تشن قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة عسكرية غير مسبوقة استهدفت أربعين قرية وأربعمائة موقع متفرق في الضفة الغربية المحتلة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما أسفر عن اعتقال أربعين مواطنا.
وتنفذ وحدات الجيش هذه المداهمات المتزامنة بالاشتراك مع حرس الحدود وجهاز الأمن العام الشاباك، وسط تركيز مكثف على ملاحقة كوادر حركتي حماس والجهاد الإسلامي وتدمير البنى التحتية المدنية.
استهداف ممنهج للمدن وتجريف للرموز الوطنية
وفي هذا السياق، تقتحم القوات العسكرية مدينتي الخليل وحلحول بعشرات الآليات، حيث طالت الاعتقالات عشرين شخصا بعد تفتيش عشرات المنازل وترويع السكان الآمنين بذريعة ملاحقة مطلوبين.
وعلاوة على ذلك، تداهم كتائب لواء عتصيون أكثر من سبعين موقعا موزعة على عشر قرى، لتعتقل شبانا بتهمة زرع عبوات ناسفة ومقاومة الوجود العسكري المستمر في أراضيهم.
وبالتزامن مع تلك الاقتحامات، تهدم الجرافات العسكرية نصبا تذكارية في نطاق لواءي السامرة ومنشيه، في مسعى لطمس معالم الذاكرة الوطنية الفلسطينية بزعم ارتباطها بمنفذي هجمات سابقة.
ومن زاوية أخرى، تفرض القوات طوقا أمنيا مشددا حول قرية بورين لاعتقال شابين، بينما تصادر سلاح صيد من بلدة سيلة الظهر لتبرير استمرار الحصار الميداني المفروض.
وإلى جانب ذلك، توسع وحدات لواء بنيامين عملياتها لتشمل خمس عشرة قرية، حيث تحتجز عشرات النشطاء بتهمة المشاركة في مواجهات شعبية ورفض الإجراءات العسكرية القمعية.
وبالإضافة إلى ما سبق، تجري قوات لواء إفرايم تحقيقات ميدانية قاسية، وتتبعها بعمليات تفتيش واسعة للمنازل بحثا عن أسلحة، ما يحول القرى إلى ثكنات عسكرية مغلقة.
ومن جهته، يؤكد المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي الأستاذ أنطوان شلحت أن توسيع رقعة المداهمات يعكس رغبة المؤسسة العسكرية في فرض واقع أمني جديد يلغي أي سيادة فلسطينية.
ويضيف شلحت في قراءته للمشهد أن تدمير النصب التذكارية يتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة، ليصل إلى حرب رمزية تهدف لكسر الإرادة الجمعية للسكان ودفعهم نحو اليأس.
فضلا عن ذلك، تستغل الحكومة الإسرائيلية الذرائع الأمنية لتعميق الاستيطان، حيث تمهد هذه الاعتقالات الطريق أمام مصادرة المزيد من الأراضي وتهجير التجمعات البدوية والريفية المحاصرة.
أبعاد استراتيجية لتقويض الاستقرار الميداني الشامل
ومن ناحية ثانية، تبرر القيادة العسكرية هذه الحملة الواسعة بوجود تحريض وأعمال شغب، غير أن حجم القوات المشاركة يؤكد وجود مخطط مسبق لإعادة تشكيل الخارطة الأمنية بالضفة.
وبناء على هذه المعطيات، تتعمد سلطات الاحتلال خلط الأوراق عبر دمج التهم العسكرية بالأنشطة الشعبية كإلقاء الحجارة، لتسويق حملتها دوليا باعتبارها دفاعا مشروعا في وجه الإرهاب.
وإجمالا لما يجري، تفتقر هذه العمليات لأي غطاء قانوني دولي، إذ تمثل عقابا جماعيا لسكان القرى الأربعين الذين يتعرضون للتنكيل الليلي وتقييد حرية الحركة بشكل يومي.
وفي هذا الإطار، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت الدكتور غسان الخطيب أن استراتيجية الجز العشبي التي يتبعها الجيش تفاقم الاحتقان الميداني وتدمر فرص الاستقرار السياسي.
ويشير الخطيب أيضا إلى أن استهداف أربعمئة موقع في يومين يثبت فشل المقاربات الأمنية الإسرائيلية، ويدفع جيل الشباب نحو مزيد من المواجهة ردا على غياب الأفق السياسي.
وعلى صعيد متصل، تتركز حملات التفتيش في المناطق المصنفة جيم وباء، ما ينهي فعليا الاتفاقيات الموقعة ويضع التجمعات السكانية تحت السيطرة الأمنية المباشرة لسلطة الاحتلال.
ونتيجة لذلك، تتضاعف أعداد المعتقلين الإداريين في السجون الإسرائيلية دون محاكمات عادلة، حيث تستند لوائح الاتهام إلى ملفات سرية يعدها جهاز الشاباك لتبرير الاحتجاز طويل الأمد.
كما تؤدي هذه التحقيقات الميدانية المذلة إلى تفكيك النسيج الاجتماعي داخل القرى المستهدفة، عبر ممارسة ضغوط نفسية واقتصادية هائلة على عائلات المعتقلين والمطاردين في مختلف المحافظات.
تواطؤ إقليمي وغياب الردع العربي الرسمي
وفي سياق متصل، تستمد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية جرأتها في اقتحام الضفة من حالة الصمت الإقليمي، وتراجع الدور العربي الرسمي عن تقديم أي دعم حقيقي لصمود الفلسطينيين.
بل إن التنسيق الأمني والسياسي المستمر مع بعض العواصم الإقليمية يمنح حكومة الاحتلال ضوءا أخضر لمواصلة بطشها، دون خشية من ردود فعل دبلوماسية أو اقتصادية رادعة.
وتحديدا في الحالة المصرية، تبرز سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي كعامل إضعاف للموقف الفلسطيني، عبر استمرار التنسيق مع تل أبيب وتشديد الحصار على الحركات المقاومة.
ومن هذا المنطلق، يرى الباحث المتخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية الدكتور سعيد الحاج أن الارتهان العربي للمقاربات الأمنية الإسرائيلية شجع الاحتلال على استباحة الضفة الغربية بالكامل.
ويبين الحاج كذلك أن مواقف الأنظمة الرسمية، وفي مقدمتها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، تتقاطع مع الرغبة الإسرائيلية في القضاء على أي حاضنة شعبية للمقاومة.
وبسبب هذا التراجع الإقليمي، تنفرد الآلة العسكرية الإسرائيلية بالقرى والبلدات الفلسطينية، مستخدمة أحدث تقنيات المراقبة والاقتحام لتصفية الحسابات السياسية والميدانية مع الفصائل الوطنية والإسلامية.
ولهذا السبب، تتصاعد وتيرة الاعتداءات في الخليل ونابلس وجنين منذ مطلع شهر أكتوبر الجاري، وسط غياب تام لأي تحرك دولي جاد يلزم الاحتلال بوقف انتهاكاته الجسيمة.
ومع استمرار هذه السياسات، تتحول مدن الضفة إلى كانتونات معزولة تفصلها الحواجز العسكرية، ما يقوض مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويجعل الانفجار الشامل مسألة وقت لا أكثر.
وختاما لهذا المشهد المعقد، تبقى الحملات الأمنية الإسرائيلية عاجزة عن إنهاء حالة الرفض الشعبي، رغم كثافة النيران وحجم الاعتقالات التي تطال الكوادر والنشطاء في كافة الميادين.

