كشف الكاتب جيمس كلير، المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتحسين المستمر، عن طريقة مختلفة للتفكير في الإنتاجية، تقوم على التمييز بين ما يوفّر الوقت مستقبلًا وما يستنزفه، مؤكدًا أن تحسين الإنتاجية لا يعتمد فقط على إنجاز المهام بسرعة، بل أيضًا على بناء أنظمة تقلل الجهد المتكرر وتمنحنا مزيدًا من الوقت على المدى الطويل.

 

وفي مقال نشره على موقعه الإلكتروني، استعرض كلير مفهومَي «أصول الوقت» و«ديون الوقت»، موضحًا كيف تؤثر القرارات اليومية في إدارة الوقت مستقبلًا، ولماذا يمكن لبعض الاختيارات أن توفر ساعات من العمل لاحقًا، بينما تفرض اختيارات أخرى التزامات إضافية تستنزف الوقت والطاقة.

 

 

 ستيف جوبز وأصول الوقت وديونه

 

اشتهر ستيف جوبز، في أواخر مسيرته المهنية، بقيادة سيارته من دون لوحات معدنية تحمل أرقام التسجيل. وتعددت النظريات التي حاولت تفسير هذا التصرف؛ إذ رأى البعض أنه أراد تجنب تعقبه، بينما اعتقد آخرون أنه كان يستمتع بالتحايل لتفادي مخالفات الانتظار.

 

لكن جون كالاس، خبير أمن الحاسوب السابق الذي عمل لدى شركة أبل، كشف عن سبب مختلف. فبحسب روايته، اكتشف جوبز ثغرة في قوانين تسجيل المركبات بولاية كاليفورنيا، تتيح لمالك السيارة الجديدة قيادة مركبته لمدة تصل إلى ستة أشهر قبل الحصول على لوحة تسجيل رسمية. وخلال هذه الفترة، كان بإمكانه قيادة السيارة من دون لوحة.

 

وبعد اكتشاف هذه الثغرة، اتفق جوبز مع وكيل سيارات مرسيدس على نظام تأجير خاص، يسمح له بإعادة سيارته كل ستة أشهر واستبدالها بسيارة جديدة من طراز مرسيدس SL55 AMG. وبذلك، لم يكن يقود سيارة يزيد عمرها على ستة أشهر، كما لم يكن مضطرًا إلى زيارة إدارة المركبات للحصول على لوحة تسجيل.

 

وعندما سمع كثيرون بهذه القصة، علّق بعضهم بأن امتلاك قدر كبير من المال يتيح لصاحبه القيام بمثل هذه الأمور. وبالفعل، لا يناسب هذا الأسلوب معظم الناس، لكن النظر إلى تفاصيله يكشف عن فكرة أخرى؛ فقد كان جوبز يبني ما يسميه كلير «أصول الوقت»، وهي الأفعال والقرارات التي يتخذها الإنسان اليوم لتوفير الوقت مستقبلًا.

 

وتُعد البرمجيات مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ يمكن كتابة برنامج مرة واحدة، ليواصل تنفيذ العمليات المطلوبة بصورة متكررة كل يوم. وهكذا، يستثمر الشخص وقته في البداية، ثم يحصد عائد هذا الاستثمار يومًا بعد يوم.

 

وينطبق الأمر نفسه على نظام تأجير السيارات الذي ابتكره جوبز؛ فقد استغرق اكتشاف الثغرة وترتيب اتفاق التأجير المتكرر بعض الوقت، لكنه أتاح له توفير الوقت وتجنب الإجراءات المزعجة كل ستة أشهر.

 

أما ديون الوقت، فهي الأفعال والقرارات التي يتخذها الإنسان اليوم، فتفرض عليه استثمار مزيد من الوقت مستقبلًا.

 

ويُعد البريد الإلكتروني مثالًا شائعًا على هذه الديون؛ فعندما يرسل الشخص رسالة، فإنه يلتزم ضمنيًا بقراءة الرد أو إرسال رسالة أخرى لاحقًا. وهكذا، تخلق كل رسالة التزامًا صغيرًا يحتاج إلى وقت لسداده في المستقبل.

 

ولا يعني ذلك أن جميع ديون الوقت سيئة؛ فقد يستمتع شخص بالمشاركة في لجنة مدرسته أو التطوع لدى مؤسسة محلية. لكن هذه الالتزامات تستهلك وقتًا في مرحلة ما، وقد تستحق بعض الديون التضحية من أجلها، في حين لا تستحق ديون أخرى ذلك.

 

 

 أمثلة عملية على أصول الوقت وديونه

 

أعدّ كلير قائمة مختصرة بأصول الوقت وديونه في عمله، موضحًا كيف يمكن إنشاء أنظمة تقلل المهام المتكررة، وكيف تؤدي بعض الالتزامات اليومية إلى استنزاف الوقت.

 

في مجال التحدث وإلقاء المحاضرات، يمكن إنشاء صفحة على الموقع الإلكتروني تجيب عن الأسئلة الشائعة وتساعد في تحديد الأشخاص المناسبين للخدمة. وقد تتضمن الصفحة قسمًا تفصيليًا للأسئلة المتكررة أو نموذج تسجيل أكثر فاعلية. ويهدف هذا النظام إلى توضيح التوقعات والإجابة عن الأسئلة التي يضطر صاحب العمل عادةً إلى الرد عليها عبر البريد الإلكتروني.

 

وفي مجال المحاسبة، يمكن الاتفاق مع مسؤول الحسابات والمحاسب على قواعد واضحة، ثم إنشاء نظام يصنّف تلقائيًا بعض المصروفات والمعاملات كل شهر. ويقلل ذلك الحاجة إلى مراجعة المعاملات المتكررة والموافقة عليها يدويًا.

 

أما تنظيم المواعيد، فيستهلك عادةً قدرًا كبيرًا من الوقت بسبب تبادل رسائل البريد الإلكتروني لتحديد مواعيد الاجتماعات والمكالمات والمقابلات. ويمكن الاستعانة ببرامج حجز المواعيد، مثل ScheduleOnce، لتجاوز هذه المشكلة، إذ تتيح للآخرين اختيار مواعيد من قائمة محددة مسبقًا بالأوقات المتاحة.

 

وفي المقابل، يوضح كلير أن بعض الأنشطة اليومية تتحول إلى ديون وقت يصعب تجاهلها.

 

فكلما زاد عدد رسائل البريد الإلكتروني التي يرد عليها الشخص، زادت الرسائل التي يحتاج إلى التعامل معها. كما أن التعليقات على المقالات، رغم أهمية التواصل مع القراء، تفرض التزامًا إضافيًا بمراجعتها والموافقة على نشرها والإشراف عليها. ويشير كلير إلى أنه يحب تعليقات القراء ولا يعتزم إزالتها، لكنه يدرك أنها تخلق التزامًا مستمرًا بالوقت.

 

وتشكل المقابلات مثالًا آخر على هذه الديون؛ فقد كان كلير يوافق في البداية على جميع طلبات المقابلات التي تصله، لكنه أصبح يجري عادةً ما بين ثلاث وخمس مقابلات أسبوعيًا. وبمرور الوقت، تحولت الموافقة على كل طلب إلى التزام يستهلك جزءًا كبيرًا من جدوله.

 

وتُعد جودة العمل عاملًا حاسمًا في إدارة الوقت أيضًا. فإذا لم يراجع الكاتب مقاله منذ البداية، فسوف يحتاج إلى إصلاح الأخطاء اللغوية لاحقًا. وإذا كتب المبرمج شيفرة غير منضبطة، فسوف يضطر إلى تصحيحها مستقبلًا. وإذا طرح صاحب العمل منتجًا رديئًا، فقد يضطر إلى معالجة شكاوى العملاء وإجراء عمليات استرداد الأموال.

 

وهكذا، يتحول كل عمل منخفض الجودة إلى دين وقت يحتاج صاحبه إلى سداده لاحقًا. وفي هذا السياق، يستشهد كلير بمقولة المدرب الأمريكي جون وودن: «إذا لم يكن لديك وقت لإنجاز العمل على نحو صحيح، فمتى سيكون لديك وقت لإعادته؟».

 

 

 بناء نظام لإدارة الوقت وزيادة الإنتاجية

 

تكتسب الأنظمة أهمية تفوق الأهداف وحدها، بحسب كلير؛ فأصول الوقت مثال واضح على ذلك، لأن كل أصل ينشئه الإنسان يتحول إلى نظام يعمل لصالحه يومًا بعد يوم، بدلًا من اضطراره إلى تكرار الجهد نفسه في كل مرة.

 

إذا امتلأ جدول الشخص بديون الوقت، فلن تكفيه كثرة العمل أو بذل المزيد من الجهد للخروج من دائرة ضعف الإنتاجية؛ إذ ستواصل قراراته استنزاف وقته. أما إذا حرص على بناء أصول الوقت بصورة استراتيجية يومًا بعد يوم، فسيتمكن من مضاعفة العائد الذي يحصل عليه من وقته على المدى الطويل.

 

وقد يبدو تجنب لوحات تسجيل السيارات وسيلة مبالغًا فيها لتوفير الوقت، لكنه يعكس مستوى من التفكير الاستراتيجي لا يلجأ إليه كثيرون. ولا تقتصر هذه الفكرة على ستيف جوبز، بل يمكن لأي شخص الاستفادة منها في حياته وعمله.

 

ويختتم كلير فكرته بالتأكيد على أن ديون الوقت لا بد من سدادها، ولذلك ينبغي التفكير جيدًا قبل الالتزام بها. أما أصول الوقت، فتواصل منح صاحبها عائدًا متكررًا؛ لذا ينصح بتخصيص مزيد من الوقت لبنائها.

 

https://jamesclear.com/time-assets