تتصاعد وتيرة الابتزاز العلني والضغوط السياسية التي يمارسها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ضد رجال الأعمال منذ عام 2013، لفرض تبرعات قسرية لصندوق "تحيا مصر"، وانتزاع ملكية الشركات والصحف، مقابل منح المقربين مشروعات بالأمر المباشر وشراكات حكومية مشبوهة.
وبالتزامن مع هذا النهج القائم على المصالح والترهيب، برز اسم هشام طلعت مصطفى كأكبر مطور عقاري، عقب منحه عفوا في 23 يونيو 2017 أنهى ثلاثة أرباع عقوبته البالغة 15 عاما في قضية مقتل اللبنانية سوزان تميم عام 2008.
تمدد عقاري واسع بالأمر المباشر
وعقب ذلك العفو، سمحت السلطة للملياردير المفرج عنه بالتوسع طوال 9 سنوات من نقطة انطلاقه في "مدينتي" المؤسسة عام 2006، ليلتهم أراضي العاصمة الجديدة وسواحل البحرين المتوسط والأحمر، متمددا نحو أسواق السعودية والعراق وعمان بلا قيود.
وفي هذا السياق، اقتنصت مجموعته مشروع "سيليا" على مساحة 500 فدان عام 2018، أعقبه مشروع "مدينة نور" بمساحة 5000 فدان عام 2021، ثم مشروع "ساوث ميد" على 23 مليون متر مربع عام 2024، ومشروع "ذا سباين" بطول 5 كيلومترات.
إلى جانب ذلك، استحوذت المجموعة عبر ذراعها "آيكون" على 39% من سبعة فنادق تاريخية عام 2023، بينما شرعت في تشييد مدينة "بنان" بالرياض بمبيعات تقدر بنحو 12 مليار دولار، بالشراكة مع "روشن" السعودية لبناء 55000 وحدة سكنية.
فضلا عن ذلك، امتدت شراكاته لتشمل صندوق الاستثمارات العامة في 4 مدن سعودية، بالتوازي مع بناء مدينة قرب مطار بغداد بمبيعات تقارب 18.8 مليار دولار، وتطوير مدينة "يامال" الساحلية في مسقط، بدعم سلطوي غير مسبوق.
وفي تطور لافت، شهد منتدى مصر 2026 إسناد 4 مشروعات جديدة للمجموعة، أولها شمال "مدينتي" على 5 ملايين متر مربع باستثمارات 3.2 تريليون جنيه، وثانيها غرب الإسكندرية على 11.3 مليون متر مربع باستثمارات تتراوح بين 1.3 و 1.7 تريليون جنيه.
علاوة على ما سبق، شملت الصفقة مشروع "أبوقير" بمساحة 10 ملايين متر مربع باستثمارات 5 تريليونات جنيه، ومشروعا بالساحل الشمالي على 10.4 مليون متر مربع باستثمارات 970 مليار جنيه، بزعم تحصيل ضرائب قدرها 2.4 تريليون جنيه وتوفير 6 ملايين وظيفة.
ورغم ضخامة هذه الأرقام البالغة مساحتها 37 مليون متر مربع باستثمارات 11 تريليون جنيه أي 205.61 مليار دولار، تكتمت "الهيئة العامة للاستعلامات" على حصة الخزانة العامة والعوائد المحصلة، متجاهلة ضوابط قانون التعاقدات رقم 182 لسنة 2018 وقانون 67 لسنة 2010.
ومن الناحية القانونية، تحصر المادة 62 من قانون التعاقدات حالات الإسناد بالأمر المباشر في 7 استثناءات طارئة وعاجلة تستوجب تقديم عروض أسعار، وهو ما تم القفز عليه لتمرير الأراضي بعيدا عن المناقصات العلنية التي تضمن حقوق الخزانة.
وفي هذا الصدد، يؤكد الأكاديمي ومستشار المحاسبة والمالية الإسلامية والتطوير الاستراتيجي الدكتور علي شيخون، أن منح أراض شاسعة لمستثمر واحد دون مناقصة يمثل خطأ اقتصاديا لـ 3 أسباب، أولها إهدار المال العام وحرمان الدولة من عوائد المنافسة.
ومن زاوية أخرى، يحذر الدكتور علي شيخون من تمركز المخاطر الهيكلية بعد منح كيان واحد 37 مليون متر مربع باستثمارات 11 تريليون جنيه، فأي أزمة سيولة أو تعثر مالي لهذا الكيان سيهدد استقرار القطاعين العقاري والمصرفي بأكملهما.
كما يلفت الخبير الاقتصادي إلى أن هذا الأسلوب يشوه السوق ويقتل المنافسة، عبر حرمان الشركات المتوسطة والصغيرة من فرص النمو وتكريس الاحتكار الفعلي، مما يضعف الابتكار ويخالف مبدأ تكافؤ الفرص المشروط بتحقيق المصلحة العامة لا الخاصة.
ابتزاز علني ومقايضة الامتيازات بالولاء
وتحت وطأة أزمة مالية طاحنة وقفزة في الدين الخارجي ليتخطى 166.45 مليار دولار مع استحقاقات تبلغ 60.9 مليار دولار بالعام المالي الحالي، تحول قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى جابي أموال يفتش في دفاتر حلفائه ويطمع في مكاسبهم.
وخلال استعراض حصاد 12 عاما من حكمه بمنتدى مصر، وعقب إعلان طلعت مصطفى تحقيق مبيعات بقيمة 530 مليار جنيه بمشروع "ساوث ميد"، فاجأه بطلب بناء 200000 وحدة سكنية مجتمعية، معايره بمنحه 4 مشروعات بقيمة 11 تريليون جنيه.
وما إن حاول رجل الأعمال التذكير بمساهماته المجانية في مشروعات "حياة كريمة" و"تحيا مصر"، حتى قاطعه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بلغة تهديد فجة، مطالبا بانتزاع 1% من عوائده أي نحو 100 مليار جنيه، ليرضخ المطور العقاري فورا.
ولم تكن هذه الواقعة استثناء، إذ تكرر سيناريو الإسناد والابتزاز على الهواء في ديسمبر 2021، حينما أُجبر المقاول محمود سعيد على بناء جسر في "دشنا" خلال عام واحد مع استلام 25% فقط من التكلفة، دون قدرة على الرفض.
وتعليقا على هذا المشهد، يوضح الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمود وهبة أن التهديد العلني يضرب استقرار بيئة الأعمال لـ 2 من الأسباب الجوهرية، أولهما تقويض سيادة القانون وتغيير الالتزامات التعاقدية بقرارات فردية عشوائية تثير ذعر المستثمرين.
وبالإضافة إلى ذلك، يبين الدكتور محمود وهبة أن السبب الثاني يتمثل في تحويل المسؤولية المجتمعية إلى إتاوة قسرية بقيمة 100 مليار جنيه تفرض بانتقائية، مما يرسخ معادلة "الامتياز مقابل الولاء" ويجبر المنتفعين على رد الجميل لتمويل عجز النظام.
عصف بالمخالفين وتهجير قسري للثروات
وعلى الجانب الآخر، يواجه كل رجل أعمال يرفض التنازل عن حصص من شركاته مصيرا قاسيا، مثلما حدث مع مالك "جهينة" صفوان ثابت ونجله باعتقالهما عام 2020، مع استمرار حبس شقيقه حتى اليوم، للسطو على إمبراطوريتهم الغذائية.
وبنفس القبضة الأمنية، جرى التنكيل بمالك فروع "التوحيد والنور" سيد السويركي عام 2020، بعد سنوات من اعتقال رجل الأعمال حسن مالك عام 2015، في رسالة ترهيب لكل من يغرد خارج سرب الجباية المفروضة من السلطة.
وفي سياق متصل، طال التوقيف مؤسس صحيفة "المصري اليوم" صلاح دياب عام 2015 لفرض تسويات مالية، وتعرض أحمد بهجت لملاحقات انتهت ببيع معظم أصوله عام 2017، بينما سُجن حسن راتب مالك قناة "المحور" عام 2021 بعد تجريده من شركاته.
واستكمالا لمخطط السيطرة، انتزع النظام ملكية قنوات "سي بي سي" و"أون تي في" و"الحياة" و"دريم" من محمد الأمين ونجيب ساويرس والسيد البدوي وحسن هيكل، مستوليا على عشرات الصحف والشركات لتأميم المجال العام والخاص.
ونتيجة لهذه الضغوط المتواصلة للتبرع لصندوق "تحيا مصر"، اضطرت عائلات رأسمالية كبرى مثل عائلة ساويرس إلى نقل مقرات شركاتها الرئيسية للخارج، وتأسيس كيانات استثمارية في مناطق "أوفشور" لحماية ثرواتها من المصادرة والابتزاز.
بالتوازي مع ذلك، لجأ رجال أعمال بارزون لشراء جنسيات أجنبية كطوق نجاة، حيث حصل محمد زكي السويدي على جنسية "سانت كيتس آند نيفس"، واقتنص كامل أبوعلي جنسية الدومينيكان، بينما احتمى محمد منصور بجنسيته البريطانية ولقب "سير".
وبالمثل، سارعت ياسمين وفريدة ابنتا الراحل فريد خميس، مالكتا "النساجون الشرقيون"، إلى تسجيل شركة في بريطانيا، وهي الخطوة ذاتها التي اتخذها ملاك شركة "دومتي"، هربا من بيئة استثمارية تحكمها الجباية وتفتقر لأدنى الضمانات القانونية.
وإزاء هذا النزيف الرأسمالي، يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور مصطفى شاهين أن التعامل مع المستثمرين بمنطق التبعية المماثل لعلاقة النظام بدول الخليج، يدفع الثروات الوطنية للهروب، بهدف إبقاء السوق خاضعا لسيطرة السلطة وإخراج المستقلين.
وعلاوة على ما تقدم، يشدد الدكتور مصطفى شاهين على أن ربط بقاء المستثمر في السوق بمدى استعداده لإعادة رسملة مشروعات السلطة ودفع الإتاوات غير الرسمية، يدمر البنية الإنتاجية ويحول الاقتصاد إلى إقطاعيات تدار بالأمر المباشر.

