تلتهم موجات الغلاء المتلاحقة أية وعود بتحسين دخول المواطنين، إذ تُفرغ قفزات الأسعار المتتالية الأرقام الرسمية المعلنة من قيمتها الحقيقية، بينما تواصل العملة المحلية انهيارها أمام العملات الأجنبية في الأسواق.
وحيث تتسع الفجوة يومياً بين الدخل الفعلي وتكاليف المعيشة الأساسية، باتت وعود زيادة الرواتب مجرد أرقام ورقية عاجزة عن حماية الأسر من السقوط الحر نحو هاوية الفقر والعوز.
سراب الأرقام الاسمية وتآكل الدخول
إذ يرى الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن الاكتفاء بقياس الزيادات الاسمية يضلل الحسابات، فالدخل الحقيقي يرتبط حصراً بالقدرة الشرائية ومعدل تضخم السلع الأساسية لا بالأرقام المجردة.
وعلاوة على ذلك، فإن ضخ كتلة نقدية إضافية في الأسواق دون زيادة الإنتاج المحلي الحقيقي يخلق سيولة تائهة تعمل على تأجيج الأسعار بدلاً من تحسين مستوى معيشة المواطنين المنهكين.
وبناءً عليه، يظل مستهدف الوصول بالحد الأدنى للأجور إلى خمسة عشر ألف جنيه بحلول العام المالي الحالي مجرد تعويض متأخر لآثار انخفاض العملة المحلية المتواصل عبر السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، تواجه موازنات الأسر مطحنة يومية بسبب ارتفاع فواتير الغذاء والخدمات، مما يجعل أي رقم معلن عاجزاً عن الصمود أمام تكلفة توفير متطلبات الحياة اليومية الضرورية.
ومن ثم، تصبح الأرقام الموعودة فاقدة لأي جدوى اقتصادية على أرض الواقع، لأن نسبتها المقترحة تبتلعها فوراً موجات تخفيض سعر الصرف المتتالية وقرارات رفع الدعم عن المحروقات والخدمات.
فضلاً عن أن تثبيت مستويات الرواتب لسنوات في ظل قفزات متسارعة للتضخم يفرغ القرارات من مضمونها، ليتحول العامل إلى متلقٍ لزيادات ورقية تسبقها الأسواق بمراحل زمنية طويلة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحفاظ على تماسك الطبقة المتوسطة يستلزم ربط الأجور بمؤشرات التضخم الشهرية، لتفادي تكرار سيناريو التآكل الدائم للمدخرات والقدرات الشرائية للأسر في عموم المحافظات.
وحيث تتجاهل الوعود الحكومية معدلات التضخم التراكمية، فإن الزيادة النظرية المقدرة بنحو سبعة آلاف جنيه تبدو ضئيلة للغاية عند مقارنتها بالقوة الشرائية الحقيقية التي كانت سائدة خلال الفترات السابقة.
ومن هذا المنطلق، تتراجع مستويات الاستهلاك العائلي إلى حدود الخطر، مما يؤكد أن الزيادات المطروحة تأتي لتكريس نمط التقشف القسري المفروض على جموع المواطنين بدلاً من إنقاذهم.
اشتعال الأسعار يلتهم جيوب الملايين
بينما يوضح الدكتور علي عبد الحكيم الطحاوي، أستاذ الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية، أن الارتفاع الفعلي لمجموعات السكن والوقود والكهرباء يلتهم مسبقاً أي فائض نقدي، ما يجعل المواطن عاجزاً عن تلبية احتياجاته.
وتبعاً لذلك، سجلت معدلات التضخم السنوي قفزات جديدة خلال شهر سبتمبر الماضي، مدفوعة بارتفاع أسعار الخضروات بنسبة شهرية تجاوزت خمسة عشر بالمئة، ما نسف أية آمال بتهدئة الأسواق.
ومن جهة أخرى، فرضت أعباء تكاليف النقل والمواصلات التي تجاوزت واحداً وعشرين بالمئة قيوداً قاسية على حركة المواطنين اليومية، ما التهم حصة ضخمة من ميزانيات الأسر العاملة.
كذلك أدى ارتفاع بنود السكن والمياه والكهرباء بنحو ثلاثين بالمئة إلى تعميق أزمة السيولة المنزلية، مما أخرج مئات الآلاف من دائرة الأمان المالي ودفعهم للاستدانة لتغطية الفواتير.
وعلى صعيد متصل، تواصل أسعار السلع الغذائية الاستراتيجية اشتعالها في الأسواق الشعبية، حيث تلتهم بنود الطعام وحدها الجزء الأكبر من أي دخل شهري يتحصل عليه أرباب الأسر.
لذلك فإن الحديث عن رخاء قادم يواجه صدمة الواقع المعاش، حيث يفرض الغلاء وتيرته المتسارعة قبل حلول أية مواعيد مجدولة لتطبيق زيادات الأجور الموعودة بعد سنوات.
وبالمثل، يعاني المواطن من مضاعفة رسوم الخدمات الحكومية التي تفرض أعباءً مستمرة، ما يجعل السياسات المتبعة مجرد استرداد للسيولة الممنوحة عبر منافذ الرسوم والضرائب غير المباشرة.
ومن هنا، تغيب الإجراءات الحمائية الصارمة لضبط حركة الأسواق، مما يترك المستهلكين فريسة لتحركات التجار الذين يسارعون لرفع الأسعار بمجرد الإعلان الشفهي عن أية زيادات مرتقبة.
واستناداً إلى هذه الوقائع، يظل التضخم المرتفع في الحضر الآلة الحقيقية التي تطحن أجور الموظفين والعمال، لتتحول وعود الزيادة إلى أوهام تتبدد أمام شاشات الصراف الآلي شهرياً.
ديون متراكمة وهروب الأموال الساخنة
في حين يؤكد الدكتور وائل النحاس، المستشار المالي وخبير أسواق المال، أن استمرار سياسة الاعتماد على الأموال الساخنة أفضى إلى نزيف نقد أجنبي متكرر، ما يفاقم الضغوط على سعر الصرف.
وبالفعل، سجلت العملة المحلية تراجعاً جديداً ليتجاوز سعر صرف الدولار حاجز خمسة وخمسين جنيهاً، مما فجر موجات غلاء سريعة اجتاحت كافة القطاعات الإنتاجية والتجارية دون استثناء.
وفوق هذا كله، يسرّع خروج مليارات الدولارات من أذون الخزانة حدة الاختناقات المالية، ويضع البلاد تحت رحمة تقلبات الفائدة العالمية التي يقررها الفيدرالي الأمريكي بصورة دورية.
وعلى نحو خطير، تؤدي التبعات الاقتصادية لقرارات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي المتعلقة بالاقتراض المكثف إلى تخصيص الجانب الأكبر من الموارد لسداد فوائد وأقساط القروض المتراكمة على الدولة.
ومن شأن هذا المسار أن يرفع ديون الهيئات الاقتصادية إلى مستويات حرجة، لتبتلع التزامات خدمة الدين أية مخصصات كان ينبغي توجيهها لتحسين شبكات الحماية والأجور المتدهورة.
علاوة على ذلك، يغيب البرنامج الإنتاجي المتماسك الذي يمكنه انتشال البلاد من دوامة الارتهان لشروط صندوق النقد، ما يحرم الاقتصاد من خلق قيمة مضافة حقيقية توقف نزيف العملة.
ومع استمرار الارتفاع في أسعار النفط العالمية، تتعاظم الفاتورة الاستيرادية لتضغط بشكل مباشر على الاحتياطي النقدي وتغذي جولات جديدة من التضخم المستورد الذي يتحمله المواطن وحده.
وترتيباً على ذلك، تصبح محاولات تجميل الأوضاع عبر مستهدفات آجلة عاجزة عن إخفاء واقع الديون الثقيلة التي تكبل المالية العامة وتفرض تراجعاً مستمراً في نصيب الفرد من الدخل.
وفي المحصلة، يجد العامل والموظف نفسيهما محاصرين داخل حلقة مفرغة، حيث تُبتلع الأجور بديلاً عن ديون متراكمة، وتتسع الفجوة بين الواقع الاقتصادي وشعارات الاستقرار الوهمية.

