كشف مقترح برلماني جديد حجم المعاناة التي يواجهها نحو 30 مليون مصري بسبب إجراءات التجديد السنوي لدفاتر التأمين الصحي، وسط استمرار الطوابير والمستندات الورقية رغم سنوات من الوعود الحكومية بالتحول الرقمي.


وطالب النائب محمد حمزة، عضو مجلس الشيوخ، بإلغاء التجديد السنوي للدفاتر، وإنهاء الإجراءات التي ترهق الموظفين وأصحاب المعاشات، وتحوّل الحصول على الخدمات العلاجية إلى رحلة شاقة تتكرر دون مبرر واضح.


طوابير المرضى تفضح وعود الرقمنة

 

وتكشف تفاصيل المقترح أن نحو 18.4 مليون موظف وعامل، بالإضافة إلى 11.3 مليون من أصحاب المعاشات، يمثلون الفئات المستهدفة بإنهاء الإجراءات السنوية التي تستهلك وقت المواطنين وجهدهم.


وفي محافظة الإسكندرية، تشير المذكرة الإيضاحية إلى وجود 30 مكتب تأمينات فقط تخدم أكثر من 2.5 مليون مستفيد، بما يكشف حجم الضغط المحتمل على المكاتب خلال فترات التجديد.


ولا تتوقف المعاناة عند الطوابير، بل تمتد إلى مطالبة المواطنين بتقديم مستندات متكررة، تشمل بيانات التأمينات وإفادات جهات العمل وشهادات الميلاد، رغم وجود هذه المعلومات بالفعل لدى مؤسسات الدولة.


وتكشف هذه الإجراءات تناقضاً صارخاً بين التصريحات الحكومية المتكررة عن تطوير الخدمات، والواقع الذي يُجبر المواطنين على حمل الأوراق والتنقل بين المؤسسات للحصول على حقوقهم العلاجية.


والأخطر أن استمرار هذه البيروقراطية يطرح تساؤلات محرجة بشأن جدوى مشروعات الرقمنة، إذا ظلت الجهات الحكومية عاجزة عن تبادل بيانات المواطنين دون مطالبتهم بتقديم المستندات نفسها كل عام.


كما يتحمل المواطن نتيجة ضعف التنسيق بين المؤسسات، بينما يفترض أن تتحمل الجهات المسؤولة مهمة تحديث البيانات والتحقق من الاستحقاق، دون تحويل المرضى إلى وسطاء بين المكاتب الحكومية.


وفي ظل الحديث المتواصل عن تحديث الجهاز الإداري، تبدو طوابير التأمين الصحي شاهداً على قصور الخدمات الأساسية، حيث لا تزال الإجراءات الورقية تفرض نفسها على حياة ملايين المصريين.


ولا يمكن تبرير استمرار هذه المعاناة باعتبارها إجراءات تنظيمية ضرورية، بينما تتيح التكنولوجيا الحديثة مراجعة البيانات والتحقق منها إلكترونياً، دون تحميل المواطنين أعباء إدارية متكررة.


وتبقى المفارقة أن الحكومة تطالب المواطنين بالتعامل مع الخدمات الرقمية، بينما تستمر بعض مؤسساتها في فرض الأوراق التقليدية، وكأن التحول الرقمي توقف عند حدود التصريحات واللافتات الرسمية.


أصحاب المعاشات يدفعون ثمن البيروقراطية

 

وتتضاعف قسوة الأزمة بالنسبة لأصحاب المعاشات وكبار السن، الذين يحتاج كثير منهم إلى متابعة طبية منتظمة، بينما تفرض عليهم إجراءات التجديد السنوي مشقة إضافية كان يمكن تجنبها.


ويجد بعض المرضى أنفسهم مضطرين إلى الانتقال بين المكاتب والانتظار لساعات، رغم معاناتهم الصحية، في مشهد يكشف افتقار الإجراءات الحالية إلى المراعاة الكافية لظروف الفئات الأكثر احتياجاً.


وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن تحسين جودة الحياة، تظل هذه الإجراءات مثالاً على البيروقراطية التي تستنزف المواطنين، وتضيف أعباء جديدة إلى معاناتهم الصحية والمعيشية.


كما تتحول رحلة تجديد دفتر التأمين إلى تكلفة مالية إضافية، تشمل الانتقالات واستخراج الأوراق، وهي نفقات تثقل كاهل أصحاب المعاشات الذين يواجهون بالفعل ضغوطاً معيشية متصاعدة.


ولا يبدو مقبولاً أن يظل الحصول على العلاج مرتبطاً بإجراءات مرهقة، بينما يفترض أن تعمل منظومة التأمين الصحي على تسهيل الرعاية الطبية، لا تعقيد الوصول إليها.


وتثير هذه الممارسات تساؤلات بشأن ترتيب الأولويات الحكومية، عندما تصبح مراجعة الأوراق أكثر حضوراً في حياة المريض من توفير خدمة سريعة تحفظ كرامته وتراعي حالته الصحية.


والأكثر إثارة للغضب أن المعلومات المطلوبة موجودة لدى الجهات الرسمية، ومع ذلك يستمر تحميل المواطن مسؤولية جمعها، في صورة واضحة لعجز الإدارة عن تبسيط الإجراءات.


كما أن استمرار التجديد السنوي يضاعف الضغط على العاملين بالمكاتب، ويستهلك ساعات طويلة في مراجعة مستندات متكررة، بدلاً من توجيه هذه الجهود لتحسين جودة الخدمات.


وتكشف الأزمة أن حماية كبار السن لا تتحقق بالشعارات، وإنما بإجراءات عملية ترفع عنهم المشقة، وتضمن حصولهم على العلاج دون طوابير أو تعقيدات إدارية لا ضرورة لاستمرارها.


مقترح برلماني يضع الحكومة بالمواجهة

 

وطرح النائب محمد حمزة حلاً يتمثل في مد صلاحية دفاتر التأمين الصحي إلى خمس سنوات، أو تجديدها عند امتلاء صفحاتها، بدلاً من إلزام المواطنين بالتجديد السنوي.


كما دعا إلى الربط الإلكتروني بين قواعد بيانات الرقم القومي والأحوال المدنية والتأمينات الاجتماعية وجهات العمل، بما يسمح بتحديث معلومات المستفيدين دون مطالبتهم بمستندات ورقية متكررة.


ويكشف المقترح أن تخفيف المعاناة لا يحتاج بالضرورة إلى إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما يتطلب قرارات تنفيذية وتنسيقاً حقيقياً بين الجهات التي تمتلك بالفعل بيانات المواطنين.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو سبب تأخر تطبيق هذه الإجراءات، رغم سنوات من الحديث الحكومي عن الميكنة وربط قواعد البيانات وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين.


ولا يستهدف المقترح إلغاء التحقق من استحقاق الخدمات العلاجية، وإنما تغيير وسيلة تنفيذه، بحيث تتحمل المؤسسات مسؤولية مراجعة البيانات بدلاً من إرهاق المواطنين بجمع المستندات.


وفي المقابل، فإن مجرد تقديم المقترح لا يعني انتهاء الأزمة، ما لم تتحول المطالب البرلمانية إلى قرارات واضحة وجدول زمني يضمن إنهاء الإجراءات المرهقة فعلياً.


كما تتحمل الحكومة مسؤولية توضيح أسباب الإبقاء على النظام الحالي، والكشف عن مدى استعداد الجهات المختصة لتطبيق الربط الإلكتروني وتخفيف التكدس داخل مكاتب التأمين.


ولا يكفي إعلان التوجه نحو الرقمنة، بل يجب توفير أنظمة مستقرة تضمن استمرار الخدمات وحماية بيانات المنتفعين، حتى لا تتحول طوابير الأوراق إلى أزمات جديدة بسبب تعطل الأنظمة.


وفي النهاية، تكشف الأزمة أن المواطن لا يحتاج إلى المزيد من الوعود الحكومية، وإنما إلى إجراءات تحفظ كرامته ووقته، وتنهي معاناته المتكررة مع مؤسسات يفترض أنها أُنشئت لخدمته.


ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً للحكومة: كيف تتحدث عن نجاح التحول الرقمي، بينما لا يزال ملايين المصريين مطالبين بحمل الأوراق والوقوف في الطوابير لإثبات حقهم في العلاج؟.