تفضح تفاصيل الموازنة العامة المصرية للعام المالي 2026/2027 انحيازًا صارخًا في توزيع الإنفاق الحكومي لصالح المؤسسات السيادية، بينما تواجه ملايين الأسر ضغوطًا معيشية طاحنة وانهيارًا متواصلًا في المستشفيات والمدارس الحكومية.
​
​
وتستحوذ هيئات تشريعية ورقابية وإعلامية على مليارات الجنيهات دون عائد ملموس يمس حياة المواطنين، في حين تتقلص المخصصات المباشرة لوزارات التعليم والصحة والبحث العلمي وتهدر نسب الإنفاق المنصوص عليها في دستور 2014.
​
​
نزيف المليارات في مؤسسات السلطة وأجهزتها
​
​
وفي هذا الصدد، تبتلع الغرفتان البرلمانيتان نحو 3.784 مليار جنيه من أموال دافعي الضرائب، موزعة بين 2.680 مليار جنيه لمجلس النواب، إلى جانب 1.104 مليار جنيه لمجلس الشيوخ ذي الطابع الاستشاري.
​
​
ورغم هذا الإنفاق الباذخ، تغيب المحاسبة الفعلية للحكومة إزاء القرارات الاقتصادية القاسية التي رفعت أسعار الوقود والخدمات والضرائب، مما يحول البرلمان إلى عبء مالي يتجاوز ميزانيات مؤسسات بحثية وخدمية حيوية.
​
​
وبالمثل، تبرز مفارقة فجة في تخصيص 6.678 مليار جنيه لقطاع الحماية المجتمعية، وهو المسمى الحالي لمصلحة السجون، مقابل 1.014 مليار جنيه فقط لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، أي بنحو 6.6 أضعاف.
​
​
علاوة على ذلك، يحصل المركز القومي للبحوث على 1.786 مليار جنيه فقط، مما يعكس تهميش البحث العلمي والتطوير الصناعي والزراعي والتكنولوجي لصالح التوسع في الإنفاق على المنشآت العقابية وتكاليف تشغيلها.
​
​
ومن ناحية أخرى، تحصد الأجهزة الرقابية مخصصات ضخمة تقارب 7.9 مليار جنيه، بواقع 5.361 مليار جنيه للجهاز المركزي للمحاسبات، و2.506 مليار جنيه لهيئة الرقابة الإدارية، وسط تكتم شديد على تقارير الأداء.
​
​
وفي السياق ذاته، يستمر إهدار الموارد العامة وتفشي الفساد الإداري والمالي دون إتاحة معلومات شفافة للمواطنين حول حجم المخالفات المكتشفة، في حين يحصل المجلس القومي لحقوق الإنسان على 114 مليون جنيه.
​
​
ومع ذلك، تتسع دوائر الحبس الاحتياطي المطول والاختفاء القسري واحتجاز المعارضين السياسيين، بينما يكتفي المجلس بإصدار بيانات شكلية دون تدخل فاعل لحماية الحريات العامة أو متابعة أوضاع المحتجزين وشكاوى أسرهم.
​
​
وعلى صعيد متصل، تستنزف المؤسسات الإعلامية الرسمية نحو 2.125 مليار جنيه، موزعة بين 1.292 مليار جنيه للهيئة الوطنية للصحافة، و451.5 مليون جنيه للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، و374 مليون جنيه لهيئة الاستعلامات.
​
​
وفوق ذلك، تضخ الموازنة نحو 1 مليار جنيه لدعم الهيئة الوطنية للإعلام، رغم تسجيلها خسائر فادحة بلغت 14.7 مليار جنيه في الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025 نتيجة سوء إدارة الأصول.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، تكشف الحسابات الختامية لعام 2024/2025 قفزة في إنفاق الهيئة الوطنية للإعلام من 977 مليون جنيه إلى 1.655 مليار جنيه، وارتفاع مخصصات المجلس الأعلى للإعلام من 315 مليون جنيه إلى 1.556 مليار جنيه.
​
​
وتعليقًا على هذا المسار، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن توجيه المليارات لمؤسسات غير إنتاجية يعمق عجز الموازنة ويحرم القطاعات الحيوية من التمويل اللازم لحماية الفئات الفقيرة.
​
​
إهدار الاستحقاقات الدستورية للتعليم والصحة والبحث
​
​
وعلى الرغم من تصدر وزارة الصحة قائمة التوزيع الوظيفي بنحو 317 مليار جنيه، تليها التربية والتعليم بنحو 267 مليار جنيه، فإن تحليل البنود يفضح ضآلة الأموال الموجهة فعليًا لتقديم الخدمات للمواطنين.
​
​
إذ تلتهم الأجور نحو 41% من موازنة وزارة الصحة، وتذهب 27% للاستثمارات، بينما لا يتبقى للمستلزمات الطبية والأدوية وصيانة الأجهزة ونفقات التشغيل اليومية في المستشفيات سوى 22% فقط من المصروفات.
​
​
وفي المقابل، تحصل وزارة الإسكان والمرافق على 178 مليار جنيه، ووزارة الدفاع على نحو 147 مليار جنيه، ووزارة الداخلية على 121.5 مليار جنيه، في حين تتذيل وزارة التعليم العالي القائمة بنحو 104.5 مليار جنيه.
​
​
ويتفاقم الوضع داخل وزارة التربية والتعليم، حيث تستحوذ أجور نحو 1.377 مليون عامل، بينهم 1.05 مليون معلم و326 ألفًا من الإداريين والعمال، على 74% من إجمالي مخصصاتها البالغة 267 مليار جنيه.
​
​
وبالتالي، لا يتجاوز نصيب الاستثمارات وإنشاء الفصول الجديدة 13%، وتنحصر مخصصات التشغيل اليومي والتغذية المدرسية والكتب والمرافق في 9% فقط، رغم وجود 23.245 مليون طالب بالمدارس الحكومية خلال عام 2025/2026.
​
​
فضلًا عن ذلك، تشرف الوزارة على 2.527 مليون طالب بالمدارس الخاصة، مما يجعل هذه النسب الضئيلة عاجزة تمامًا عن مواجهة تكدس الفصول وتدهور البيئة المدرسية وتطوير المناهج التعليمية المتأخرة.

ومن زاوية أخرى، تضرب الموازنة عرض الحائط بنصوص دستور 2014، التي تلزم الدولة بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للصحة، و4% للتعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم الجامعي، و1% للبحث العلمي.
​
​
إذ تهوي نسبة الإنفاق المباشر الفعلي على التعليم قبل الجامعي إلى 1.09% بدلًا من 4%، وتتراجع مخصصات التعليم الجامعي إلى 0.4% بدلًا من 2%، بينما تتلاشى حصة البحث العلمي عند 0.03% بدلًا من 1%.
​
​
وهكذا، يبلغ إجمالي المخصصات المباشرة المحسوبة للصحة والتعليم بشقيه والبحث العلمي نحو 2.4% فقط، مقابل 10% أقرها الدستور، في ظل تحايل محاسبي حكومي يدمج بنودًا غير خدمية لتجميل الأرقام المعلنة.
​
​
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في السياسات التعليمية الدكتور كمال مغيث، الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن الالتفاف على النسب الدستورية وتقليص ميزانيات التشغيل يدمر البنية التحتية للمدارس الحكومية ويجبر الأسر على تحمل أعباء التعليم.
​
​
فوائد الديون تلتهم الموارد وتهمش الخدمات
​
​
وإلى جانب ذلك، تكشف الموازنة اختلالًا حادًا في تمويل المؤسسات الثقافية والمجالس القومية، حيث تحصل مكتبة الإسكندرية على 1.648 مليار جنيه، ودار الأوبرا المصرية على 839 مليون جنيه، وأكاديمية الفنون على 659 مليون جنيه.
​
​
بينما يتوقف نصيب صندوق تطوير التعليم عند 235 مليون جنيه فقط، ويحصد المجلس القومي للمرأة 632.5 مليون جنيه، مقابل 51 مليون جنيه فقط للمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أي بأكثر من 12 ضعفًا.
​
​
ويحدث هذا التهميش المالي رغم وجود نحو 12 مليون شخص من ذوي الإعاقة يحتاجون إلى برامج تأهيل ودمج وحماية اجتماعية عاجلة، بينما تغيب معايير الشفافية حول عائد إنفاق تلك المجالس والمؤسسات الثقافية.
​
​
ومن جهة ثانية، يحصل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على 3.630 مليار جنيه، ومركز معلومات مجلس الوزراء على 539 مليون جنيه، والمركز الديموغرافي على 36 مليون جنيه، وسط حجب مستمر للبيانات عن الباحثين.
​
​
ورغم ارتباط مخصصات الإحصاء بإجراء التعداد السكاني المؤجل، فإن السياسات الحكومية أهملت نتائج تعداد 2017 ولم توجه الاستثمارات لإنقاذ الأسر المحرومة من المرافق، في حين يقتنص صندوق مباني الخارجية بالخارج 5.837 مليار جنيه.
​
​
وفي الوقت نفسه، يتقاضى جهاز حماية المستهلك 268 مليون جنيه فقط رغم انفلات الأسعار، وتحصل هيئة تعليم الكبار على 944 مليون جنيه، وهيئة الدواء على 1.485 مليار جنيه، ومستشفى معهد ناصر على 1.178 مليار جنيه.
​
​
أما على صعيد الأعباء المالية، فتبلغ المخصصات المباشرة لوزارة المالية وجهاتها الضريبية 49.5 مليار جنيه، لكن إجمالي ما تديره من فوائد ديون ودعم واحتياطيات يلتهم نحو 65% من إجمالي الإنفاق العام للدولة.
​
​
ونتيجة لتفاقم خدمة الدين العام، تتقلص مخصصات الوزارات الخدمية، حيث تحصل النقل على 40.8 مليار جنيه، والري على 40.3 مليار جنيه، والأوقاف على 26.8 مليار جنيه، والخارجية على 26 مليار جنيه، والزراعة على 23.7 مليار جنيه.
​
​
وكذلك، تنال الاتصالات 23.3 مليار جنيه، والكهرباء 21.6 مليار جنيه، والتخطيط 15.4 مليار جنيه، والاستثمار 15.4 مليار جنيه، والسياحة 15 مليار جنيه، والطيران 8.5 مليار جنيه، والشباب 8 مليارات جنيه، والثقافة 7.9 مليار جنيه.
​
​
بينما تحصل التموين دون الدعم على 2.6 مليار جنيه، والعمل على 1.2 مليار جنيه، والإنتاج الحربي على 232 مليون جنيه، والشئون النيابية على 60 مليون جنيه، والإعلام على 7 ملايين جنيه، بتراجع عن إنفاق 2024/2025.
​
​
وفي النهاية يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور إلهامي الميرغني، الباحث في السياسات المالية والاجتماعية، أن استئثار فوائد الديون بنحو 65% من الموازنة يجفف منابع الإنفاق الاجتماعي ويحول الموازنة العامة إلى أداة لجباية الضرائب وسداد القروض.