تتصدر استراتيجية الشعارات البراقة المشهد الرسمي في القاهرة خلال أكتوبر 2026، حيث يستنفر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مؤسساته لتنفيذ توجيهات ولي العهد السعودي، متجاهلاً استغاثات غزة التي تُقصف على حدوده.
​
​
وبينما تُباد العائلات الفلسطينية على مرمى حجر من سيناء، يعقد مجلس الدفاع الوطني اجتماعه ويفوض البرلمان إرسال قوات للمملكة، ليتجلى توظيف العناوين الكبرى كالوطنية والعروبة والإسلام لتمرير أجندات السلطة وإسكات المعترضين.
​
​
أقنعة اللغة لتمرير أجندات السلطة
​
​
وفي هذا السياق، يمثل الشعار البراق قالباً لغوياً محكم الصنع لا يملك أحد الوقوف ضده، لأن التحفظ عليه يُصوَّر كرفض للأصل القيمي الذي يتترس خلفه، مثل السلام أو الحرية أو حقوق الإنسان.
​
​
ومن هنا، يكمن الخطر الحقيقي في قدرة هذه العبارات الخبيثة على حجب الرؤية واجتثاث أي محاولة للمراجعة، فحين ترفع الأنظمة لافتة الاعتدال أو محاربة الإرهاب، يُوصد باب النقاش بإحكام وتُصادر لغة الاعتراض.
​
​
علاوة على ذلك، يتسع الفارق بين من يصمت عن قناعة ورضا، وبين من يخرس لإدراكه أن مواجهة الباطل المستتر خلف الفضيلة ستكلفه اتهامات جاهزة بالخيانة ومناهضة الثوابت الوطنية والدينية الراسخة في الوجدان.
​
​
تاريخياً، يضرب هذا النهج جذوره في الصراع الأول على عقول الأمة، حين رفع الخوارج في وجه الإمام علي بن أبي طالب شعار لا حكم إلا لله، ككلمة حق أريد بها باطل لإسقاط الخلافة.
​
​
وبالمثل، امتد هذا التترس للاستعمار الدولي، إذ تذرع الصليبيون بتحرير القبر المقدس، وادعت فرنسا مهمة التمدين وبريطانيا عبء الرجل الأبيض لنهب أفريقيا وآسيا، وتقاسمت الإمبراطوريات المنطقة تحت غطاء مبدأ تقرير المصير للرئيس ويلسون.
​
​
وعلى الصعيد الأكاديمي، رصد الباحثون هذه الآليات مبكراً، ففي عام 1922 نشر والتر ليبمان كتاب الرأي العام، موضحاً أن الجماهير لا تتعامل مع الواقع مباشرة، بل مع صور ذهنية تُرسم داخل رؤوسهم بعناية.
​
​
إثر ذلك، أصدر هارولد لاسويل في عام 1927 كتاب تقنية الدعاية في الحرب العالمية لتحليل توظيف الرموز، ثم أتبعه إدوارد بيرنايز في عام 1928 بكتاب الدعاية، داعياً لهندسة الموافقة وصناعة القرار العام خارجياً.
​
​
ولاحقاً، تأسس معهد تحليل الدعاية بالولايات المتحدة في عام 1937 لتعليم الناس كيف يفكرون، وأصدر في نشرته الشهرية الثانية قائمة بأدوات الكلمات السبع: التسمية، والتعميمات البراقة، والنقل، والشهادة، والرجل البسيط، وتراكم البطاقات، والعربة.
​
​
ثم وثق المعهد تلك الأساليب في عام 1939 بكتابه الفن الرفيع للدعاية، معرفاً التعميمات البراقة ككلمات فضفاضة وجذابة تربط البرامج السياسية بفضائل كالحقيقة والشرف والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، لتصبح معارضة البرنامج معارضة للفضيلة ذاتها.
​
​
وبناءً عليه، يفترق الشعار البراق عن المصطلح الذي يُنحت في صمت لتغيير الهوية الدلالية، إذ يتبختر الشعار علناً ليصنع مظلة لامعة فوق واقع مهترئ، مخاطباً العواطف لإلغاء التفكير النقدي وإنتاج توافق وهمي زائف.
​
​
وفي هذا الصدد، يؤكد أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن أن الأنظمة المستبدة تحتكر القيم العليا كالدين والوطنية لتجريم المخالفين، وتحويل النقاش العام إلى ساحة إقصاء تمنع مساءلة السلطة عن خطاياها.
​
​
ارتهان القرار المصري للتمويل الخليجي
​
​
وعلى صعيد التطبيق الفعلي، تجسدت انتقائية الشعارات في أكتوبر 2026، حين سخّر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ثلاثية الوطنية والعروبة والإسلام لانتزاع تفويض برلماني عاجل يتيح إرسال قوات عسكرية لحماية المملكة العربية السعودية.
​
​
بل إن المشهد تجاوز قبة البرلمان خلال حفل تخرج الأكاديمية العسكرية، حين أعلن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي استعداده لتنفيذ أي إجراء لحماية المملكة طبقاً لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان.
​
​
وبالتبعية، تضع هذه الكلمات السيادة المصرية في مهب الريح، إذ يظهر المتحدث كطرف يتلقى الإشارة وينتظر الأمر لا كحليف ند، ليتكرس مفهوم التبعية الصريحة التي لا يمكن تسويغها تحت غطاء اللياقة الدبلوماسية.
​
​
وفي المقابل، غاب هذا الاستنفار تماماً عن دماء أطفال غزة المستغيثين، فلم يُستدعَ البرلمان ولم تتحرك الجيوش، لتنحاز جاهزية النظام لمن يملك خزائن المال وتولي ظهرها لمن يملك الحق وعدالة القضية.
​
​
ومن ثم، تبرز مفارقة النظام الذي يبدي طاعة عمياء في الإقليم بينما يمارس قمعاً مفرطاً بالداخل، ليصيغ لغته الخارجية على مقاس أصحاب السيف والمال، ويطحن شعبه لتأمين احتكاره المطلق للسلطة.
​
​
وفضلاً عن ذلك، تهرع كل سلطة فاقدة للشرعية الشعبية نحو عواصم الخارج التماساً للبقاء، فتقدم رضا مموليها على حقوق مواطنيها، ليصبح الجندي المصري مهيئاً للتحرك وفق أوامر وافدة تخدم أجندات إقليمية.

 

وبالتوازي مع الخطوات الشكلية لمجلس الدفاع الوطني والبرلمان وسط صراع الأجنحة، دارت كواليس التفاوض المالي لربط تجديد وديعة خليجية بقيمة 5.3 مليار دولار بتمرير تلك القرارات، لتتحول السيادة إلى سلعة في مزاد المديونية.
​
​
وهكذا، ترتفع في العلن شعارات العروبة وحماية المقدسات، بينما تُدار في الغرف المغلقة مساومات الأرقام وشروط التجديد، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وشح في العملة يجعل الودائع شريان حياة لبقاء النظام.
​
​
ولفهم السياق، بدأت القصة في فبراير حين ضُربت منشآت النفط السعودية وغاب الضامن الأمريكي، تلتها محاولات في أغسطس لتشكيل تحالفات بديلة، قبل أن تعود الرياض في سبتمبر لطلب الجيش المصري وتكتمل الصفقة في أكتوبر.
​
​
ومن جهته، يوضح الباحث في العلاقات الدولية الدكتور سعيد الحاج أن مقايضة الدور العسكري المصري بالودائع المالية الخليجية تحول الجيش من مؤسسة لحماية الأمن القومي إلى أداة وظيفية مرهونة لشروط الممولين الإقليميين.
​
​
تجريف الوعي وخراب الديار الحتمي
​
​
وعلى صعيد متصل، تظل المفارقة المؤلمة حاضرة في ترك أهل غزة لمصيرهم دون نصير، بينما يتذرع المؤيدون بحسابات الأمن القومي، ليطرح الواقع تساؤلاً مريراً حول ماهية هذا الأمن بين حماية الكرسي أو نصرة المستضعفين.
​
​
غير أن الجمهور المحاصر بهذه الدعاية يمتلك اليوم أدوات الوعي الرقمي والذاكرة الإلكترونية، مما يمنحه قدرة فورية على تفكيك التناقض الفاضح بين الخطابات العلنية والصفقات السرية، وكشف زيف الادعاءات الرسمية في ثوانٍ معدودات.
​
​
إضافة إلى ذلك، تتجاوز خطورة هذه الممارسات تزييف الحقائق السياسية لتصل إلى جريمة تجريف المعنى، وإفراغ الكلمات الكبرى من محتواها الأخلاقي والإنساني، عبر استخدامها كأغطية لتبرير الخذلان والتفريط في الحقوق التاريخية.
​
​
ونتيجة لهذا العبث، تنهار ثقة المواطن في كلمات الحكام ووسائل الإعلام والخطابات الرسمية، ليتفشى خواء روحي وفكري يضرب جذور المجتمع، ويقطع الأواصر بين الدولة والجمهور، ممهدأً الطريق نحو خراب الديار الشامل.
​
​
وفي النهاية، يتجسد في هذا المسلك خلط الحق بالباطل وكتمان الحقيقة عن عمد، حين تُستنفر أقدس الشعارات لستر عورات الصمت المطبق على استباحة الأرض والعرض، وتغليب مصالح النخبة الحاكمة على مستقبل الأمة ومقدراتها.