معتز الفجيري

أكاديمي وحقوقي مصري. أستاذ مساعد ورئيس برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا

 

أحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في تصريحه أخيرًا عن عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2030، وانتهاء ولايته في هذا الموعد، مع وضع تصور يتعلق بانتقال السلطة، نقلة سياسية مفاجئة ستفتح المجال أمام عدة تفاعلات سياسية جديدة في مصر.

 

كان الاعتقاد السائد منذ بداية العام الجاري أن الدستور سيجري تعديله لمد فترات الرئاسة، بحيث يتمكن السيسي من تجديد ولايته في 2030. ويكشف تراجع هذا السيناريو عن عدة احتمالات: أولها أن مسألة تعديل الدستور لاقت امتعاضا داخل الجهات النافذة في الدولة، وبشكل أخص المؤسسة العسكرية. يستند هذا التفسير إلى طبيعة النظام السياسي المصري الذي قام منذ يوليو 2013 على اعتماد شبه كامل على شرعية المؤسسة العسكرية. وطوال السنوات السابقة، لم ينجح الرئيس في بناء قاعدة سياسية مدنية تمكّنه من التحكّم في النظام السياسي من دون الاعتماد المستمر على الجيش، وهو ما يميز هذا النظام عن سابقيه في ظل حكم حسني مبارك أو أنور السادات، وكلاهما انتهى في ظل شرعية كبيرة منفصلة نوعًا ما عن الجيش، ومساندة لسياسة حزبية تشكل غطاء من الشرعية. ومن الطبيعي أن تعاظم دور الجيش في الاقتصاد والسياسة وقطاعات الدولة بشكل غير مسبوق في سنوات حكم السيسي أحدث توقعاتٍ وطموحاتٍ من الصعب إدارتها بإرادة منفردة من الرئيس، من دون بعض التوازنات، والتي من أهمها اشتراك الجيش بشكل مؤسّسي في التداول على السلطة.

 

وتكشف تصريحات السيسي عن هذا التوجه بشكل واضح، مع اقتراحه أن يكون للمؤسّسة العسكرية دور في إعداد مرشّحي الرئاسة، واستدعائه المادة 200 من الدستور، التي تعطي الجيش دورًا في حماية الدستور والديمقراطية ومقوّمات الدولة المدنية. ويستحضر هذا التوجه، مع اختلاف السياقات، تجارب لعبت فيها الجيوش أدوارًا سياسية تتجاوز مهامها الدفاعية، كما في تركيا وباكستان، وتجربة إندونيسيا في ظل نظام سوهارتو. ويستقيم مع هذا التفسير أيضًا استمرار الضغط الاقتصادي والاجتماعي في ظل وضع إقليمي مضطرب يقلّص من عائدات الاقتصاد المصري، والمطلوب تحصيله من مساعدات وقروض واستثمارات خارجية، خصوصًا من بلدان مجلس التعاون الخليجي.

 

وقد يساعد نفي الرئيس نيات تعديل الدستور واستمراره في السلطة، من جانب آخر، على تحسين شرعية النظام وسط هذه الفوضى الاقتصادية والإقليمية. وقد يعزّز أيضًا من هذا التفسير اتجاه الرئيس، بشكل غير متوقع، إلى طلب موافقة البرلمان المصري على إرسال قوات مسلحة مصرية في مهمة قتالية في الخارج للدفاع عن السعودية ضد هجمات الحوثيين في اليمن. وقد تردّدت السلطة في مصر سنواتٍ في مسألة الانضمام إلى أي أعمالٍ عسكريةٍ منذ بداية حملة قوات التحالف على اليمن. لا يُفهم هذا التحول اليوم فقط في ضوء المخاطر المتزايدة للأمن القومي المصري بسبب استمرار الحروب في المشرق والخليج، لكنه يعكس أيضًا حرصًا سياسيًا مصريًا على تأكيد العلاقات القريبة مع السعودية، والتمهيد لدعم ومساندة طويلة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مصر، ودعم شرعية نظام الحكم.

 

من المبكر الحكم على جدية نية الرئيس بشأن عدم الاستمرار في السلطة، فهناك سنوات باقية، قد تحدث فيها تطوراتٌ قد تُستغل في اتجاه آخر. وحتى بافتراض جدّية هذه التصريحات، فإنها، ومن خلال ما تطرحه من برنامج لإعداد مرشحي الرئاسة، تؤشّر إلى حرص المؤسسة العسكرية أن تكون هي المحدّد لمن يحكم مصر مستقبلا، عسكريا كان أو مدنيا. ولكن ينبغي عدم التعامل مع هذه النقلة في الخطاب السياسي من القوى السياسية والمدنية داخل مصر وخارجها من دون التفاعل معها ومحاولة التأثير فيها، فهذه التصريحات، ورغم غرابة ما طرحه الرئيس بشأن برامج تأهيل مرشّحي الرئاسة، والشروط الواجب توافرها فيهم، تعيد النقاش حول تداول السلطة بشكل واسع في المجال العام.

 

وينبغي اتخاذها فرصة لكي تكون السنوات المقبلة محطّة لإعادة فتح المجال العام، وإطلاق الحريات السياسية، وإعادة المعارضين من المنافي، والتفاوض مع السلطة والمؤسّسة العسكرية في طريق لانتقال السلطة يضمن الانفتاح والتنافس، وإن كان هذا في ظل المحدّدات التي تحمي بعض مخاوف المؤسسة العسكرية بشكل واقعي. من الصعب النجاح في إحداث تحوّل ديمقراطي شامل في مرحلة واحدة، خصوصًا بعد سنوات من التجريف السياسي وضعف قدرات المعارضة على الحشد والضغط، لكن خوض عملية تفاوضية طويلة تحقق مكاسب نوعية، في مقدمتها إعادة فتح المجال العام وإطلاق الحرّيات العامة، ووضع ضمانات دستورية وقانونية لتنافسية الانتخابات الرئاسية والتشريعية، تظل في مقدّمة الأولويات التي ينبغي الدفع بها من خلال عمل منظم توافقي واسع داخل البلاد وخارجها.