تواصل أسعار الأسمدة الزراعية قفزاتها الجنونية داخل الأسواق المصرية اليوم الأحد، وسط عجز حكومي فاضح عن ضبط منظومة التوزيع أو توفير الاحتياجات الأساسية لصغار المزارعين الذين يواجهون شبح الخسائر الفادحة وتراجع الإنتاجية الزراعية.
وتظهر البيانات الرسمية الصادرة عن بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس وزراء الانقلاب اتساع الفجوة السعرية بين الأصناف العادية والمخصوصة لمستويات قياسية، مما يعكس اختلالات هيكلية عميقة تضرب صميم القطاع الزراعي.
فجوة اليوريا تستنزف جيوب الفلاحين
وفي هذا السياق، يتصدر سماد اليوريا المشهد الكارثي بفارق سعري يبلغ 10465 جنيها للطن الواحد بين الصنف المخصوص ونظيره العادي، وهو تفاوت غير مسبوق يضع الفلاح المصري أمام خيارات أحلاها مر خلال أكتوبر الجاري.
علاوة على ذلك، سجل متوسط سعر طن اليوريا المخصوصة بتركيز 46.5% نحو 24142 جنيها في تعاملات اليوم، بينما تحركت الأسعار الفعلية بالأسواق داخل نطاق متسع يبدأ من 21000 جنيه ويصل إلى 28000 جنيه للطن.
في المقابل، بلغ متوسط سعر طن اليوريا العادية بنفس نسبة التركيز البالغة 46.5% قرابة 13677 جنيها، وسط تباين حاد في النطاق السعري المرصود الذي يتراوح بين 4800 جنيه كحد أدنى و23000 جنيه كحد أقصى.
ومن زاوية أخرى، يثبت هذا التفاوت الصارخ أن الأسعار الدنيا المعلنة في البيانات الحكومية مجرد أرقام دفترية لا وجود لها على أرض الواقع، حيث يعجز صغار الزراع عن إيجاد شيكارة واحدة بتلك القيمة الرمزية.
وبناء على ذلك، تدفع سياسات التسعير العشوائية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي نحو تجفيف منابع الدعم الفعلي، وترك المزارعين فريسة سهلة لاحتكارات كبار التجار وشركات التوزيع التي تتحكم في مفاصل السوق الزراعي.
نتيجة لذلك، يضطر المزارع البسيط إلى شراء احتياجات أرضه من الأصناف المخصوصة بأسعار مضاعفة لضمان إنقاذ زرعه من التلف، بعد تبخر الحصص المدعمة داخل الجمعيات التعاونية الزراعية التي باتت خاوية على عروشها منذ سبتمبر.
إضافة إلى ما سبق، يؤدي غياب الرقابة الصارمة على منافذ البيع ومصادر التوريد إلى خلق بيئة خصبة للتلاعب بالمواصفات الفنية وشروط البيع، مما يضاعف الأعباء المالية الملقاة على عاتق المنتجين الزراعيين في مختلف المحافظات.
من جانبه، يؤكد الدكتور عبدالتواب بركات، الأستاذ بمركز البحوث الزراعية ومستشار وزير التموين الأسبق، أن تفاقم فجوات أسعار اليوريا يعود مباشرة إلى قرارات تحرير أسعار الغاز وتوجيه حصة الأسد من إنتاج المصانع نحو التصدير.
فضلا عن ذلك، يوضح الدكتور عبدالتواب بركات أن حرمان السوق المحلي من حصته القانونية البالغة 55% من الإنتاج المدعم يخلق ندرة مصطنعة، تجبر الفلاح على تمويل خزائن الشركات المنتجة من جيبه الخاص وبأسعار عالمية.
نترات النشادر تشتعل بالأسواق الموازية
وعلى صعيد متصل، لم تكن نترات النشادر بمنأى عن موجة الغلاء الطاحنة، حيث قفز الفارق بين متوسطي الصنفين العادي والمخصوص إلى 10298 جنيها للطن، مما يعمق جراح الفلاحين الباحثين عن مخرج لأزمة نقص المقررات.
وبالتوازي مع ذلك، وصل متوسط سعر طن نترات النشادر المخصوصة بتركيز 33.5% إلى نحو 23623 جنيها، في حين تأرجحت أسعار التداول الفعلي بين 21000 جنيه و27000 جنيه للطن وفقا لآليات العرض والطلب المختلة حاليا.
أما على المستوى الرسمي، فقد سجلت نترات النشادر العادية بتركيز 33.5% متوسطا سعريا يبلغ 13325 جنيها للطن، ضمن نطاق واسع يبدأ من 4700 جنيه ويرتفع حتى يلامس حاجز 24400 جنيه في العديد من المناطق.
غير أن القراءة المتأنية لهذا النطاق السعري الفضفاض الذي يقفز من 4700 جنيه إلى 24400 جنيه للطن الواحد، تفضح حالة الفوضى العارمة وانهيار منظومة التسعير الجبري التي تتغنى بها الوزارات المعنية عبر وسائل الإعلام.
عقب ذلك، تتصاعد شكاوى المزارعين يوميا من تغول السوق الموازية التي تبتلع الحصص المخصصة للجمعيات الزراعية، وتعيد طرحها علنا بأسعار تقترب من مستويات الأصناف المخصوصة دون أي رادع قانوني أو تدخل لتصحيح المسار.
لذلك، تفقد الأرقام الحكومية مصداقيتها حين تزعم أن اختلاف المتوسطات السعرية لا يثبت وحده نشاط السوق السوداء، إذ يعلم الجميع أن قنوات البيع الرسمية باتت عاجزة تماما عن تلبية الحد الأدنى من الطلب المتزايد.
ومع ذلك، تواصل الجهات التنفيذية فرض شروط تعجيزية ومعقدة لحصول الفلاحين على حصصهم عبر منظومة كارت الفلاح، مما يدفع الآلاف من المستأجرين وصغار الحائزين خارج مظلة التوزيع الرسمي ليقعوا في قبضة سماسرة الأسمدة مباشرة.
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، إن هذا التفاوت الحاد في أسعار نترات النشادر يعكس تشوها هيكليا ناتجا عن تعدد التسعيرات لنفس السلعة، وهو ما يفتح الباب حتما للفساد.
تأسيسا على ذلك، يشير الدكتور محمد فؤاد إلى أن إصرار الحكومة على إدارة ملف الأسمدة بعقلية الجباية وتقليص الدعم العيني، يؤدي إلى تدمير الجدوى الاقتصادية للزراعة وتحويل الفلاح من منتج مستقل إلى مدين متعثر.
سلفات النشادر وتهديد الأمن الغذائي
وفي سياق متصل، تمتد نيران الأسعار الملتهبة لتطال سلفات النشادر المخصوصة بتركيز 20.6%، والتي سجلت متوسطا يبلغ 18858 جنيها للطن، لتكتمل بذلك حلقة الحصار الاقتصادي المفروض على كافة مستلزمات الإنتاج الزراعي خلال الموسم الحالي.
كما تراوحت أسعار طن سلفات النشادر المخصوصة في الأسواق المحلية بين 10200 جنيه و23000 جنيه، وهو تذبذب حاد يعكس غياب أي معايير رقابية تحكم تسعير هذا الصنف الحيوي اللازم لمعالجة ملوحة الأراضي الزراعية المصرية.
ومن ثم، فإن الإقرار الرسمي بأن الأسعار الواردة مجرد متوسطات مرصودة ولا تعني توافر السماد بالسعر الأدنى للجميع، يمثل اعترافا صريحا بتخلي الدولة عن التزاماتها الدستورية في حماية الإنتاج الزراعي ودعم صغار المزارعين.
وعلى الرغم من خطورة الموقف، تتجاهل السياسات الاقتصادية الراهنة حقيقة أن ارتفاع تكلفة التسميد يلتهم أكثر من نصف ميزانية الزراعة، مما يدفع الكثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو تقليل جرعات التسميد الموصى بها علميا.
إلى جانب ذلك، ينعكس خفض معدلات التسميد الأزوتي فورا على حجم وجودة المحاصيل الاستراتيجية المنتظر حصادها في مايو ويونيو المقبلين، مما يهدد بتراجع المعروض الغذائي المحلي وزيادة فاتورة الاستيراد التي تستنزف العملة الصعبة.
وبالإضافة إلى ذلك، يتحمل المستهلك المصري في نهاية المطاف فاتورة هذا الفشل الإداري، حيث تنتقل زيادات أسعار اليوريا والنترات والسلفات تلقائيا إلى أسعار الخضروات والفاكهة والحبوب في الأسواق، لتزيد من معدلات التضخم الغذائي المتفاقم.
وهكذا، تتحول أزمة الأسمدة من مجرد اختناق موسمي عابر إلى كارثة مستدامة تضرب الأمن الغذائي القومي في مقتل، وسط إصرار حكومي على تقديم مصالح شركات البتروكيماويات والتصدير على حساب لقمة عيش المواطن واستقرار الفلاح.
وفي هذا الصدد، يؤكد المهندس نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بجامعة القاهرة، أن وصول أسعار سلفات النشادر واليوريا لهذه المستويات القياسية يهدد ببوار آلاف الأفدنة وعزوف الفلاحين عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية كثيفة الاستهلاك.
وأخيرا، يشدد المهندس نادر نور الدين على أن ربط أسعار الأسمدة المحلية بالبورصات العالمية وتكاليف التصدير يمثل خطيئة اقتصادية كبرى، لأن الفلاح المصري يبيع محصوله بالجنيه المتراجع ولا يملك ترف شراء مستلزماته بأسعار الدولار.

