تستعرض الكاتبة عروبة جمال تفاصيل ملحمة السادس من أكتوبر عام 1973 التي بدلت موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم بأسره. فقد اندلعت تلك المعركة التاريخية بهجوم مباغت شنته القوات المصرية والسورية لاستعادة شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان المحتلتين. وبناء على ذلك فقد شكلت هذه اللحظة الفارقة صدمة مدوية للكيان الإسرائيلي الذي استكان لغرور نكسة يونيو عام 1967.


وقد اعتمدت شبكة الجزيرة الإعلامية في تغطيتها التحليلية على تقريرين معمقين تناولا الجوانب العسكرية والتبعات الجيوسياسية الشاملة لتلك الحرب. واستندت المادتان الصحفيتان إلى شهادات تاريخية وتحليلات استراتيجية لقادة ومفكرين عايشوا مجريات الصراع. وبالتالي فقد قدم هذا الرصد المزدوج قراءة نقدية لمآلات المعركة وكيفية تأثيرها المباشر في القضية الفلسطينية ومسارات العلاقات الدولية.


بدأت المعارك بانهيار سريع لخط بارليف الحصين الذي عده خبراء الاحتلال مانعا يستحيل اختراقه أمام الآلة العسكرية العربية. حيث بلغ ارتفاع الساتر الترابي واحدا وعشرين مترا ومدعما بنقاط دفاعية محكمة على امتداد مئة وخمسين كيلومترا. ومن ثم فقد استطاعت المضخات المائية المصرية إزالة هذا الحاجز خلال ثلاث ساعات فقط بدلا من اثنتي عشرة ساعة قدرها العدو مسبقا.


اندفع الجنود المصريون عبر قناة السويس في إطار عملية بدر المجيدة وسط تكبيرات ملأت الأفق وخلعت قلوب المتحصنين خلف الساتر. وحلقت الطائرات المقاتلة على ارتفاعات منخفضة لتدك التحصينات وتؤمن تقدم أفواج المشاة نحو عمق صحراء سيناء. وفي الوقت ذاته شنت التشكيلات السورية هجوما متزامنا في الجبهة الشمالية لاسترداد هضبة الجولان المحتلة.


 "بعد دقائق قليلة من الساعة 1420، وبينما بدأت الأسطوانات تنفث سحب الدخان الساتر، كانت موجة هجومنا الأولى تجدف بحماسة عبر القناة، وكانت ضربات مجاديفهم تتناغم مع إيقاع هتافهم: الله أكبر... الله أكبر...".


— الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الأسبق (مذكرات حرب أكتوبر)


أصابت تلك الضربة القيادة العسكرية الإسرائيلية بذهول مطبق نظرا لتزامن الهجوم مع احتفالات عيد الغفران اليهودي وصيام شهر رمضان المبارك. ولم تتوقع حكومة تل أبيب مطلقا أن تجرؤ الجيوش العربية على المبادرة واستعادة زمام المبادأة بتلك القوة الخاطفة. ولذلك فقد تساقطت الحصون تباعا وانهارت نظرية الأمن الإسرائيلي تحت ضربات الجيشين الباسلين.

 


العبور العظيم وكسر حاجز المستحيل


يرى الدكتور توفيق أكليمندوس، أستاذ العلوم السياسية، أن استعادة شبه جزيرة سيناء شكلت ذروة المجد العسكري المصري في العصر الحديث. وقد أثبتت تلك المعركة كفاءة المقاتل العربي في استيعاب التكنولوجيا المعاصرة وإدارة العمليات المشتركة بتفوق ملحوظ. ونتيجة لذلك فقد اكتسبت المؤسسة العسكرية شرعية راسخة وتخلد الأجيال هذه الذكرى باحتفالات رسمية وشعبية متواصلة.


 "لم تكن نجاحا خالصا ولا فشلا تاما، ومع ذلك فقد كانت أروع ساعات مصر".

 

— الدكتور توفيق أكليمندوس، مدير وحدة الدراسات الأوروبية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية


ولم تقتصر دوافع التحرك العربي على الجانب الجغرافي بل سعت الحملة المشتركة إلى غسل مرارة الهزيمة السابقة. فقد عاشت الجماهير العربية سنوات عجافا تلت احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء. ولهذا السبب فقد توحدت الإرادة الشعبية حول ضرورة كسر شوكة الاحتلال واسترداد الأرض المغتصبة بالقوة.


بيد أن الخبير السياسي سامي حمدي يرى أن مخرجات المعركة لم تخدم القضية الفلسطينية بالشكل المأمول. حيث انحرفت البوصلة اللاحقة نحو تسويات منفردة تجاوزت في نتائجها جوهر الصراع العربي الإسرائيلي. وبذلك فقد شكلت النهاية الدبلوماسية للنزاع صدمة لطموحات استعادة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني الأعزل.


 "إن فكرة استعادة الدول العربية للعدالة من أجل فلسطين قد تلاشت ونسفت تماما بفعل نتائج حرب أكتوبر".

 

— سامي حمدي، مدير مؤسسة إنترناشيونال إنترست لتقييم المخاطر السياسية


استعرت المواجهات البرية والجوية طوال تسعة عشر يوما وتحولت صحراء سيناء إلى مسرح لأضخم معارك الدبابات في التاريخ. وتدخلت القوى العظمى سريعا لحماية مصالحها في المنطقة حيث دشنت واشنطن جسرا جويا لإنقاذ حليفتها. وفي المقابل زود الاتحاد السوفيتي الجيوش العربية بالعتاد النوعي لصد الهجمات الإسرائيلية المرتدة.


نجحت القوات المعادية في اليوم العاشر للمعركة في اختراق خطوط الدفاع وتنفيذ ثغرة عسكرية في منطقة الدفرسوار. غير أن صمود القوات المسلحة المصرية أوقف تقدم العدو ومنعه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية في إسقاط المدن الرئيسية. وهكذا استقرت الجبهات على وضعية استنزاف متبادل فرضت على الجميع التفكير في الحلول السياسية.

 


سلاح النفط وتغير معادلات القطبين


أدركت الدول النفطية العربية ضرورة المشاركة الفاعلة لدعم الجبهتين المصرية والسورية في تلك المعركة المصيرية. فقررت دول منظمة أوبك خفض الإنتاج بنسبة خمسة في المئة وتصعيد تلك النسبة شهريا حتى جلاء المحتل. وفضلا عن ذلك فقد أعلنت تلك الدول حظرا نفطيا شاملا استهدف الولايات المتحدة الأمريكية بسبب دعمها السافر للعدوان.


أحدث هذا القرار العربي الموحد هزة اقتصادية عنيفة وارتفعت أسعار الوقود بصورة غير مسبوقة داخل الأسواق الغربية. واضطرت العواصم الكبرى إلى مراجعة حساباتها الخارجية بعدما كشف الحظر هشاشة أمن الطاقة لدى المعسكر الرأسمالي. وعليه فقد تحول النفط من مجرد سلعة تجارية إلى أداة ضغط استراتيجي قلبت موازين الصراع الدولي.


 "شكلت هذه الأحداث نقطة تحول فاصلة نقلت العالم من عصر الحروب إلى حقبة الدبلوماسية المكوكية".

 

— نمرود غورين، كبير باحثي الشؤون الإسرائيلية بمعهد الشرق الأوسط


سارعت الإدارة الأمريكية إلى احتواء الأزمة النفطية خشية انهيار اقتصاديات حلفائها الغربيين في أوروبا واليابان. وقاد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر مفاوضات دبلوماسية مكثفة سميت بجولات الدبلوماسية المكوكية بين العواصم المتنازعة. ولذلك فقد سعت واشنطن إلى إبعاد النفوذ السوفيتي المتصاعد عن ملفات المنطقة وتأمين منابع البترول الحيوية.


"وفرت الحرب فرصة سانحة للولايات المتحدة من أجل إبعاد السوفيت وتجريدهم من أوراق الضغط في الشرق الأوسط".

 

— يوسي ميكلبيرج، خبير الشؤون الإسرائيلية في معهد تشاتام هاوس البريطاني


نجح التحرك الأمريكي في تفكيك التضامن العربي بعدما ركزت المفاوضات على المسارات الثنائية المنفصلة. فقد قدم كيسنجر وعودا خاصة بإعادة سيناء لمصر مقابل فض الاشتباك وتجميد العمليات العسكرية المشتركة. وبالتالي فقد تباينت الأولويات القطرية وتراجعت الروابط القومية لحساب المصالح الإقليمية الضيقة لكل طرف.


تكرست هذه الانقسامات في العقود اللاحقة وتركت آثارا غائرة في منظومة العمل العربي المشترك. وظهرت تداعيات ذلك التفكك بوضوح أثناء أزمة الخليج عام 1990 حين استعانت دول عربية بالتحالف الغربي. وهكذا ساهمت الهندسة الدبلوماسية الأمريكية في تمزيق الجبهة التي أظهرت قوتها وتماسكها إبان الحظر البترولي.

 


المسار المنفرد وتداعيات معاهدة السلام


مهدت الدبلوماسية المكوكية الطريق أمام تحولات دراماتيكية قادها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم. فقام السادات بزيارة تاريخية إلى القدس عام 1977 وألقى خطابه الشهير أمام الكنيست الإسرائيلي داعيا للسلام. ثم استضاف الرئيس الأمريكي جيمي كارتر مباحثات كامب ديفيد في سبتمبر عام 1978 بين مصر والكيان المحتل.


 "لا يمكن لأحد أن يغامر بمستقبل قواته المسلحة وبمصير وطنه حتى وإن كان مقاتلا شجاعا ومستعدا للتضحية بروحه".

 

— الفريق سعد الدين الشاذلي، معلقا على الحسابات الاستراتيجية للقيادة


أسفرت تلك التحركات عن توقيع معاهدة السلام الثنائية بين القاهرة وتل أبيب عام 1979 وسط مقاطعة عربية واسعة. ونقلت جامعة الدول العربية مقرها خارج مصر ردا على خروج أكبر دولة عربية من معادلة الصراع المسلح. ولذلك فقد اعتبرت الأطراف الرافضة أن المعاهدة تركت الشعب الفلسطيني وحيدا في مواجهة آلة القمع والتهويد.


أكد المحلل سامي حمدي أن القيادة المصرية سعت إلى استرداد الأرض المغتصبة وتخفيف الأعباء الاقتصادية الثقيلة عن كاهلها. ولم تكن القاهرة قادرة على تحمل تكلفة المواجهة بمفردها بعد خوض حروب استنزفت مقدراتها طوال عقود. ومع ذلك فقد ظلت الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب المصري تكن العداء للاحتلال وترفض كافة أشكال التطبيع الشعبي.


استفادت إسرائيل بالمقابل من تحييد الجبهة الجنوبية لتركز عدوانها على الجبهات الشمالية والداخل الفلسطيني. وقد غيرت حرب أكتوبر قناعة قادة الاحتلال بأن جيشهم قوة لا تقهر ولا يمكن ردعها. ولذا فقد حرصت المؤسسة الأمنية الصهيونية على صيانة الاتفاق مع مصر لتجنب مواجهة كبرى على حدودها الواسعة.


انقضت خمسة عقود على تلك الملحمة العسكرية وظلت معاهدة السلام قائمة على المستوى الرسمي بين الطرفين. غير أن الصراع الأساسي حول القضية الفلسطينية ظل يراوح مكانه دون حل عادل وشامل يعيد الحقوق لأصحابها. وعليه فإن ذكرى حرب أكتوبر تظل شاهدة على بسالة المقاتل العربي في استرداد كرامته وأرضه مهما بلغت التضحيات.

 

https://www.aljazeera.com/features/2023/10/6/how-the-october-war-changed-the-world

https://www.aljazeera.com/gallery/2023/10/6/a-look-back-at-1973s-october-war