فَرَضَ قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إتاوة مباشرة على رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى خلال فعاليات منتدى مصر 2026 في شهر أكتوبر الجاري، مطالبا إياه بتوفير 200 ألف وحدة سكنية للمواطنين بنظام الإيجار.
وانتزعَ الجنرال هذا التعهد عبر مساومة علنية أحرجت شريكه الاقتصادي الأبرز، معتبرا أن تلك الوحدات لا تدخل ضمن مساهمات مجموعته السابقة في المشروعات الحكومية، بل تمثل ضريبة جديدة مقابل حصوله على عقود استثمارية ضخمة.
ابتزاز المليارات وتحميل الفشل الاقتصادي
وفي تفاصيل المشهد، فاجأ قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الحاضرين بمطالبة مجموعته باقتطاع نسبة مئوية مباشرة، معلنا بصراحة أنه لو حصل على نسبة واحد بالمئة فقط من المشروعات المعلنة لجمع 100 مليار جنيه فورا.
وبالتوازي مع ذلك، عكست تلك المماكسة العلنية عمق الأزمة التمويلية التي تحاصر سلطات القاهرة، بعدما استنزفت خزانة الدولة في مشروعات غير منتجة وديون خارجية متراكمة عجزت الموازنة العامة عن الوفاء بأعبائها وفوائدها المتصاعدة.
ومن هذا المنطلق، يرى الدكتور ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين المصريين الأسبق، أن لجوء رأس السلطة إلى جباية الأموال شفهيا من رجال الأعمال يعبر عن إفلاس هيكلي وعجز كامل عن إدارة المالية العامة وفق معايير رشيدة.
وعلاوة على ذلك، يوضح ممدوح الولي أن تحميل حلفاء النظام فاتورة العجز يهدف إلى امتصاص غضب الشارع وتصدير وهم المشروعات الاجتماعية، بينما تتحمل الطبقات الفقيرة والمتوسطة التكلفة الحقيقية عبر الغلاء وفقدان القوة الشرائية للجنيه.
وبناء على ذلك، لم يتردد هشام طلعت مصطفى في إعلان خضوعه الفوري، مستسلما لمطالب الجنرال بقوله المباشر إنه ينفذ الأوامر دون مناقشة، مما يجسد ارتهان قطاع المال بمشيئة الحاكم الفرد وغياب أي حماية قانونية للمستثمرين.
ومن زاوية موازية، حاول رجل الأعمال التذكير بتمويله السابق لمبادرة حياة كريمة وصندوق تحيا مصر، لكن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي سارع إلى إغلاق هذا الباب بحسم، مصرا على تسوية إتاوة جديدة غير مسبوقة.
وفي غضون ذلك، أثارت تلك اللقطات استياء واسعا بين المتابعين الذين اعتبروا استجداء تمويل الإسكان عبر المزاح الرئاسي إقرارا رسميا بانهيار برنامج الإسكان الاجتماعي الذي أنفق عليه النظام مئات المليارات دون أي جدوى حقيقية للمواطنين.
واستنادا إلى ذلك، تحولت منصات المؤتمر الاقتصادي إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع الأعباء، حيث يهرب صانع القرار من مسؤوليته المباشرة عن التضخم والفقر عبر إلقاء الكرة في ملعب شركات التطوير العقاري الكبرى وشركائها.
فضلا عن ذلك، تُظهر وقائع الجلسة أن النظام يمارس ضغوطا مباشرة لابتزاز المقربين منه حين تشتد الأزمات، متناسيا أنه هو من منحهم أراضي الدولة بأسعار بخسة وتسهيلات استثنائية لم تمنح لأي مستثمر محلي آخر في مصر.
احتكار سوق العقارات وتجريف ثروات المصريين
وفي المقابل، جاءت تلك المطالبة عقب توقيع صفقات استثمارية كبرى تبلغ قيمتها الإجمالية 11 تريليون جنيه مصري، ما يوازي قرابة 200 مليار دولار، لتطوير وتشغيل أربعة مشروعات ضخمة بالتعاون المباشر مع أجهزة الحكومة.
ومن جهة أخرى، تعكس هذه الأرقام الفلكية توسع إمبراطورية طلعت مصطفى داخل الاقتصاد المحلي، حيث تحظى شركاته باحتكار شبه كامل للأراضي المتميزة في المدن الجديدة والساحل الشمالي، على حساب حق عموم الشعب في ثرواته العامة.
وارتباطا بذلك، يؤكد الدكتور أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد السياسي ومدير مركز العلاقات المصرية الأمريكية، أن هذه المشروعات العقارية لا تخدم الاقتصاد التنموي، بل تمثل استنزافا منظما لمدخرات المصريين وتوجيها خاطئا للسيولة المالية.
واستكمالا لهذا التحليل، يوضح أحمد ذكر الله أن ضخ 11 تريليون جنيه في مشروعات ترفيهية يعمق تشوهات الهيكل الإنتاجي، ويفاقم موجات التضخم المتتالية التي تسحق غالبية الأسر المصرية، لصالح قلة محدودة تستفيد من تدوير الأموال.
وتبعا لذلك، تبدو فكرة طرح 200 ألف وحدة للإيجار مجرد مسكن دعائي لتبرير تلك الاحتكارات الواسعة، خاصة أن المواطن العادي يرزح تحت وطأة فواتير الخدمات والغلاء الفاحش، ولا يمتلك القدرة المالية لدفع إيجارات باهظة.
وعلى نحو متصل، اعتمد نموذج هشام طلعت العقاري على تسويق الوهم وبيع الوحدات بأسعار مضاربية تفوق قدرات المستهلكين الحقيقية، مستندا إلى حماية الأجهزة الأمنية وإعفاءات استثنائية لا تخضع لأي رقابة برلمانية أو محاسبية نزيهة.
وبحسب الوقائع، فإن الشراكة بين المؤسسة العسكرية وكبار المطورين العقاريين أنتجت نظاما استثماريا مغلقا يبتلع موارد البلاد، في حين يعاني ملايين المصريين من الحرمان الشديد وأزمات السكن وتراجع الدخل الحقيقي لأدنى مستوياته التاريخية.
وبصورة موازية، يستمر تجريف الأراضي الزراعية والمناطق التراثية لصالح توسعات تلك الإمبراطورية العقارية، مما يؤدي إلى تدمير النسيج الحضري وتهجير السكان الأصليين تحت لافتات التطوير العقاري والاستثمار السياحي الذي لا يستفيد منه الفقراء.
وردا على ذلك، يتصاعد السخط الشعبي إزاء تفاخر الحكومة بمليارات وهمية لا تنعكس على حياة المواطنين اليومية، بل تكرس الفجوة الطبقية وتمنح حيتان العقارات نفوذا مطلقا للتلاعب بأسعار الأصول الوطنية ومصادرة مستقبل الأجيال القادمة.
واجهات البيزنس وتدوير أموال النظام
وإزاء هذا الوضع، تبرز تساؤلات ملحة حول طبيعة العلاقة العضوية التي تربط رجل الأعمال المدان سابقا في قضايا جنائية بدوائر صنع القرار، وكيف تحول إلى واجهة مالية تدير صفقات بمليارات الدولارات لحساب متنفذين.
ومن واقع الأرقام، لم يكن صعود تلك الإمبراطورية وليد منافسة تجارية حرة، بل نتاج تحالف استراتيجي يستغل النفوذ السياسي لتمرير تسويات مالية مشبوهة، والاستيلاء على أصول الدولة وممتلكاتها العامة عبر قرارات رئاسية وقوانين تفصيلية خاصة.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور مصطفى شاهين، أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأمريكية، أن مثل هذه التكتلات الاحتكارية تجسد رأسمالية المحاسيب بأبشع صورها، حيث تستخدم أسماء رجال الأعمال كواجهات لتبييض وتدوير أموال الصناديق السيادية الغامضة.
واستطرادا في التوصيف، يشير مصطفى شاهين إلى أن استدعاء لغة الجباية في منتدى رسمي يجسد الطابع غير المؤسسي للدولة، حيث تدار المشروعات الضخمة عبر مساومات شخصية مغلقة تفتقر لأدنى معايير الشفافية وتهدر مقدرات الشعب.
وتأسيسا على المعطيات، فإن صفقات المليارات التي يتباهى بها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لا تعدو كونها فقاعة ديون جديدة، تهدف لضخ أموال شكلية في شرايين نظام يعاني من شح حاد في العملات الصعبة.
ومع تصاعد الأزمة، يدفع المواطن المصري البسيط كلفة هذا الزواج غير الشرعي بين السلطة ورأس المال، حيث يتم تقليص الدعم السلعي وتصفية الخدمات العامة الأساسية لتمويل البنية التحتية الخاصة بمنتجعات وفنادق الأثرياء التابعة لتلك المجموعة.
وبموجب هذا التوجه، يتحول الفشل الإداري والاقتصادي إلى نمط حياة مفروض بالقوة، بينما يعاد تدوير أرباح الشركات المحظوظة في شراكات جديدة مع جهات سيادية تضمن استمرار الحصانة واستنزاف مقدرات الأمة بلا حسيب أو رقيب.
وخلافا للوعود المعلنة، لم توفر تلك المليارات المزعومة فرص عمل حقيقية أو استقرارا ماليا، بل فاقمت عجز الميزان التجاري ورسخت نمطا اقتصاديا طفيليا يعتاش على المضاربات العقارية وامتصاص دماء ملايين الكادحين في مصر.
وختاما للمشهد، تظل مسرحية المساومة في منتدى مصر شاهدا دامغا على إدارة البلاد بمنطق الإتاوات والصفقات الفردية، متجاهلة الكارثة المعيشية الخانقة، ومصرة على تحميل جموع المصريين فاتورة نظام عاجز عن معالجة أزماته البنيوية.

