعملية اختطاف ريجيني.
إلا أن المحكمة لم تأخذ بهذه المطالب كاملة، وقصرت الإدانة على جريمة الخطف، دون إدانة المتهمين بقتل الباحث.
كما أسقطت المحكمة عن شريف اتهام التآمر لارتكاب جريمة قتل مشددة، في حين لم تصدر إدانة جنائية بحق أي من المتهمين الأربعة في واقعة قتل ريجيني نفسها.
وقال كبير المدعين العامين في روما فرانشيسكو لو فوي، عقب صدور الحكم، إن النيابة تمكنت من الوصول إلى النتيجة القضائية رغم ما وصفه بأن مستوى التعاون من السلطات المصرية لم يكن كما كانت إيطاليا تأمل.
لماذا لم تثبت تهمة القتل؟
شكل سقوط اتهامات القتل والتعذيب أحد أبرز جوانب الحكم، خصوصاً أن القضية الإيطالية قامت على اعتقاد الادعاء بأن ريجيني تعرض لعملية اختطاف ثم تعذيب انتهت بوفاته.
وكان الادعاء قد تحدث خلال مراحل التحقيق عن تعرض الباحث للضرب والإصابات والحروق، وربط تلك الوقائع بالاشتباه في أنه كان يخضع للمراقبة قبل اختفائه بسبب أبحاثه المتعلقة بالنقابات العمالية.
لكن المحكمة لم تعتبر الأدلة المتاحة كافية لإدانة المتهمين بالقتل، وقصرت الأحكام الصادرة على جريمة الخطف المشدد.
وأشارت تقارير عن الحكم إلى أن القضية شهدت صعوبات كبيرة في جمع الأدلة والوصول إلى المتهمين، خاصة مع عدم وجودهم أمام القضاء الإيطالي.
خلاف طويل بين القاهرة وروما
منذ بداية القضية، اختلفت نتائج التحقيقات المصرية والإيطالية بشأن المسؤول عن وفاة ريجيني.
وفي ديسمبر 2020، أعلنت النيابة العامة المصرية قرارها بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية مؤقتاً في واقعة قتل واحتجاز وتعذيب ريجيني لعدم معرفة الفاعل، مع استمرار تكليف جهات البحث والتحري بالعمل على تحديد المسؤولين عن الواقعة.
وأكدت القاهرة في مناسبات مختلفة عدم تورط أجهزة الدولة في مقتل الباحث الإيطالي، كما رفضت اتهامات تتعلق بعدم التعاون مع التحقيقات الإيطالية.
في المقابل، قالت النيابة الإيطالية إن روما قدمت عشرات الطلبات للتعاون القضائي إلى السلطات المصرية، وإن جزءاً منها لم يتلق رداً، بينما ظلت بيانات الاتصالات وبعض المعلومات المرتبطة بالتحقيقات الأمنية من بين النقاط محل الخلاف بين الجانبين.
وتحول هذا الخلاف القضائي إلى أزمة دبلوماسية امتدت لسنوات، وأثر في العلاقات بين القاهرة وروما، قبل أن تعود الحكومتان إلى التأكيد على أهمية العلاقات الثنائية والتعاون في ملفات اقتصادية وأمنية وإقليمية مختلفة.
محاكمة غيابية وعقبات التنفيذ
لم يحضر المتهمون الأربعة جلسات المحاكمة في إيطاليا، وهو ما جعل القضية مرتبطة منذ بدايتها بمسألة الإجراءات الغيابية وإمكانية إبلاغ المتهمين وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم.
وكانت محاكمة سابقة قد واجهت عقبات إجرائية بسبب عدم تمكن السلطات الإيطالية من إبلاغ المتهمين رسمياً بالإجراءات القضائية.
وفي سبتمبر 2023، سمح حكم للمحكمة الدستورية الإيطالية باستئناف الإجراءات والمضي في القضية رغم غياب المتهمين.
وبذلك أصبح الحكم الصادر في سبتمبر 2026 نتيجة لمسار قضائي امتد لسنوات، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال المتهمين إلى السجون الإيطالية، إذ إن وجودهم خارج إيطاليا يمثل عقبة عملية أمام تنفيذ العقوبات.
كما أن الحكم لا يزال قابلاً للطعن وفق الإجراءات القانونية الإيطالية، ما يعني أن الملف القضائي لم يصل بالضرورة إلى مرحلته النهائية.
عائلة ريجيني تطالب بالمساءلة والتعويض
رحبت عائلة ريجيني بالحكم باعتباره خطوة قضائية جديدة في مسار القضية، بينما أكدت محامية الأسرة أليساندرا باليريني استمرار المطالبة بالمساءلة والتعويض.
ولا يقتصر الجانب المالي للقضية على التعويضات الخاصة بعائلة ريجيني، إذ أشارت التقارير إلى أن المحكمة أمرت أيضاً بدفع تعويضات للمدعين المدنيين، ومن بينهم أسرة الباحث والدولة الإيطالية. كما برزت مطالبات داخل إيطاليا بأن تتحمل الدولة المصرية مسؤولية التعويضات المرتبطة بإدانة موظفين عموميين مصريين.

