تضرب ارتدادات قفزة الدولار فوق حاجز 55 جنيها الأسواق المصرية بعنف، بينما يطلق قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي وعودا برحيله عام 2030 لإلهاء المواطنين عن الغلاء، وتمرير صفقات عسكرية إقليمية خطيرة.
وبالتزامن مع هذا الانهيار، تشتعل الأسعار، لتفضح كيف يشاغل النظام المصريين بزهد مفاجئ في السلطة للتغطية على كوارث العملة المحلية التي سجلت اليوم الجمعة مستويات تاريخية غير مسبوقة في كافة البنوك.
انهيار الجنيه المصري و التسعير المصرفي
وفي هذا السياق، استقر سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه في الأسواق المصرية اليوم الجمعة، بالتزامن مع عطلة البنوك، عند مستوى قياسي أعلى حاجز 55 جنيها، مما يهدد بانهيار القدرة الشرائية.
حيث تراوح سعر الدولار في التعاملات المصرفية بين 54.60 جنيه و55.27 جنيه للشراء، وبين 54.70 جنيه و55.37 جنيه للبيع، وسط ترقب واسع لأداء العملات الأجنبية باعتبارها محركا أساسيا لأسعار السلع المستوردة.
وعلى صعيد المصارف، جاء أعلى سعر للدولار الأميركي في مصرف أبوظبي الإسلامي والشركة المصرفية والأهلي الكويتي، مسجلا مستويات قياسية بلغت 55.27 جنيه للشراء و55.37 جنيه للبيع، وهو ما يعمق أزمة الاستيراد.
بينما سجل أقل سعر للدولار في بنك نكست عند مستويات 54.60 جنيه للشراء و54.70 جنيه للبيع، في حين بلغ سعره في بنكي أبوظبي الأول وفيصل 55.20 جنيه للشراء و55.30 جنيه للبيع.
ومن ناحية أخرى، استقر سعر صرف الدولار بأكبر البنوك الحكومية في مصر، وهما الأهلي المصري وبنك مصر، مسجلا 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع، مما يعكس تراجعا رسميا لقيمة العملة المحلية.
كما جاء سعر صرف العملة الأميركية في البنك المركزي المصري عند مستوى 55.24 جنيه للشراء و55.38 جنيه للبيع، ليؤكد رسميا تجاوز العملة الأجنبية لحواجز سعرية غير مسبوقة تضغط على ميزانية الدولة.
وإلى جانب ذلك، سجلت العملة الأميركية في بنك اتش اس بي سي مستويات 55.26 جنيه للشراء و55.36 جنيه للبيع، بينما سجل الدولار 55.23 جنيه للشراء و55.33 جنيه للبيع في بنك التعمير والإسكان.
فضلا عن ذلك، بلغ سعر صرف الدولار في البنك التجاري الدولي، أكبر بنك خاص في البلاد، مستويات 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع، لتكتمل حلقة الهبوط الحاد للجنيه في القطاع المصرفي.
وحول هذه الارتدادات، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق لشؤون البحوث الاقتصادية، أن تجاوز الدولار حاجز 55 جنيها سيشعل موجة تضخمية طاحنة تضرب كافة السلع الأساسية.
ويضيف الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب أن الاعتماد الكلي على الاستيراد مع غياب الإنتاج المحلي يجعل كل قفزة في سعر الصرف بمثابة ضريبة فورية يدفعها المواطن من قوت يومه ومدخراته المتآكلة باستمرار.
مسرحية الزهد في السلطة لإلهاء الشعب عن الغلاء
وفي مقابل هذه الكارثة المعيشية، يمسك قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الميكروفون عدة مرات أسبوعيا، وربما في اليوم الواحد، ليطلق أحاديث متكررة تمنح المراقبين مبررات واسعة للسخرية من طريقة إدارته للبلاد.
بل إن هذا الظهور المتكرر يفرض عبئا ثقيلا على رجاله وحاشيته في لملمة السقطات كلما ظهر، حيث يبدو الامتعاض والحيرة في وجوه المقربين منه، بينما تنشغل جوقة المصفقين بالتنقل بين الحفلات.
علاوة على ذلك، تتسبب هذه اللقاءات المتتالية في استنزاف أوقات رموز الحكومة والوزارات وكبار رجال الدولة والعسكريين خلف أحاديث مطولة، فينفقون أوقاتا كان المفترض أن توجه نحو الإنتاج والإنجاز الحقيقي.
وفي خضم هذا المشهد، أعلن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي هذا الأسبوع أنه لن يعدل الدستور، وأنه سيكتفي بما يزيد عن عقد ونصف من حكم مصر، في زهد مفاجئ بالرئاسة.
ورغم ظن البعض أن هذا الإعلان جاء من باب التدلل على مؤيديه، فإنه أعاد التأكيد على الرسالة بصورة أشد، زاعما تأسيس خطة رشاد لاختيار خلفائه وتعهده لهم بالرعاية والنصح.
وعلى الفور، تلقفت استديوهات التوك شو هذا المشهد بالتحليل، لترتفع درجات الحرارة في مواقع الأخبار والتواصل الاجتماعي، وتنشغل الجماهير بهذه الرسالة الغامضة بدلا من التركيز على انهيار الجنيه لمستويات 55.38 جنيه.
غير أن الوقائع التاريخية منذ عام 2013 تدحض هذه الوعود، إذ لم يحدث أن تنازل مستبد عن سطوته بالرضا، أو سلم عسكري السلطة بصناديق الاقتراع بعدما عطل الدستور في أول ظهور.
كما يستحيل لمن أقسم على الوفاء لرئيسه في عام 2013 ثم انقلب عليه، وأسال الدماء وأقصي كل من شاركوه في خطوته الأولى، أن يأمن لخليفته أو يترك السلطة طواعية عام 2030.
وفي هذا الصدد، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة أن إثارة ملف عدم تعديل الدستور في عام 2030 الآن ليست سوى مناورة سياسية لصرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية.
ويشير الدكتور حسن نافعة إلى أن الأنظمة السلطوية التي تغلق المجال العام دأبت على اختلاق معارك وهمية ووعود مستقبلية غامضة لتخدير الشارع، وتمرير سياسات مالية قاسية تفقر الملايين دون مقاومة مجتمعية.
توظيف الجيش المصري في صراعات إقليمية وقمع الغضب
وبالتوازي مع قنابل الدخان الدستورية، انتقل المشهد إلى ذروته الدرامية حينما تذكر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مساعدة الخليج، وبالذات السعودية، طالبا عزف التحية العسكرية عرفانا للأشقاء في المملكة العربية السعودية.
وعقب تلك الوصلة العاطفية، طلب من البرلمان التصديق على إرسال الجيش المصري بناء على توجيهات الملك السعودي وولي عهده، لترتفع حالة التأهب في الاستديوهات ويتوجس الناس من الجلسات البرلمانية السرية.
وهنا يتضح أن حديث الدستور وعام 2030 لم يكن إلا قنبلة دخان موقوتة لتمرير هذا المشهد العسكري الآني، حيث يسهل التراجع عن وعود الرحيل بعد استهلاكها وانقضاء غرضها السياسي تماما.
إذ تثير هذه التحركات تساؤلات جوهرية حول جدوى حشد جيش مصر لمواجهة جماعة الحوثي، وما يضيفه للسعودية ذات الإنفاق الأعلى عالميا في التسليح، وسبب تراجع الإمارات اليوم لتقف في خندق الرياض.
كما يرتبط هذا الاستعجال بصمت إسرائيل المريب، وبانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي القريبة وتشكيل الحكومة الإسرائيلية، ضمن سيناريو إسرائيلي برعاية أمريكية يحشد جيوش المنطقة، ومنها قوات رمزية تمثل سوريا، للتصعيد ضد إيران.
وحينها سترد إيران على إسرائيل وعلى القوات المحشودة في السعودية، لتندلع حرب إقليمية تدمج إسرائيل في تحالف شرق أوسطي، وتتحول دماء المصريين والسوريين إلى وقود لفرض التطبيع الشامل وخدمة الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية.
وبناء على هذا المخطط، يتضح سر التساؤل المتكرر حول مدى تحمل الشعب المصري لأحداث صعبة تعيشها مصر في شهري أكتوبر ونوفمبر 2026، نتيجة تزامن التورط العسكري مع قفزة الدولار فوق 55 جنيها.
ولذلك شنت وزارة الداخلية المصرية هجمة قمعية شرسة وحملة اعتقالات ومداهمات مستمرة منذ شهرين، بهدف ترهيب الشعب المصري ومنع أي بادرة غضب أو تذمر شعبي من الانهيار المعيشي والأحداث المقبلة.
وحول هذه التطورات، يؤكد الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية محمود جمال أن الزج بالجيش المصري في صراعات إقليمية بالوكالة يمثل مغامرة خطيرة تستنزف مقدرات البلاد الاستراتيجية في توقيت حرج.
ويشدد الباحث محمود جمال على أن استخدام المؤسسة العسكرية لتأمين حسابات إقليمية مقابل دعم مالي يهدد الأمن القومي المصري، ويتزامن مع قبضة أمنية داخلية لتكميم الأفواه الغاضبة من الغلاء وتدهور العملة.

