تلتهم موجة الغلاء الحالية مداخيل ملايين الأسر المصرية بعدما قفزت أسعار البصل والبطاطس والطماطم متجاوزة ثلاثين جنيهاً للكيلو، بينما ارتفع سعر الكرنب إلى ستة وثلاثين جنيهاً، مما فاقم الأعباء المعيشية في كافة المحافظات بصورة غير مسبوقة.
وعلاوة على ذلك، يواجه المستهلكون تفاوتاً حاداً داخل الأسواق الشعبية نتيجة غياب التدخل لضبط التسعير وترك المواطنين فريسة للمضاربات اليومية، في وقت باتت فيه هذه الخضروات الأساسية تشكل استنزافاً دائماً لجيوب البسطاء الذين يعانون شظف العيش.
أكذوبة فواصل العروات وانهيار منظومة الإنتاج
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور عبد التواب بركات، الباحث بمركز البحوث الزراعية، أن تحميل أزمة ارتفاع الأسعار على شماعة فاصل العروات يمثل تبريراً واهياً لتفادي مواجهة إخفاق السياسات الزراعية التي أهدرت مقومات دعم الفلاح طوال المواسم الماضية.
وبناءً على ذلك، تسبب تراجع مساحات الرقعة المخصصة للزراعات الحيوية وتفكيك منظومة الدورة الزراعية في تفريغ الأسواق من الإنتاج المحلي، الأمر الذي جعل المعروض عاجزاً عن تلبية احتياجات المواطنين الأساسية وفرض زيادات متتالية في أسعار الخضر.
ومن جهة ثانية، تركت وزارة الزراعة المزارعين يواجهون أسعار البذور المستوردة والمبيدات المغشوشة بمفردهم دون توفير بدائل محلية موثوقة، ما دفع قطاعاً عريضاً من صغار المنتجين للانسحاب القسري من نشاط الإنتاج الزراعي نتيجة تراكم الخسائر الفادحة.
وعلى صعيد متصل، يستمر تدهور محصول الطماطم في المحافظات مع توقعات بامتداد هذا الغلاء حتى شهر يناير القادم، نتيجة العجز التام عن تقديم حلول وقائية للتقلبات المناخية التي كانت تتطلب خططاً استباقية غائبة تماماً عن مسؤولي القطاع.
فضلاً عن ذلك، يعاني مزارعو البطاطس من جشع الشركات الاحتكارية التي تحتجز التقاوي وترفع أسعارها لأرقام فلكية، مما ينعكس مباشرة على سعر الكيلو للمستهلك النهائي في أسواق التجزئة ويحرم الفئات الضعيفة من أبسط وجباتها اليومية.
وفي ضوء هذا التردي، تآكلت فاعلية الجمعيات التعاونية الزراعية التي كانت تضمن وصول مستلزمات الإنتاج بأسعار عادلة، وتحولت إلى كيانات معطلة تدير الأزمة لصالح قلة من التجار وأصحاب النفوذ على حساب الفلاح والمواطن البسيط معاً.
وبالمثل، يجد مزارع البصل نفسه مجبراً على البيع بأبخس الأثمان للوسطاء في بداية الموسم، ثم تعود الأسواق لتعطيش البضائع وبيعها للمستهلكين بأسعار مضاعفة تتجاوز ثلاثين جنيهاً دون وجود أي آلية رقابية تمنع هذه المضاربات الخبيثة.
ومن هذا المنطلق، أضحى المزارع يعاني من نقص حاد في مياه الري وارتفاع كلفة الآبار الجوفية، بينما توجه الموازنات نحو مشاريع دعائية غير مجدية بدلاً من تأهيل شبكات الصرف والري التي يعتمد عليها الإنتاج الغذائي الرئيسي للبلاد.
واستناداً إلى هذا الواقع، فإن استمرار تصدير محاصيل الخضر الأساسية لجلب العملة الصعبة على حساب إطعام الداخل يعكس عمق الخلل الهيكلي في الأولويات، إذ يدفع المواطن فاتورة الصادرات عبر حرمانه من توافر السلع بأسعار محتملة.
تهاوي الجنيه والمحروقات يلهبان أسواق التجزئة
ومن جهته، يبيّن الدكتور أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد السياسي، أن القفزات الجنونية في أسعار الخضروات تعود بالأساس إلى التدهور الحاد في قيمة العملة المحلية، والقرارات المتتالية لتحرير أسعار الوقود والطاقة بصورة أنهكت سلاسل الإمداد والتوريد.
وبالإضافة إلى ذلك، تسببت الزيادات الأخيرة في أسعار السولار في اشتعال تكاليف النقل الداخلي بين المحافظات المنتجة وأسواق الاستهلاك المركزية، مما أجبر تجار التجزئة على تمرير كافة هذه الأعباء مباشرة إلى المستهلك المطحون دون أي حماية.
وفي ظل هذه الظروف، انعكست السياسات النقدية الانكماشية ورفع الفائدة سلباً على صغار التجار والمزارعين، بعدما عجزوا عن تمويل عمليات التخزين المبرد والموسمي، مما ضاعف نسبة الهادر وأشعل أسعار الكميات المطروحة للمواطنين في الأسواق اليومية.
وعلى نحو موازٍ، أدى انفلات التضخم العام إلى تراجع القوة الشرائية للأسر التي باتت تخصص معظم دخلها للطعام دون جدوى، حيث لم تعد دخول الموظفين وأرباب المعاشات قادرة على مجاراة الزيادات الأسبوعية في السلع الاستراتيجية الحيوية.
ومن زاوية أخرى، تعكس قرارات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الاقتصادية تفضيلاً للجباية وفرض الرسوم الإضافية على حركة النقل والأسواق، مما خنق حركة التبادل التجاري الداخلي وضاعف من هوامش الربح الجبرية لتحمل تلك الجبايات الحكومية الباهظة.
وتأسيساً على ذلك، تقف مزارع الخضروات في المحافظات أمام معضلة ارتفاع أسعار الكهرباء الزراعية والمحروقات، وهو ما حوّل الزراعة التقليدية إلى نشاط طارد للعمالة والاستثمار، وحرم الأسواق من تدفقات سلعية منتظمة تضمن استقرار التسعير للمواطنين.
ومما يفاقم الأزمة، غياب الرؤية التمويلية للبنوك العامة التي امتنعت عن منح قروض ميسرة للفلاحين، مفضلة توظيف سيولتها في شراء أدوات الدين وأذون الخزانة لتمويل عجز الموازنة، بدلاً من مساندة الإنتاج الحقيقي الذي يحمي أمن الغذاء.
وفي سياق متصل، تتلاشى الطبقة المتوسطة تدريجياً أمام اتساع رقعة الفقر، إذ لم يعد بإمكان الأسر تدبير وجبة الغداء التقليدية المكونة من الخضروات الطازجة، بعد أن حطمت الطماطم والبطاطس والكرنب حواجز غير مسبوقة تاريخياً.
وهكذا، يتضح أن تحميل الأزمة للمناخ وتغير الفصول هو تهرب من الإقرار بكارثة التعويم وتداعيات الاتفاقات المالية مع المقرضين الدوليين، والتي تفرض تقليص كل أشكال الدعم السلعي والزراعي وترك المجتمع يواجه مصيره منفرداً بلا مظلة.
فوضى الوسطاء وانهيار الرقابة التموينية الشاملة
وبدوره، يؤكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن فوضى التسعير الحالية هي النتيجة الحتمية لانهيار منظومة الرقابة الحكومية على أسواق الجملة، وترك حلقات التداول الوسيطة تبتلع عرق الفلاح وجيوب المستهلكين.
والجدير بالذكر، أن الفارق الشاسع بين سعر شراء المحصول في الحقل وسعره النهائي للمستهلك يتجاوز مئتين بالمئة في كثير من الأحيان، بسبب سيطرة مافيا وسماسرة أسواق التوزيع دون وجود أي تدخل حازم لردع هذا الجشع المتفشي.
ومن هنا، أثبتت أجهزة وزارة التموين فشلاً ذريعاً في تفعيل آليات الرقابة والتفتيش، واكتفت بالحملات الاستعراضية الفارغة التي لا تقدم حلولاً جذرية لحماية المواطن من المغالاة العشوائية في منافذ بيع الخضروات بالقرى والمدن على السواء.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن غياب البورصة السلعية الحقيقية للخضروات جعل تسعير البصل والطماطم خاضعاً لأهواء كبار المحتكرين، الذين يلجؤون لتعطيش الأسواق وإخفاء السلع في ثلاجات كبرى لخلق أزمات مصطنعة تجني لهم مليارات الجنيهات السريعة.
وعلاوة على هذه الفوضى، عجزت المجمعات الاستهلاكية التابعة للحكومة عن توفير بديل مناسب بأسعار مخفضة للمواطنين، حيث تشهد منافذها شحاً ملحوظاً ورداءة في جودة المعروض مقارنة بالأسواق الحرة، مما أفقدها دورها في التوازن السلعي المطلوب.
وعلى صعيد مقابل، يتجاهل المسؤولون تطبيق القوانين الرادعة لممارسات حجب السلع، الأمر الذي شجع التجار على التمادي في فرض أسعار تعسفية لا تتناسب مع تكلفة الإنتاج الحقيقية، لتتحول السلع التموينية البديهية إلى كماليات باهظة التكلفة.
وثمة دلالة واضحة على تعمق الأزمة في امتداد طوابير البحث عن السلع الأقل سعراً في الأسواق الشعبية بالمحافظات، في مشهد يوثق معاناة الأسر في تأمين قوت يومها وسط عجز رسمي وتجاهل تام لصرخات البسطاء المتكررة.
وفي هذا الإطار، يفرض غياب التخطيط التخزيني المتطور للدولة خسائر فادحة في المحاصيل الزراعية القابلة للتلف السريع، وهو ما يستغله السماسرة لرفع أسعار الكميات المتبقية وتبرير موجات الغلاء المتتالية التي تحرق مداخيل المواطنين المنهكة.
وبناءً على هذه الوقائع، يظل حل الأزمة مرهوناً بإعادة هيكلة السياسات الاقتصادية والزراعية بالكامل، وكسر هيمنة الاحتكارات التجارية، بدلاً من الركون إلى مبررات فواصل العروات التي لم تعد تقنع الشارع الغاضب من استمرار نزيف الأسعار.

