أثار قرار ماليزيا منع موظفي الحكومة من استخدام تطبيق الملاحة «ويز» تساؤلات بشأن أصول التطبيق وطرق التعامل مع بيانات مستخدميه، بعدما حذر رئيس الوزراء أنور إبراهيم من المخاطر الأمنية المرتبطة بخضوعه للقوانين الإسرائيلية. ويعيد القرار فتح ملف الخصوصية الرقمية، في ظل اعتماد ملايين الأشخاص حول العالم على تطبيقات الخرائط لتحديد مواقعهم واختيار طرق تنقلهم، ومن بينهم مستخدمون في الدول العربية.
ولا تقتصر التساؤلات على الجهة التي طورت التطبيق في بداياته، بل تمتد إلى طبيعة البيانات التي يجمعها، ومكان تخزينها، والجهات التي قد تتمكن من الوصول إليها بموجب القوانين المعمول بها. كما تعيد هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين شركات التكنولوجيا والجهات العسكرية والأمنية، وحدود الفصل بين الخدمات المدنية والتقنيات ذات الاستخدامات الاستخباراتية.
ماليزيا تفتح ملف أمن البيانات
أعلنت الحكومة الماليزية منع موظفي القطاع الحكومي من استخدام تطبيق «ويز»، في خطوة جاءت على خلفية مخاوف تتعلق بأمن المعلومات والبيانات الشخصية. وقال رئيس الوزراء أنور إبراهيم إن الحكومة تدرس المخاطر المحتملة لاستخدام التطبيق، مشيرا إلى ارتباطه بإسرائيل وخضوعه لقوانينها.
وأوضح إبراهيم، في منشور عبر حسابه على فيسبوك عقب ترؤسه اجتماعا للجنة الوطنية للأمن السيبراني، أن حماية بيانات المواطنين وهوياتهم تتطلب التعامل بحذر مع التطبيقات الرقمية التي تجمع معلومات عن المستخدمين.
ويعكس القرار اتجاها نحو إخضاع الأدوات التقنية المستخدمة داخل المؤسسات الحكومية لمراجعة أمنية، خاصة التطبيقات التي تعتمد على تحديد الموقع الجغرافي بصورة مستمرة أو تجمع معلومات عن أنماط الحركة والتنقل.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنسبة إلى الجهات الحكومية، التي قد يستخدم موظفوها التطبيقات خلال التنقل بين المكاتب والمنشآت الرسمية والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن صدور قرار الحظر لا يمثل في حد ذاته دليلا على ثبوت استخدام التطبيق في التجسس، وإنما يعكس مخاوف تتعلق بإمكانية الوصول إلى البيانات والضمانات القانونية المحيطة بها.
من مشروع إسرائيلي إلى شركة جوجل
تعود بداية «ويز» إلى عام 2006، عندما ظهر مشروع للخرائط يعتمد على مساهمات المستخدمين تحت اسم «فري ماب»، قبل إطلاق التطبيق رسميا عام 2008 بواسطة شركة «ويز موبايل» الإسرائيلية.
وتولى تأسيس الشركة شبتاي وأوري ليفين وأمير شينار، الذين عملوا معا في الجيش الإسرائيلي قبل انتقالهم إلى مجال التكنولوجيا. واعتمد المشروع على فكرة مشاركة المعلومات المرورية بين المستخدمين، بما يسمح بتحديث الخرائط ورصد الازدحام والحوادث والعوائق على الطرق بصورة مستمرة.
وفي يونيو 2013، استحوذت شركة جوجل الأمريكية على «ويز» مقابل نحو 1.3 مليار دولار، ليصبح التطبيق جزءا من منظومة خدمات الملاحة التابعة لها، مع احتفاظه بهويته وخصائصه التي تميزه عن تطبيقات الخرائط الأخرى.
وبمرور السنوات، توسع انتشار التطبيق عالميا، مستفيدا من قدرته على تقديم معلومات مرورية محدثة تعتمد على البيانات التي يشاركها المستخدمون. وتشير تقديرات نقلها التقرير الأصلي عن موقع «سنسور تاور» إلى وصول عدد مستخدميه إلى نحو 180 مليون مستخدم حول العالم، بينما أورد موقع «ورلد بوبيلشن ريفيو» تقديرا بنحو 500 ألف مستخدم في المنطقة العربية.
ويضع هذا الانتشار التطبيق ضمن الخدمات الرقمية التي يعتمد عليها مستخدمون في حياتهم اليومية، وهو ما يجعل مسألة حماية البيانات المرتبطة به موضع اهتمام يتجاوز حدود الدولة التي نشأ فيها.
صلات المؤسسين بالوحدة 8200
تتمثل إحدى النقاط التي تثير الجدل حول خلفية التطبيق في ارتباط مؤسسيه السابق بالوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
ووفقا لتقرير نشرته منصة «إرباك» الحقوقية المعنية بتتبع الشركات التي تربطها صلات بإسرائيل أو مؤسساتها العسكرية، فإن المؤسسين الثلاثة خدموا في الجيش الإسرائيلي قبل تأسيس الشركة. كما يشير الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي إلى أوري ليفين باعتباره أحد رجال الأعمال الذين خرجوا من المؤسسة العسكرية.
وتعد الوحدة 8200 من أبرز وحدات الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيلية، وتختص بجمع المعلومات وتحليل الاتصالات والبيانات الرقمية، فضلا عن تطوير قدرات تقنية تستخدم في مجالات استخبارات الإشارات والأمن السيبراني.
وتحيط السرية بجزء كبير من أنشطتها، بينما ارتبط اسمها بتقارير تتناول مراقبة الفلسطينيين وجمع المعلومات عن الاتصالات والتحركات. وأثارت تقارير سابقة أيضا تساؤلات بشأن استخدام تقنيات الحوسبة السحابية في معالجة كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.
لكن وجود صلات مهنية سابقة بين مؤسسي شركة تكنولوجية ومؤسسة عسكرية لا يكفي وحده لإثبات أن منتجات الشركة تستخدم لأغراض استخباراتية، أو أن بيانات العملاء تُنقل إلى جهات أمنية. ويتطلب إثبات ذلك أدلة مستقلة تتعلق بممارسات الشركة الفعلية، وآليات مشاركة المعلومات، والطلبات القانونية التي تتلقاها.
وتزيد هذه الخلفية من أهمية فحص سياسات الخصوصية والحوكمة التقنية، بدلا من الاكتفاء بالاعتماد على بلد المنشأ أو السير المهنية للمؤسسين.
مخاوف أوروبية بشأن الخصوصية
لم تبدأ التساؤلات بشأن «ويز» مع القرار الماليزي، إذ سبق أن تناولت تقارير صحفية أوروبية مخاوف مرتبطة بطريقة جمع بيانات المستخدمين وتبادلها وتخزينها.
وفي مايو 2025، نشرت منصة «فولو ذا موني» الاستقصائية تقريرا تناول مسألة نقل البيانات الشخصية إلى جهات تخضع لقوانين خارج الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى مخاوف بشأن تعامل المؤسسات الأوروبية مع شركات مرتبطة بإسرائيل.
وكانت 11 منظمة غير حكومية معنية بالحقوق المدنية قد وجهت رسالة مفتوحة إلى المفوضية الأوروبية في أبريل 2024، أعربت فيها عن مخاوف بشأن حماية البيانات في ضوء العلاقة بين التطبيق والبيئة القانونية الإسرائيلية، وفقا للتقرير نفسه.
وتتعلق إحدى نقاط الخلاف الأساسية بالقواعد التي تسمح بنقل البيانات الشخصية إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي. فالسماح بنقل البيانات لا يعني بالضرورة أن تلك الدول تتمتع بحرية مطلقة في الوصول إليها، لكنه يثير تساؤلات بشأن مستوى الحماية القانونية والرقابة المتاحة للمستخدمين.
كما تناولت تقارير صحفية المخاطر المحتملة المرتبطة بتخزين المعلومات على خوادم خارجية، ومدى وضوح سياسات الشركات بشأن الجهات التي تتلقى البيانات والأغراض التي تستخدمها من أجلها.
وتظل هذه المخاوف بحاجة إلى التمييز بين ما تثبته الوثائق والسياسات المعلنة، وما يطرحه الخبراء من احتمالات تستند إلى طبيعة البيانات والبيئة القانونية. فلا يكفي وجود خوادم في دولة معينة وحده لإثبات أن أجهزتها الأمنية تصل تلقائيا إلى كل ما تحتويه.
هل تستطيع إسرائيل الوصول إلى البيانات؟
يرتبط الجدل حول «ويز» بطبيعة المعلومات التي يحتاج إليها التطبيق لتقديم خدماته. فهو يعتمد على تحديد المواقع وتحديث حركة المرور، ويتيح للمستخدمين الإبلاغ عن الحوادث والازدحام وأماكن وجود بعض المخاطر على الطرق.
وتساعد هذه الخصائص في تحسين تجربة الملاحة، لكنها تعني أيضا أن الخدمة قد تتعامل مع معلومات تكشف أنماط الحركة اليومية، والطرق التي يسلكها الأشخاص بصورة متكررة، والأماكن التي يزورونها، وفقا لنوع البيانات التي يجمعها التطبيق وإعدادات الحساب المستخدمة.
وتزداد حساسية هذه المعلومات عندما تتعلق بأشخاص يعملون في مؤسسات حكومية أو يتحركون داخل منشآت استراتيجية. فقد يكشف تحليل بيانات الموقع، إذا كانت متاحة بصورة تفصيلية ومستمرة، أنماطا لا تظهر عند النظر إلى كل عملية تنقل منفردة.
وفي المقابل، لا توجد في المعلومات الواردة بالتقارير المشار إليها أدلة قاطعة تثبت أن إسرائيل تستخدم «ويز» للتجسس على مستخدميه العرب، أو أن أجهزة الاستخبارات تحصل بصورة مباشرة ومنتظمة على بياناتهم. ويجب الفصل بين احتمال الوصول إلى المعلومات بموجب قوانين معينة وبين إثبات حدوث هذا الوصول بالفعل.
وتتصل المسألة كذلك بالجهة التي تتحكم في البيانات بعد الاستحواذ على الشركة. فرغم انتقال ملكية «ويز» إلى جوجل عام 2013، فإن تحديد المسؤوليات القانونية يتطلب مراجعة شروط الخدمة وسياسات الخصوصية والكيانات التي تعالج البيانات، إلى جانب القوانين التي تنطبق على كل عملية معالجة أو نقل للمعلومات.
بيانات المواقع تتجاوز الملاحة
تنبع حساسية تطبيقات الخرائط من أن البيانات التي تجمعها قد تقدم صورة أوسع من مجرد تحديد الطريق إلى الوجهة المطلوبة. فمعلومات الحركة والازدحام والإبلاغ عن الحوادث يمكن أن تساعد في رسم خرائط تفصيلية للطرق، ورصد أنماط التنقل، وتحديد المواقع التي تشهد حركة متكررة.
وتتضاعف أهمية هذه المعلومات عندما تُدمج مع مصادر أخرى، مثل قواعد البيانات العامة أو المعلومات المتاحة على الإنترنت. وقد يؤدي الجمع بين مصادر متعددة إلى استنتاج أنماط عن الأفراد أو المؤسسات، حتى إذا لم تتضمن كل معلومة منفردة تفاصيل تعريفية مباشرة.
كما تثير التطورات في الذكاء الاصطناعي تساؤلات بشأن إمكانية استخدام مجموعات البيانات الكبيرة في التحليل والتنبؤ بالحركة. غير أن وجود هذه الإمكانية التقنية لا يثبت أن بيانات «ويز» تُستخدم بالفعل لتدريب أنظمة عسكرية إسرائيلية أو لتحديد أهداف في قطاع غزة، وهي مزاعم تحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة.
وتشبه هذه النقاشات المخاوف التي أثارتها الولايات المتحدة بشأن تطبيق «تيك توك» الصيني، عندما انصب الجدل على احتمال وصول جهات أجنبية إلى بيانات المستخدمين. لكن المقارنة بين الحالتين لا تعني تطابقهما من حيث الأدلة أو القوانين أو طبيعة ملكية الشركات وإدارتها.
وامتدت النقاشات بشأن «ويز» إلى دول أخرى في المنطقة، إذ أشار التقرير الأصلي إلى توجه العراق لحظر التطبيق بحلول نهاية ديسمبر 2026، عبر وزارة الاتصالات، بعد أن كان الموعد المقترح سابقا مطلع عام 2027.

