سعيد عفيفي

أحد مؤسسي تكنوقراط مصر

 

نعم، الديمقراطية مطلوبة، ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس:+ هل نريد الديمقراطية؟ بل: أي نوع من أنظمة الحكم يصلح لمصر؟

 

بصفتي متخصصًا في القانون الدستوري، أرى أن أزمة الحكم في مصر لا يمكن اختزالها في شخص الرئيس، ولا في المؤسسة التي جاء منها، ولا في الشعارات التي يرفعها. فالمشكلة، في جانب مهم منها، تكمن في ثقافة سياسية اعتادت ربط الدولة بشخص الحاكم، وفي نظام دستوري يمنح رأس السلطة التنفيذية قدرًا كبيرًا من النفوذ، بما يسمح بتحويله، تدريجيًا، إلى مركز تدور حوله مؤسسات الدولة والمجتمع.

 

ومن هنا أطرح فكرة قد تبدو صادمة للبعض: إن الشعب الذي يرفع الحاكم فوق النقد، ويمنحه تفويضًا مفتوحًا، ويخلط بين احترام الدولة وتقديس شخص الرئيس، قد يساهم بنفسه في صناعة الديكتاتور الذي يشتكي منه لاحقًا.

 

هذه ليست إدانة للشعب المصري بأكمله، ولا إنكارًا لما عاناه من استبداد أو قيود سياسية واقتصادية، وإنما محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين ثقافة الحكم، وسلوك المجتمع، وبنية النظام الدستوري.

 

 

أولًا: من تأليه الحاكم إلى صناعة الزعيم

 

منذ العصور الفرعونية، احتلت صورة الحاكم مكانة استثنائية في التصور السياسي المصري القديم، حيث ارتبط الملك بالنظام الديني والكوني وبفكرة حفظ الاستقرار. لكن لا يجوز اختزال تاريخ المصريين كله في عبادة الحكام؛ فقد شهدت مصر عبر عصورها المختلفة أنماطًا متعددة من العلاقة بين السلطة والمجتمع. ومع ذلك، فإن ثقافة تمجيد الحاكم، حين تتحول إلى سلوك سياسي معاصر، تصبح خطرًا على الدولة والمجتمع معًا.

 

فالحاكم، مهما كانت قدراته أو إنجازاته، يظل بشرًا يخطئ ويصيب، ويجب أن يخضع للقانون والمحاسبة. أما حين يتحول إلى زعيم لا يُنتقد، أو رمز لا يجوز الاعتراض عليه، فإن السياسة تتراجع أمام الولاء الشخصي، وتصبح المؤسسات مجرد أدوات لخدمة إرادة فرد واحد.

 

وبعد ثورة يوليو 1952، تكررت في مصر، بأشكال مختلفة، ظاهرة صعود الحاكم إلى مرتبة الزعيم الذي تتعلق به الآمال، ثم تتراجع المساءلة أمام شعارات الوطنية والإنجاز والاستقرار.

 

 

1. جمال عبد الناصر: صناعة الزعيم

 

جاء جمال عبد الناصر إلى الحكم في سياق سياسي واجتماعي شديد الاضطراب، وارتبط اسمه بمشروعات كبرى، مثل الإصلاح الاجتماعي، وتوسيع دور الدولة، والقومية العربية، ومقاومة الاستعمار. لكن صعوده صاحبه أيضًا تركيز واسع للسلطة، وتراجع للتعددية السياسية، وتقييد للمجال العام. وتحولت الناصرية إلى مشروع سياسي وفكري ارتبط بشخصه وبالدولة التي أقامها.

 

ثم جاءت هزيمة يونيو 1967 لتكشف خطورة غياب الرقابة السياسية الفعالة، وضعف القدرة على مراجعة القرارات الكبرى ومحاسبة المسؤولين عنها. لقد كانت الهزيمة العسكرية كارثة وطنية، وخسرت مصر سيناء في تلك الحرب، قبل أن تستعيدها لاحقًا عبر مسار طويل من الصراع والتفاوض. وكان من الضروري أن تفتح الهزيمة بابًا لمراجعة شاملة لطبيعة الحكم، ومؤسسات الدولة، وآليات اتخاذ القرار.

 

لكن السؤال الذي يظل قائمًا هو: لماذا يصبح نقد الحاكم في أوقات الصعود أمرًا صعبًا، بينما تتسع دائرة المحاسبة بعد وقوع الكارثة؟

 

 

2. أنور السادات: من الزعامة إلى بطل الحرب والسلام

 

بعد وفاة عبد الناصر، انتقلت مصر إلى عهد أنور السادات. وتغيرت الشعارات، وتبدلت التحالفات، وأعيد تشكيل صورة الحاكم في الوعي العام. ارتبط السادات بعبور أكتوبر 1973، ثم بمبادرة السلام مع إسرائيل واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. ورأى مؤيدوه في هذه الخطوات إنجازات تاريخية، بينما وجّه معارضوه انتقادات حادة إلى سياساته الاقتصادية وخياراته السياسية، ولا سيما الانفتاح الاقتصادي وما ترتب عليه من اختلالات اجتماعية، وإلى طبيعة النظام السياسي وحدود الحريات العامة. وبينما اختلف المصريون حول سياساته، بقيت ظاهرة صناعة الصورة الشخصية للحاكم حاضرة في الحياة العامة.

 

ثم انتهى حكم السادات باغتياله في تشرين الأول/أكتوبر 1981، في مشهد مأساوي كشف عن عمق الانقسامات السياسية والعنف الذي يمكن أن ينتج عن انسداد المجال العام.

 

والدرس هنا ليس إنكار ما حققه السادات أو تجاهل إخفاقاته، بل التأكيد أن الدولة لا يجوز أن تختزل في صورة رئيس، مهما كانت مكانته التاريخية.

 

 

3. حسني مبارك: من بطل أكتوبر إلى الرئيس الذي طال بقاؤه

 

جاء حسني مبارك إلى الحكم بعد اغتيال السادات، وارتبطت بدايات عهده بخطاب الاستقرار واستمرار مؤسسات الدولة. ومع مرور السنوات، تحولت الاستمرارية إلى بقاء طويل في السلطة، وتزايدت الانتقادات المتعلقة بالفساد، وتراجع المشاركة السياسية الفعلية، وتضييق المجال العام، وتفاوت الفرص الاقتصادية والاجتماعية. وبقيت صورة الرئيس، وما أحاط بها من خطاب رسمي وإعلامي، جزءًا من منظومة سياسية لم تنجح في بناء تداول مستقر للسلطة.

 

وفي عام 2011، خرج ملايين المصريين مطالبين بالتغيير، وانتهى حكم مبارك. لكن سقوط الرئيس لم يكن كافيًا وحده لبناء نظام ديمقراطي مستقر؛ فإسقاط الحاكم شيء، وبناء المؤسسات والقواعد التي تمنع إعادة إنتاج الاستبداد شيء آخر تمامًا.

 

 

4. من الثورة إلى عودة الحكم شديد التركيز

 

بعد ثورة يناير، وصل محمد مرسي إلى الرئاسة عبر انتخابات تنافسية، وكان أول رئيس مدني منتخب يتولى المنصب في مصر. لكن عهده شهد صراعات سياسية ودستورية حادة، وانقسامات مجتمعية عميقة، وأزمات في إدارة الدولة. وفي تموز/يوليو 2013، أُطيح به بتدخل القوات المسلحة، ثم صعد عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة عام 2014.

 

ومنذ ذلك الحين، تعززت مركزية السلطة التنفيذية في ظل نظام رئاسي شديد التركيز، بينما استمرت الخلافات بشأن الحريات السياسية، والتعددية، والمشاركة العامة، وأولويات الاقتصاد وإدارة الدولة.

 

وهنا نصل إلى السؤال الجوهري: هل تكمن الأزمة في أسماء الرؤساء وحدها، أم في بنية النظام التي تسمح بإعادة إنتاج مركز واحد للسلطة، مهما تغيرت الأسماء والشعارات؟ إن تغيير الحاكم، من دون تغيير القواعد التي تحكم علاقته بالدولة والمجتمع، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة نفسها.

 

 

ثانيًا: هل لا يصلح المصريون إلا لحاكم عسكري؟

 

قد يبدو هذا السؤال قاسيًا، لكنه يعبر عن مأزق سياسي يستحق النقاش.. هل اعتاد المجتمع المصري البحث عن الحاكم القوي الذي يعده بالخلاص، حتى عندما تكون قوة الحاكم على حساب المؤسسات؟ وهل يمكن أن تؤدي الأزمات الاقتصادية والأمنية والخوف من الفوضى إلى قبول تركيز السلطة في يد شخص واحد؟

 

هذه أسئلة لا يجوز الإجابة عنها بتعميمات تتهم شعبًا كاملًا بطبيعته أو تاريخه. فالمجتمع المصري ليس كتلة واحدة؛ إذ يضم اتجاهات ومصالح وتجارب مختلفة، وقد شهد احتجاجات ومطالبات متكررة بالحرية والمحاسبة والتغيير. لكن هناك مشكلة حقيقية عندما يصبح المواطن مستعدًا للتنازل عن حقه في الرقابة مقابل وعد بالاستقرار، أو حين يعتقد أن الدولة لا يمكن أن تعمل إلا إذا كان لها زعيم فوق المؤسسات.

 

المشكلة ليست في حاجة مصر إلى رجل قوي، بل في الاعتقاد بأن قوة الدولة لا تتحقق إلا بسلطة رجل واحد. الدولة القوية هي التي تستمر مؤسساتها عندما يتغير الرئيس، والتي يستطيع فيها البرلمان مراقبة الحكومة، والقضاء تطبيق القانون، والإعلام كشف أوجه القصور، والمواطن التعبير عن رأيه دون خوف. أما الدولة التي تتوقف على إرادة شخص واحد، فهي معرضة لأن تتحول إنجازاتها وإخفاقاتها إلى رهينة لقراراته.

 

 

ثالثًا: لماذا أرى أن النظام البرلماني يستحق أن يكون محور الإصلاح؟

 

إذا كانت الديمقراطية هي الهدف، فإن اختيار نظام الحكم ليس مسألة شكلية. فالدستور لا يكتفي بتحديد الحقوق والحريات، بل يوزع السلطة، وينظم الرقابة، ويحدد كيفية تشكيل الحكومة ومحاسبتها وعزلها.

 

ولا يعني ذلك أن النظام البرلماني يضمن الديمقراطية تلقائيًا، أو أن النظام الرئاسي يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد. فهناك دول ذات أنظمة رئاسية ديمقراطية، كما توجد أنظمة برلمانية تعاني من ضعف التعددية أو هيمنة حزب واحد. لكنني أرى أن النظام البرلماني يستحق أن يكون خيارًا جادًا للإصلاح الدستوري في مصر، لأنه يمكن أن يقلل من تمركز السلطة التنفيذية في يد رئيس واحد، إذا صُمم على أساس مؤسسات مستقلة ورقابة فعالة وتداول حقيقي للسلطة.

 

في النظام البرلماني، تنبثق الحكومة من الأغلبية البرلمانية، أو من ائتلاف قادر على نيل ثقة البرلمان، وتظل مسؤولة أمامه. ويمكن إسقاط الحكومة أو تغييرها وفق قواعد دستورية محددة، من دون أن يتحول كل خلاف سياسي إلى أزمة تهدد الدولة بأكملها. وهنا تكمن الفكرة الأساسية: بدلًا من أن يختار المجتمع شخصًا واحدًا ثم ينتظر منه حل مشكلاته كلها، يصبح مطالبًا باختيار ممثليه ومحاسبتهم على برامجهم، ومتابعة أداء الحكومة التي تستمد شرعيتها من البرلمان. وبذلك تتحول السياسة تدريجيًا من البحث عن الزعيم المنقذ إلى التنافس بين البرامج، ومن الولاء للأشخاص إلى الالتزام بالقواعد والمؤسسات.

 

 

رابعًا: الحل المقترح.. الهدم وإعادة البناء الدستوري والقانوني

 

إن الانتقال إلى نظام برلماني لا يمكن أن يتم بمجرد تعديل مادة أو تغيير اسم منصب، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لبنية الدولة الدستورية والقانونية، وإلى مرحلة انتقالية منظمة تمنع الفراغ والفوضى.

 

وأقترح أن يقوم الإصلاح على المبادئ التالية:

 

1. إعادة بناء النظام من أسفل إلى أعلى

 

يجب أن يبدأ بناء الحياة السياسية من المجتمع المحلي، لا من قمة السلطة. ويعني ذلك تطوير انتخابات تنافسية حقيقية في المجالس المحلية، ثم بناء مؤسسات تمثيلية فعالة على مستوى المراكز والمحافظات، وصولًا إلى البرلمان الوطني. فالقرية والمركز والمحافظة ليست مجرد وحدات إدارية؛ إنها ساحات يمكن أن يتعلم فيها المواطنون المشاركة والمحاسبة، ويمكن أن تظهر من خلالها قيادات سياسية تمتلك خبرة عملية في إدارة الشأن العام.

 

لكن نجاح هذا المسار يتطلب ضمانات انتخابية وقضائية، وحرية التنظيم والتعبير، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، حتى لا تتحول الانتخابات المحلية نفسها إلى امتداد للهيمنة القائمة.

 

2. إصلاح الحياة الحزبية دون فرض تعددية شكلية

 

أرى ضرورة إصلاح النظام الحزبي بحيث تقوم المنافسة على برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، لا على مجرد الأسماء والشعارات. وقد طرحتُ فكرة الحد من عدد الأحزاب إلى أربعة أحزاب رئيسية، بهدف تشجيع تكوين تيارات سياسية واسعة وقادرة على تشكيل حكومات مستقرة بدلًا من تفتيت الحياة السياسية.

 

لكن ينبغي التعامل مع هذا المقترح بحذر دستوري؛ ففرض سقف عددي على الأحزاب قد يقيد حرية تكوينها ويستبعد تيارات مشروعة من المشاركة. لذلك يمكن بحث بدائل، مثل وضع قواعد شفافة للتمويل، وضمان الديمقراطية الداخلية، وتيسير الاندماج الطوعي للأحزاب المتقاربة، وتطبيق شروط عادلة للتمثيل الانتخابي. المطلوب ليس تقليل عدد الأحزاب بأي ثمن، بل بناء تعددية حقيقية تمنح المواطن خيارات واضحة، وتسمح بتشكيل حكومات قابلة للمحاسبة.

 

3. مرحلة انتقالية لا تقل عن أربع سنوات

 

أقترح فترة انتقالية مدتها أربع سنوات على الأقل، تُخصص لإعادة بناء المؤسسات الدستورية والقانونية والحزبية والمحلية، وفق جدول زمني معلن وضمانات ملزمة. وخلال هذه المرحلة، يمكن تشكيل هيئة انتقالية مؤقتة لإدارة شؤون الدولة، وحكومة انتقالية ذات اختصاصات محددة، تخضعان للرقابة والمحاسبة، وتلتزمان بعدم تحويل المرحلة الانتقالية إلى وسيلة لتمديد الحكم أو احتكار السلطة.

 

ويجب أن يتضمن الإطار الانتقالي:

 

  • جدولًا زمنيًا معلنًا لإعداد القواعد الدستورية والقانونية الجديدة.

 

  • ضمان استقلال القضاء والجهة المشرفة على الانتخابات.

 

  • حرية تأسيس الأحزاب وممارسة النشاط السياسي السلمي.

 

  • تنظيم انتخابات محلية وبرلمانية تنافسية وفق مراحل واضحة.

 

  • ضمان الحقوق الأساسية وحرية التعبير والإعلام والتنظيم.

 

  • تحديد صلاحيات الهيئات الانتقالية ومنعها من تجاوز التفويض الممنوح لها.

 

  • آلية مستقلة لمراقبة تنفيذ الجدول الزمني، مع ضمانات تمنع تمديد المرحلة الانتقالية دون ضرورة دستورية واضحة.

 

وأشدد هنا على أن السنوات الأربع ليست هدفًا في ذاتها، ولا ينبغي أن تتحول إلى فترة حكم استثنائية مفتوحة؛ بل يجب أن تكون مرحلة محددة الأهداف والسلطات والنهاية.

 

4. تشكيل حكومة انتقالية مسؤولة، لا سلطة فوق المحاسبة

 

أقترح الابتعاد عن استخدام تعبير "المجلس الرئاسي" إذا كان سيعيد إنتاج صورة السلطة الشخصية أو الغموض في توزيع المسؤوليات. والأهم من الاسم هو تحديد طبيعة الهيئة الانتقالية، وطريقة اختيار أعضائها، وحدود اختصاصاتها، وكيفية محاسبتهم، فلا يكفي تغيير أسماء المؤسسات إذا ظلت الصلاحيات مركزة في أيدي أشخاص لا يخضعون لرقابة فعالة.

 

وينبغي أن تكون الحكومة الانتقالية مسؤولة أمام هيئة تمثيلية مستقلة، وأن تكون قراراتها قابلة للمراجعة القانونية، وأن تلتزم بمهمة محددة تنتهي بانتهاء المرحلة الانتقالية.

 

5. إصلاح لغة الخطاب السياسي

 

قد تبدو الدعوة إلى التخلي عن ألقاب مثل "فخامة" و"الباشا" مسألة لغوية، لكنها تحمل في رأيي دلالة سياسية مهمة. فاللغة التي ترفع الحاكم فوق المواطن قد تسهم في تكريس ثقافة التبعية، بينما تؤكد اللغة الديمقراطية أن المسؤول العام موظف في خدمة الدولة والمجتمع، وليس صاحب امتياز شخصي فوق الناس.

 

وأقترح اعتماد خطاب رسمي بسيط يقوم على احترام المنصب دون تقديس شاغله، واستخدام الألقاب المهنية والدستورية المحايدة، مثل "الرئيس" و"رئيس الوزراء" و"النائب"، دون مبالغة في التعظيم. فكرامة الدولة لا تحتاج إلى ألقاب ضخمة، وهيبة المسؤول لا ينبغي أن تأتي على حساب كرامة المواطن.

 

 

خامسًا: ما الضمانة الحقيقية لعدم ظهور ديكتاتور جديد؟

 

قد يعترض البعض قائلًا: ما الذي يمنع أن يتحول رئيس الوزراء في النظام البرلماني إلى حاكم مستبد، أو أن يحتكر حزب واحد البرلمان والحكومة؟ هذا اعتراض وجيه، ويجب أن تكون الإجابة عنه واضحة: لا يوجد نظام دستوري يضمن الديمقراطية بمجرد اسمه.

 

ولذلك، فإن الانتقال إلى النظام البرلماني يجب أن يصاحبه بناء مجموعة متكاملة من الضمانات:

 

- برلمان منتخب بحرية: يتمتع بصلاحيات حقيقية في التشريع والرقابة.

 

- قضاء مستقل: يحمي الحقوق والحريات، ويراقب دستورية القوانين وفق قواعد واضحة.

 

- انتخابات نزيهة: تتيح تداول السلطة وتمنع التلاعب بإرادة الناخبين.

 

- إعلام حر: يستطيع مساءلة الحكومة وكشف الفساد دون خوف.

 

- أحزاب ديمقراطية: تقوم على البرامج والتنافس الداخلي، لا على عبادة القائد.

 

- إدارة عامة مهنية: تعمل وفق القانون، لا وفق الولاء الشخصي.

 

- رقابة مالية فعالة: تضمن الشفافية في الإنفاق العام ومحاسبة المسؤولين.

 

- حقوق دستورية لا يجوز إهدارها: تحمي المواطنين والأقليات السياسية من استبداد الأغلبية.

 

ويجب كذلك التفكير في قواعد تمنع احتكار السلطة، مثل تنظيم مدة رئاسة الحكومة، وتعزيز الرقابة البرلمانية، ووضع ضوابط واضحة لحل البرلمان، واعتماد آليات دستورية تمنع استخدام حالة الطوارئ لتجاوز المؤسسات. فالهدف ليس استبدال ديكتاتور رئاسي بديكتاتور برلماني، بل بناء نظام يجعل الاستبداد أصعب، والمحاسبة أسهل، وتداول السلطة أمرًا طبيعيًا.

 

 

خاتمة: لا يكفي أن يسقط الديكتاتور

 

إن مصر لا تحتاج إلى صناعة زعيم جديد، ولا إلى البحث عن منقذ آخر يحمل لقبًا جديدًا وشعارات جديدة؛ إنها تحتاج إلى تغيير القواعد التي تجعل المجتمع والدولة معتمدين على إرادة شخص واحد. فإذا رحل رئيس وجاء آخر، وبقي الدستور على حاله، وظلت المؤسسات ضعيفة، واستمرت الحياة الحزبية مقيدة، ولم تتوافر رقابة حقيقية على السلطة، فإن احتمال إعادة إنتاج الأزمة سيظل قائمًا.

 

ولذلك، فإن جوهر الإصلاح ليس استبدال اسم باسم، بل الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن التبعية السياسية إلى المواطنة، ومن التفويض المطلق إلى المساءلة الدائمة.

 

قد يختلف معي البعض في تشخيص تاريخ مصر أو في اختيار النظام البرلماني، وهذا حقهم، لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه هو أن الدولة لا يمكن أن تبنى على تقديس الحاكم، وأن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد إجراء انتخابات، بل تحتاج إلى قواعد عادلة ومؤسسات مستقلة وثقافة سياسية تقبل الاختلاف.

 

إن الشعب الذي يمنح الحاكم سلطة بلا رقابة قد يساهم في صناعة استبداده، والشعب الذي يبني مؤسسات قادرة على محاسبته يستطيع أن يمنع تكرار التجربة. وإذا أردنا لمصر مستقبلًا مختلفًا، فعلينا أن نبدأ من السؤال الصحيح: ليس من هو الزعيم القادم؟ بل كيف نبني نظامًا لا يحتاج إلى زعيم فوق القانون؟

 

هذه هي القضية التي أطرحها للنقاش: إعادة بناء دستوري وقانوني من أسفل إلى أعلى، وانتقال مدروس نحو نظام برلماني حقيقي، تكون فيه السلطة مسؤولية مؤقتة، لا ملكية شخصية، وتكون فيه الدولة أكبر من أي حاكم.