في عام 1843، نشر الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجارد أول كتبه الكبرى «إما/أو»، الذي حاول فيه الإجابة عن سؤال جوهري: كيف ينبغي لنا أن نعيش؟ وفي أحد المقاطع اللافتة، ناقش كيركجارد ميل الإنسان إلى النظر إلى الملل باعتباره أمرًا سلبيًا، موضحًا أننا كثيرًا ما نتخذه ذريعة للانتقال المستمر من شيء إلى آخر. ويقول إن الإنسان يملّ العيش في الريف فينتقل إلى المدينة، ويضيق بوطنه فيسافر إلى الخارج، ثم يملّ أوروبا فيرحل إلى أمريكا، وهكذا، متطلعًا إلى رحلة لا تنتهي من نجم إلى آخر، حتى إنه ينتقل من تناول الطعام في أوانٍ خزفية إلى أخرى فضية، ثم ذهبية.
وفي مقال نشره الكاتب جيمس كلير على موقعه الإلكتروني، يناقش كيف يمكن للقيود التي نواجهها أن تصبح مصدرًا للإبداع والابتكار، بدلًا من النظر إليها باعتبارها عقبات تحول دون تحقيق أهدافنا. ويوضح كلير، مؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا «العادات الذرية»، أن الاعتقاد السائد بأن السعادة والمعنى يتطلبان المزيد من الفرص والثروة والممتلكات قد يدفعنا إلى البحث الدائم عن ظروف جديدة، بينما قد يكمن الحل الحقيقي في تبنّي القليل بدلًا من السعي المستمر وراء المزيد.
قوة القيود.. كيف تحفّزنا الحدود على الابتكار؟
غالبًا ما نفترض أن الانتقال إلى مكان جديد سيخلّصنا من مشكلات الحياة، أو أن الحصول على وظيفة مختلفة سيمنحنا أخيرًا الفرصة والقدرة على فعل ما طالما رغبنا فيه. ونعتقد أننا سنصبح أكثر استعدادًا لتحقيق أهدافنا إذا امتلكنا المزيد من الموارد والإمكانات.
لكن كيركجارد يرى أن الحياة التي نبحث عنها قد نجدها عندما نتعلم الاكتفاء بالقليل، لا عندما نواصل السعي إلى المزيد. ويختصر هذه الفكرة في مقولة لافتة: «كلما فرض الإنسان على نفسه مزيدًا من القيود، ازدادت قدرته على تدبير الأمور والابتكار».
ويزخر التاريخ بأمثلة لأشخاص احتضنوا حدود إمكاناتهم بدلًا من محاربتها. فقد ألّف الدكتور سوس أشهر كتبه مستخدمًا 50 كلمة مختلفة فقط، بينما بدأ إنجفار كامبراد مشروعه التجاري بإمكانات مالية لم تسمح له سوى ببيع أعواد الثقاب، قبل أن يحوّله إلى شركة «إيكيا» العالمية. كذلك يكتب جورج آر. آر. مارتن رواياته الأكثر مبيعًا باستخدام تقنيات تعود إلى عقود مضت، في حين أسس ريتشارد برانسون نحو 400 شركة رغم معاناته من عسر القراءة.
وتوضح هذه الأمثلة أن القيود لا تعني بالضرورة العجز، بل قد تفتح أمامنا أوسع أبواب الإبداع والابتكار. فعندما لا تتوافر لدينا جميع الإمكانات التي نرغب فيها، نضطر إلى التفكير بطرق مختلفة، والبحث عن حلول غير تقليدية، والاستفادة القصوى مما نملكه بالفعل.
حين تتحول القيود إلى مصدر للقوة والإبداع
يستشهد كيركجارد بمثال السجين الذي يقضي حياته في العزلة، موضحًا كيف يمكن للإنسان أن يصبح شديد الابتكار عندما تضيق الخيارات المتاحة أمامه. ففي ظل ظروف محدودة للغاية، قد تتحول مشاهدة عنكبوت إلى مصدر كبير للتسلية، ويصبح تتبع حركة ذبابة أو الاستماع إلى قطرات الماء المتساقطة من السقف نشاطًا ممتعًا ومحفزًا للانتباه.
ويستعيد الفيلسوف ذكريات أيام الدراسة، حين كان الطلاب يجدون وسائل للتسلية حتى مع المعلمين الذين يشعرون بالملل أثناء دروسهم. فقد كانوا يستمتعون بالإمساك بالذباب وحبسه تحت قشرة جوز، أو صنع ثقوب في المقاعد ومراقبة الحشرات من خلالها. ولم تكن هذه الأنشطة مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل مثالًا على قدرة الإنسان على اكتشاف مصادر التسلية والإبداع في أكثر الظروف رتابة.
ويؤكد هذا التصور أن تضييق الخيارات قد يدفع الإنسان إلى ملاحظة تفاصيل لم يكن لينتبه إليها في ظروف أكثر راحة واتساعًا. فعندما لا تتوافر البدائل المعتادة، تتطور القدرة على الملاحظة، ويصبح التفكير في الإمكانات المتاحة أكثر دقة وابتكارًا.
كيف تستثمر قيودك لتحقيق أهدافك؟
قد يكون من السهل أن نقضي حياتنا في الشكوى من الفرص التي لا نحصل عليها، أو من نقص الموارد التي نحتاج إليها لتحويل أهدافنا إلى واقع. لكن هناك طريقًا آخر؛ إذ يمكننا توظيف القيود لتحفيز الإبداع، واستثمارها في تطوير المهارات بدلًا من اعتبارها مبررًا للتوقف.
فإذا كنت ترغب في الكتابة، لكنك لا تمتلك جمهورًا واسعًا، فلا تجعل ذلك عائقًا أمامك. تعامل مع محدودية جمهورك باعتبارها ظرفًا يمكنك العمل في إطاره، واسأل نفسك كيف تستطيع تقديم عمل إبداعي مؤثر إلى هذه المجموعة الصغيرة من القراء.
وإذا كنت لا تتمتع بالقوة البدنية أو القدرة على الحركة بالقدر الذي تتمناه، فلا تجعل ذلك سببًا للتخلي عن ممارسة الرياضة. بل ابحث عن أفضل تمرين تستطيع أداءه في حدود قدراتك الجسدية، واستثمر إمكاناتك الحالية بدلًا من الانشغال بما ينقصك.
فالمشكلة لا تكمن غالبًا في الفرص المتاحة أمامنا، بل في الطريقة التي نستخدمها بها. ولا يتطلب بدء حياة جديدة بالضرورة تغيير المكان أو الوظيفة أو امتلاك المزيد من الموارد؛ فقد يكفي أن نغيّر زاوية النظر إلى ظروفنا، وأن نعيد اكتشاف ما يمكننا فعله بالإمكانات المتاحة.
ويختتم جيمس كلير فكرته بالتأكيد على أن القيود يمكن أن تمنحنا القوة بدلًا من استنزاف قدراتنا، وأننا كلما أحسنا التعامل مع حدود إمكاناتنا، ازدادت قدرتنا على إيجاد الحلول والتصرف بمرونة وابتكار. فكلما فرضنا على أنفسنا قيودًا أكثر، أصبحنا أكثر قدرة على تدبير أمورنا والإبداع في التعامل معها.
https://jamesclear.com/kierkegaard-limitations

