علي باكير

كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران

 

في نهاية فبراير 2026، قامت إسرائيل والولايات المتّحدة بالاعتداء على إيران، فما كان من الأخيرة إلاّ أن قامت بالرد سريعًا، ممّا أعطى انطباعًا أنّها كانت جاهزة لهذا السيناريو، وعلى أهبة الاستعداد فيما يتعلق بالخيارات والأهداف التي سيتم توجيه ضربة لها. لكن سرعان ما تبيّن من خلال طبيعة الأهداف الإيرانية أنّ طهران لم تكن ترد بقدر ما كانت تفتح حربًا جديدة بموازاة الحرب القائمة ضد أطراف عملت ولا تزال تعمل على تجنبيها والمنطقة تداعيات التصعيد العسكري.

 

وللتغطية على حقيقة العدوان الإيراني على هذه الدول، تم الترويج لسرديات تشير إلى أنّ هدف إيران كان رفع التكلفة على هذه الدول من أجل أن تضغط الأخيرة على ترامب. لم يتبيّن أنّ مثل هذا الافتراض خاطئ فقط، وإنما أدى إلى نتائج كارثية على إيران وعلى دول المنطقة. ثم اتجهت إيران سريعًا إلى التعامل مع مضيق هرمز كسلاح. لقد كانت حسابات إيران تقوم على افتراض أن إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى أمرين على الأقل.

 

الأوّل هو رفع الضغط والتكلفة على كبار المنتجين في المنطقة والمستهلكين حول العالم بشكل يؤدي إلى استنفارهم للتأثير على الوضع القائم وإيقاف الحرب. أمّا الافتراض الثاني، فقد كان يقوم على فكرة أنّ إغلاق المضيق يؤدي الى حصول صدمة في الاقتصاد العالمي الأمر الذي سيتعكس كذلك بشكل سلبي على الداخل الأمريكي مما يؤدي إلى الضغط على الرئيس الأمريكي وتاليًا إيقاف الحرب. لكنّ ما حصل أثبت مجددًا خطأ الحسابات الإيرانية حيث لم يؤد كل ذلك إلى النتيجة المرجوة فقط، لا بل سمح للولايات المتّحدة لاستخدام الفكرة الإيرانية في تسليح المضيق وتطبيقها ضد إيران نفسها.

 

لقد أدّى الحصار الأمريكي المفروض على إيران داخل مضيق هرمز إلى خناق اقتصادي وطاقوي ومالي غير مسبوق. ونجم عن هذا الوضع تراجع في نسبة التهديدات بين الطرفين دون فتح المضيق رسميًا، لدرجة أنّ هناك من اعتقد أنّ مسألة المضيق انتهت قبل أن تتجدد من خلال استهداف عدد من السفن بألغام بحرية. ففي 14 أكتوبر، تلقى العالم تذكيرًا قاسيًا آخر بمدى هشاشة شرايين التجارة العالمية. ففي مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية يوميًا، هوجمت سفن تجارية وأُغرقت. جاء ذلك بموازاة استمرار تهديد الحوثيين لطرق الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة وتهديد الشحن البحري المتربط بالسعودية في البحر الأحمر.

 

نتيجةً لذلك، باتت التجارة العالمية في وضعٍ حرج. تُجبر شركات الشحن على اتخاذ خيارٍ صعب. إما المخاطرة بسفنها وطواقمها وشحناتها، أو تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، ما يُضيف أسابيع إلى مدة النقل ومليارات الدولارات من تكاليف الوقود والتأمين. هذه ليست حوادث معزولة، بل هي إنعكاس لواقع جديد مرعب. فقد تحولت أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم إلى ساحات معارك، والمجتمع الدولي غير مستعد بشكل خطير للرد. بمعنى أصح ليس هناك من هو مستعد بشكل كاف للتعامل مع الوضع. فضلًا عن ذلك، هناك من يشير إلى أنّ ما جرى ويجري خلال العام الحالي يشكّل حقل تجارب خطيرة لمغامرات أخرى قد تحدث مستقبلا لاسيما في شرق آسيا حيث تأخذ بعض الدول الدروس والعبر مما يجري حاليًا.

 

يعتمد الاقتصاد العالمي على عدد قليل من الممرات المائية الضيقة. تُشكّل المضائق كمضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا مجتمعةً، ممرًا رئيسيًا لحركة النفط والغاز الطبيعي والحاويات المنقولة بحرًا في العالم. في الظروف العادية، يُعدّ هذا التركيز ميزةً، أما في زمن الحرب، فيُمثّل نقطة ضعف كارثية. ومع تحويل المضائق الى سلاح، لا تطال التداعيات الجغرافيا أو الطاقة فقط، بل كل نواحي الحياة. ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وتزداد أقساط التأمين على الشحن، التي وصلت بالفعل إلى مستويات قياسية، ارتفاعًا. ويواجه المصنّعون الذين يعتمدون على نظام التسليم الفوري توقفًا في الإنتاج. وتتحمل الدول الأقل استعدادًا لاستيعاب هذه الصدمات، ولا سيما في الجنوب العالمي، العبء الأكبر.

 

وفي هذا السياق، لم تعد التداعيات الاقتصادية مجرد نظرية. فقد أصدر صندوق النقد الدولي تحذيرًا شديد اللهجة مفاده أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأوسع نطاقًا مُرشحة للانكماش بنسبة عالية في عام 2026، ويعزى ذلك مباشرةً إلى النزاعات الدائرة. وفي الوقت نفسه، تدفع البنية التحتية المدنية خارج الممرات الملاحية الثمن أيضًا، اذ لم تستثن إيران وأذرعها البنى التحتيّة الحيوية في المنطقة. وقد ضعت الهجمات الارهابية الدامية للحوثيين، ضد أكثر مطارات المملكة العربية السعودية ازدحامًا، الطيران الدولي والمسافرين المدنيين في مرمى النيران، مما زاد من اضطراب حركة الأفراد والبضائع. في هذا السياق، الرسالة واضحة وهي انّه لا توجد نقطة في شبكة النقل العالمية بمنأى عن ذلك.

 

إن انعدام الأمن البحري ليس بالأمر الجديد. فقد اختبرت القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وحروب ناقلات النفط خلال الصراع الإيراني العراقي في ثمانينيات القرن الماضي، وهجمات الحوثيين على السفن منذ عام 2023، قدرة الممرات البحرية على الصمود. إلا أن الوضع الراهن يختلف نوعيًا لثلاثة أسباب:

 

أولًا، التزامن. فللمرة الأولى في التاريخ الحديث، يتعرض اثنان من أهم الممرات المائية الحيوية في العالم ـ البحر الأحمر ومضيق هرمز ـ لتهديد عسكري مباشر في الوقت نفسه. وهذا ليس اضطرابًا عابرًا يمكن استيعابه بتغيير مسار الملاحة، بل هو ضغط ممنهج.

 

ثانيًا، تداخل الدول والجهات غير الحكومية. لم تعد التهديدات تأتي من جهة واحدة. فالحصار البحري الذي تفرضه جماعات غير حكومية كالحوثيين يعمل الآن بالتوازي مع العمليات العسكرية المباشرة التي تقوم بها دول كإيران. وهذا يُعقّد الردع، لأن قواعد الاشتباك والأطر القانونية والقنوات الدبلوماسية تختلف تمامًا بين الحالتين.

 

ثالثًا، الشلل السياسي. وتشير التوقعات إلى أنّه من غير المرجح أن يتم حل النزاعات الجارية حاليًا قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، مما يخلق فترة خطيرة من الجمود الاستراتيجي. في ظل هذا الفراغ، لا يملك العقلاء وأولئك الذين يحثون على الحل الدبلوماسي نفوذًا يُذكر لإجبار المتصارعين على الذهاب باتجاه الحل، بانتظار ما ستؤول اليه الأوضاع بعدها.

 

وبغض النظر عن ذلك، فالأكيد أن تحويل المضائق، أي مضيق هرمز في هذه الحالة، الى سلاح ليس حلا بحذ ذاته، بل مشكلة مؤهلة للتصعيد. اذ قد يتحول المضيق الى سبب لتسعير الحرب لاحقًا بشكل غير مسبوق يفضي الى انكسار أحد الأطراف المتصارعة، وهو أمر نكاد نعرف نتائجه بشكل مسبق.