تستنزف شبكات المحسوبية داخل الجهاز الإداري للدولة موارد الخزانة العامة عبر التمديد غير القانوني للمستشارين المتجاوزين لسن التقاعد في دواوين المحافظات، مما يحول المرافق الحكومية إلى إقطاعيات خاصة تستبعد الكفاءات الشابة وتكرس الفساد المالي والإداري.

 

وتفضح التحركات البرلمانية الأخيرة حجم التناقض الفج في سياسات حكومة مصطفى مدبولي، التي تفرض إجراءات تقشف قاسية على المواطنين بينما تغدق مئات الملايين من الجنيهات سنوياً كرواتب ومكافآت استثنائية لقيادات متقاعدة تدين بالولاء للسلطة التنفيذية.

 

 

تمديد غير قانوني ومجاملات فجة بالمحليات

 

وعلاوة على ذلك، تلاحق الاتهامات البرلمانية كلاً من رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، بسبب التمسك ببقاء جيش من المستشارين الذين تخطوا سن الستين داخل ديوان عام الوزارة والمقار الرئيسية للمحافظات.

 

ومن ناحية أخرى، يطالب طلب الإحاطة الذي قدمه النائب علي بدوي بإنهاء عمل كافة القيادات المتجاوزة للسن القانونية للتقاعد فوراً، بعد تحول الاستثناءات الوظيفية إلى قاعدة راسخة تخدم شبكات المصالح الضيقة على حساب المال العام.

 

وفضلاً عن ذلك، تتجاهل وزارة التنمية المحلية كافة الضوابط المهنية عبر التجديد السنوي المستمر لهؤلاء المستشارين دون وجود مبررات فنية حقيقية، في مسلك يعطل أي محاولة لإصلاح الجهاز الإداري المترهل ويهدر أموال دافعي الضرائب.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، تتكتم الجهات التنفيذية على الحصر الشامل لأسماء ومخصصات هؤلاء المستشارين، خاصة تلك المبالغ الضخمة التي يتقاضونها بعيداً عن الرقابة البرلمانية من حسابات الصناديق الخاصة المنتشرة في كافة دواوين المحافظات والمديريات.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي والأستاذ بالجامعة الأمريكية، أن التوسع في تعيين المستشارين فوق سن التقاعد يمثل خللاً هيكلياً يضرب كفاءة الإنفاق العام ويفرغ خطط الهيكلة الإدارية من مضمونها الحقيقي تماماً.

 

كما يضيف الخبير الاقتصادي أن تمويل هذه العقود الاستثنائية من الصناديق الخاصة والموازنة العامة يخلق موازنة موازية تفتقر لأدنى معايير الشفافية، وتستنزف سيولة مالية كان يجب توجيهها لتحسين الخدمات الأساسية المتدهورة في القرى والمدن.

 

 

إهدار الملايين في زمن التقشف الزائف

 

وعلى صعيد متصل، تظهر الأرقام الرسمية لموازنة العام المالي 2026/2027 زيف شعارات ترشيد الإنفاق الحكومي، بعد رفع مصروفات الأجور المؤقتة للمستشارين الوطنيين والأجانب ومساعدي الوزراء بزيادة جديدة تبلغ 44.5 مليون جنيه خلال العام الجاري وحده.

 

وبناءً على بيانات الموازنة، قفز إجمالي مخصصات المستشارين ومعاوني ومساعدي الوزراء بنسبة تتجاوز 173.7% خلال أربع سنوات فقط، ليرتفع من 159.8 مليون جنيه في عام 2022/2023 إلى نحو 437.5 مليون جنيه في الموازنة الحالية.

 

وفي السياق ذاته، سجلت مخصصات المستشارين وحدهم تصاعداً مستمراً دون توقف، حيث بدأت من 139 مليون جنيه في موازنة 2022/2023، ثم صعدت إلى 175 مليون جنيه في العام التالي، قبل أن تبلغ 223 مليون جنيه في 2024/2025.

 

واستكمالاً لهذا النزيف المالي، واصلت مخصصات هؤلاء المستشارين ارتفاعها لتصل إلى 238 مليون جنيه في موازنة 2025/2026، حتى بلغت ذروتها عند 281.5 مليون جنيه في موازنة 2026/2027، رغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالبلاد.

 

ومن جهة أخرى، تضاعفت مخصصات مساعدي ومعاوني الوزراء بشكل متسارع، إذ تحركت من 56.8 مليون جنيه في عام 2022/2023 إلى 83.3 مليون جنيه في 2023/2024، ثم وصلت إلى 96.6 مليون جنيه في العام المالي 2024/2025.

 

وبالتوازي مع ذلك، قفزت أموال معاوني ومساعدي الوزراء إلى 113.9 مليون جنيه في موازنة 2025/2026، قبل أن تسجل رقماً قياسياً يبلغ 156 مليون جنيه في موازنة 2026/2027، لتستحوذ النخبة البيروقراطية على نصيب الأسد من المخصصات.

 

وإزاء هذه الأرقام، يوضح الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير في الشؤون الاقتصادية والإدارية، أن منظومة الحكم في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تعتمد على شراء الولاءات البيروقراطية عبر إغداق المكافآت الاستثنائية لكبار الموظفبن المتقاعدين.

 

ويشير الباحث الاقتصادي إلى أن هذه الزيادات المتتالية في بند الأجور المؤقتة تثبت أن سياسات التقشف تطبق فقط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، بينما تتمتع الدوائر المقربة من السلطة التنفيذية بحصانة مالية كاملة ضد الأزمات.

 

 

تجميد الكفاءات الشابة وموات المجالس المحلية

 

ومن زاوية أخرى، يتسبب الاحتفاظ بالحرس القديم داخل المحليات في خلق أزمة إدارية صامتة تدمر مستقبل الأجيال الشابة، بعد إغلاق كافة المنافذ القانونية للترقي الوظيفي أمام الكفاءات المستحقة لتولي المناصب القيادية في المحافظات.

 

ونتيجة لهذه السياسات الإقصائية، تضطر قيادات الصف الثاني والثالث في المحليات إلى الخروج للمعاش المبكر أو التقاعد دون نيل حقهم الطبيعي في شغل المواقع القيادية الأولى، التي تظل محجوزة حصرياً للتمديد السنوي للمستشارين.

 

وعلاوة على هذا الشلل الوظيفي، يتزامن تغول المستشارين في المحافظات مع استمرار تجميد قانون الإدارة المحلية في أدراج البرلمان، مما يكرس هيمنة السلطة التنفيذية المطلقة ويمنع أي رقابة شعبية على قرارات المحافظين ومستشاريهم.

 

وفي المقابل، تذرعت السلطات بأربعة اعتراضات إجرائية لتأجيل انتخابات المجالس الشعبية المحلية لأجل غير مسمى، الأمر الذي ترك دواوين المحافظات فريسة سهلة للمجاملات الوظيفية وتوزيع المناصب والمكافآت بعيداً عن أعين المجالس المنتخبة.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، خبير النظم السياسية والبرلمانية بمركز الأهرام للدراسات، أن غياب المجالس الشعبية المحلية المنتخبة منذ سنوات طويلة وفر بيئة مثالية لتفشي المحسوبية وتمديد خدمة المستشارين دون مساءلة.

 

كما يشدد خبير النظم السياسية على أن تعطيل الانتخابات المحلية يهدف بالأساس إلى إحكام القبضة المركزية على المحافظات، ومنع صعود كوادر شبابية ورقابية قادرة على كشف إهدار المال العام داخل الصناديق الخاصة والوحدات المحلية.

 

وبناءً على ما تقدم، تتصاعد المطالب داخل الشارع المصري لإجبار رئيس الوزراء على إصدار قرارات فورية تمنع التمديد بعد سن الستين في كافة الجهات التنفيذية، وإغلاق باب الاستثناءات نهائياً لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.

 

وفي نهاية المطاف، تظل قدرة اللجان النوعية بمجلس النواب على استرداد أموال الموازنة المهدرة وإنهاء دولة المستشارين مرهونة بتوافر إرادة سياسية حقيقية، تكسر حلقة المصالح المتبادلة التي تحمي الفساد الإداري في المحليات منذ عقود.