ممدوح الولي
خبير اقتصادي ونقيب الصحفيين سابقًا
تضمنت تفاصيل مصروفات الموازنة الحكومية المصرية للعام المالي الحالي 2026/2027 والمستمر حتى نهاية يونيو المقبل، تخصيص 2.680 مليار جنيه لمجلس النواب، و1.104 مليار جنيه لمجلس الشيوخ، وهما غرفتا البرلمان اللتان لا يشعر المصريون بأي دور رقابي لهما، فيما يخص مشكلات الحياة اليومية للمصريين، ولا بالدور التشريعي لهما في ظل تغول دور السلطة التنفيذية بمجال التشريع للقوانين. وتم تخصيص 5.361 مليار جنيه لجهاز المحاسبات، بخلاف 2.506 مليار جنيه لهيئة الرقابة الإدارية، المنوط بهما محاربة الفساد، بينما ما زالت الشكوى من انتشار صور الفساد مستمرة، وتخصيص 6.678 مليار جنيه لمصلحة السجون مقابل 1.014 مليار جنيه لأكاديمية البحث العلمي، أي حوالي سبعة أضعاف القيمة للأكاديمية، و1.786 مليار جنيه للمركز القومي للبحوث، كما حصل المجلس القومي لحقوق الإنسان على 114 مليون جنيه، وهو الذي لا يسمع احد له صوتا فيما يخص حالات الاختفاء القسري وطول فترات الحبس الاحتياطي والاعتقالات للمعارضين منذ سنوات.
وفيما يخص توفير البيانات، فقد تم تخصيص 3.630 مليار جنيه لجهاز الإحصاء، و539 مليون جنيه لمركز معلومات مجلس الوزراء، و36 مليون جنيه للمركز الديموغرافي، ورغم ذلك فهناك شكوى عامة من نقص المعلومات. ويعود المبلغ الكبير لمخصصات جهاز الإحصاء لتغطية تكاليف التعداد العام للسكان والمنشآت الذي يتم كل عشر سنوات وتم تأجيله عاما، لكنه يطرح سؤالا عما تمت الاستفادة به من التعداد السابق الذي أُعلنت نتائجه في 2017 بحضور حاكم البلاد، والذي وعد بتحسين الأحوال المعيشية للمهمشين الذين كشف التعداد السابق عن قسوة معاناتهم، مثل أعداد من ليس لديهم دورة مياة في مساكنهم ويستخدمون دورات مياه مشتركة، أو من ليست لديهم مطابخ في مساكنهم، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.
وجرت العادة على إعلان تفاصيل الموازنة الحكومية قبيل بدء العام المالي الجديد أول يوليو من كل عام ميلادي، لكن يتم إعلان البيانات في شكل تقسيم اقتصادي يوزع مصروفات الموازنة ما بين: الأجور والاستثمارات والدعم وفوائد قروض الجهات الحكومية ونفقات تسيير دولاب العمل اليومي في الجهات الحكومية، لكن وزارة المالية تقوم بعد عدة أشهر بإعلان تقسيم آخر لنفس المصروفات ولكن على أساس وظيفي، أي موزعة على الجهات الحكومية كالوزارات والهيئات الخدمية التابعة للوزارات ودواوين عموم المحافظات ومديريات الخدمات الموجودة في المحافظات.
849 مليون جنيه لدار الأوبرا
ومن هنا، فقد كشف التقسيم الوظيفي عن أن مصروفات رئاسة الجمهورية ستبلغ 1.610 مليار جنيه، ومصروفات رئاسة مجلس الوزراء ستبلغ 1.649 مليار جنيه، وأن وزارة الصناعة بكل الجهات التابعة لها ستحصل على 3.2 مليار جنيه، وأن دار الإفتاء ستحصل على 385 مليون جنيه، وأن دار الأوبرا ستصل مصروفاتها التي خصصتها لها وزارة المالية 839 مليون جنيه، ومصروفات مكتبة الإسكندرية 1.648 مليار جنيه رغم اقتصار دورها على بعض الفعاليات والندوات التي يتم استقدام أشخاص معينين لها لترويج الرؤية الحكومية للمشهد الثقافي والسياسي، مع الأخذ في الاعتبار أن من يطالع التقسيم الوظيفي لموازنة العام المالي الحالي، لن يجد مسمى دار الأوبرا ضمن مخصصات الجهات التابعة لوزارة الثقافة، ولكن سيجدها تحت المسمى الجديد لها وهو المركز الثقافي القومي، ونفس الأمر حيث لا يوجد مسمى مصلحة السجون ضمن مصروفات جهات وزارة الداخلية، ولكن يوجد المسمى الجديد لها وهو الحماية المجتمعية، وحتى مصروفات وزارة الري والجهات التابعة لها ستكون تحت مسمى الحراجة.
وأشار توزيع مصروفات الموازنة على الوزارات إلى تصدر وزارة الصحة وما يتبعها من هيئات خدمية بنصيب 317 مليار جنيه، تليها وزارة التربية والتعليم بنصيب 267 مليار جنيه، فوزارة الإسكان والمرافق 178 مليار جنيه، فوزارة الدفاع 147 مليار جنيه، وفي المركز الخامس وزارة الداخلية 121.5 مليار جنيه تليها وزارة التعليم العالي 104.5 مليار جنيه.
وربما يظن من يرى وزارة الصحة والتعليم في الصدارة أن هناك تفضيلا من جانب صانع السياسة المالية لهما، لكن الأمر مرتبط بكثرة عدد العاملين في كل منهما وهو ما ينعكس على كبر قيمة أجور هؤلاء العاملين وبالتالى على كبر موازنتهما، ومن هنا نجد أن نسبة 41 في المائة من مصروفات الصحة تتجه للأجور و27 في المائة للاستثمارات لبناء منشآت صحية وشراء أجهزة طبية، بينما كان نصيب المستلزمات الطبية والأدوية وصيانة الأجهزة والمباني ونفقات المياه والإضاءة وغيرها من النفقات اليومية 22 في المائة.
مستهدفات التعليم والصحة لم تتحقق
وفي وزارة التربية والتعليم نجد الأجور تستحوذ على 74 في المائة من جملة مصروفاتها، و13 في المائة لبناء فصول جديدة، و9 في المائة لمستلزمات العمل اليومي في المدارس والتغذية المدرسية والكتب المدرسية والمياه والكهرباء وغيرها. ويعود كبر نصيب الأجور إلى بلوغ عدد العاملين في المدارس الحكومية 1.377 مليون شخص، ما بين 1.05 مليون مدرس و326 ألف من مديرين وموظفين وعمال، كما بلغ عدد تلاميذ المدارس الحكومية في العام الدراسي الأخير 2025(/2026) نحو 23.245 مليون طالب، بخلاف 2.527 مليون طالب في المدارس الخاصة والتي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم.
ويظل السؤال عن تحقق المقررات الدستورية للإنفاق على التعليم والصحة الواردة في دستور 2014، حيث تبين أرقام المصروفات أن الهوة ما زالت متسعة ما بين ما تحققه المُخصصات وما حدده الدستور، حيث بلغت نسبة الإنفاق على التعليم قبل الجامعي إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي حدده البيان المالي للموازنة 1.09 في المائة مقابل نسبة 4 في المائة على الأقل طالب بها الدستور.
وفيما يخص التعليم الجامعي، بلغت النسبة 0.4 في المائة مقابل نسبة 2 في المائة على الأقل طالب بها الدستور، حتى البحث العلمي الذي حدد الدستور نسبته 1 في المائة من الدخل القومي بلغت نسبته 0.03 في المائة.
وهكذا بلغ نصيب كل من الصحة والتعليم بمرحلتيه والبحث العلمي معا 2.4 في المائة، مقابل نسبة 10 في المائة حددها الدستور لهم على الأقل.
وباستعراض مصروفات وزارات أخرى نجد 90.3 مليار جنيه للتنمية المحلية والبيئة توزع على دواوين عموم المحافظات، و54.6 مليار جنيه للتضامن الاجتماعي غالبيتها لمعاش تكافل وكرامة، و50.6 مليار جنيه لوزارة العدل وما يتبعها من أنواع للمحاكم، و49.5 مليار جنيه لوزارة المالية والجهات الضريبية التابعة لها؛ إلا أنه لو تم حساب فوائد القروض في الموازنة المسؤولة عنها الوزارة، وكذلك الدعم الذي توزعه على الجهات المختلفة والاحتياطات المالية للجهات الواردة في الموازنة، لكانت وزارة المالية في المركز الأول، أي أنها تحصل على أضعاف ما تحصل عليه كل من وزارة الصحة والتعليم، حيث يمكن أن يصل نصيبها إلى حوالي 65 في المائة من مجمل مصروفات الموازنة.
وهكذا تم تخصيص 40.8 مليار جنيه لوزارة النقل وما يتبعها من هيئات، و40.3 مليار جنيه للري وما يتبعها، و26.8 مليار جنيه للأوقاف، و26 مليار جنيه للخارجية، و23.7 مليار جنيه لوزارة الزراعة والجهات التابعة لها، و23.3 مليار جنيه للاتصالات، و21.6 مليار جنيه للكهرباء، و15.4 مليار جنيه للتخطيط، و15.4 مليار جنيه للاستثمار والتجارة الخارجية، و15 مليار جنيه لوزارة السياحة والآثار. والغريب أن مخصصات عدد من الوزارات كانت أقل مما كانت عليه في ختامي موازنة 2024/2025 أي قبل عامين ماليين، مثل النقل والخارجية والكهرباء والتنمية المحلية والشباب والتعليم العالي والصناعة.
2.1 مليار جنيه للجهات الإعلامية
وبلغت مصروفات وزارة الطيران المدني 8.5 مليار جنيه، والشباب والرياضة 8 مليارات جنيه، والثقافة 7.9 مليار جنيه، والتموين بدون الدعم 2.6 مليار جنيه، والعمل 1.2 مليار جنيه، والإنتاج الحربي 232 مليون جنيه، والشؤون النيابية 60 مليون جنيه، والدولة للإعلام سبعة ملايين جنيه.
ولا يعني ذلك ضعف مخصصات الإعلام، حيث تتعدد الجهات الإعلامية الأخرى في الموازنة، وأبرزها الهيئة الوطنية للصحافة المسؤولة عن دعم المؤسسات الصحفية الحكومية بقيمة 1.292 مليار جنيه، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذي جاء به الدستور بديلا عن وزارة الإعلام 451.5 مليون جنيه، وهيئة الاستعلامات 374 مليون جنيه، بإجمالي 2.125 مليار جنيه، وذلك بخلاف الهيئة الوطنية للإعلام والتي تعد هيئة اقتصادية ولذلك لا ترد بياناتها في الموازنة المقتصرة على الهيئات الخدمية سوى ضخ حوالي مليار جنيه فيها لمساندتها في الباب السابع من الإنفاق في الموازنة، وهي الهيئة التي بلغت خسائرها 14.7 مليار جنيه في ختامي عام 2024/2025.
ونتوقع في ضوء خبرة السنوات الماضية أن تلك الجهات الإعلامية ستحصل على مبالغ أعلى مما حددته الموازنة لها، على غرار ما حدث خلال عامي 2023/2024 و2024/2025 حين كشف الحساب الختامي عن زيادة ما حصلت عليه بالمقارنة بما تقرر لها في بداية العام المالي، فالهيئة الوطنية للإعلام تم تحديد 977 مليون جنيه لها في بداية عام 2024/2025 بينما زادت القيمة إلى 1.655 مليار جنيه خلاله، والمجلس الأعلى للإعلام تم تحديد 315 مليون جنيه له في بداية نفس العام المالي لكنه حصل على 1.556 مليار جنيه.
وهكذا تشير تفاصيل توزيع مصروفات الموازنة على الهيئات الخدمية إلى تناقضات صارخة، حيث حصل المجلس القومي للمرأة الذي لا تشعر النساء بأي دور له خاصة في الريف على 632.5 مليون جنيه، بينما حصل المجلس القومي لذوي الإعاقة الذي يرعى 12 مليونا من ذوي الاحتياجات الخاصة على 51 مليون جنيه، كما حصلت أكاديمية الفنون على 659 مليون جنيه مقابل 235 مليون جنيه لصندوق تطوير التعليم.
وحصل صندوق تمويل مباني وزارة الخارجية في الخارج على 5.837 مليار جنيه، مقابل 268 مليون جنيه لجهاز حماية المستهلك، و944 مليون جنيه لهيئة محو الأمية، و1.485 مليار جنيه لهيئة الدواء المصرية، و1.178 مليار جنيه لمستشفي معهد ناصر الذي يفد إليه المرضى من أنحاء المحافظات.

