تتلقى الدبلوماسية المصرية صفعة استراتيجية قاسية مع وصول الفريق صدام حفتر إلى القاهرة، عقب خطوة برلمان طبرق المفاجئة بالتصديق على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع أنقرة في عام 2019.
​
​
ويعكس هذا التحرك المتسارع تآكل نفوذ نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي داخل ليبيا، بعدما راهن لسنوات طويلة على حلفاء شرق ليبيا لتأمين مصالحه الجيوسياسية في شرق المتوسط.

 

 

انهيار الرهان المصري على حلفاء الشرق
​
​
وفي هذا السياق، أهدر النظام المصري مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب لدعم معسكر الرجمة عسكريا وسياسيا، دون الحصول على ضمانات حقيقية تحمي الأمن القومي المصري من التقلبات.
​
​
علاوة على ذلك، جاء تصويت مجلس النواب الليبي الموالي لمعسكر حفتر لصالح الاتفاقية البحرية التركية بمثابة انقلاب صريح على تفاهمات القاهرة، التي اعتبرت الاتفاقية تهديدا مباشرا لمصالحها الاقتصادية.
​
​
ومن جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عصام عبدالشافي أن وصول صدام حفتر للقاهرة يهدف لاحتواء الغضب الشديد، بعد تمرير الاتفاقية التي تمنح تركيا تفوقا استراتيجيا في المتوسط.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، يؤكد الدكتور عصام عبدالشافي أن إدارة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي للملف الليبي افتقرت للرؤية الاستراتيجية، واعتمدت فقط على العسكرة وتجاهل المسارات الشعبية والمؤسسية.
​
​
ونتيجة لذلك، وجدت القاهرة نفسها معزولة عن صناعة القرار الفعلي في طبرق وبنغازي، حيث تغلبت المصالح البراغماتية والمكاسب المالية لحلفائها السابقين على التحالفات الإقليمية القديمة التي نسجتها الأجهزة.
​
​
ومن ناحية أخرى، تحاول وسائل الإعلام الموجهة في القاهرة تصوير الزيارة كخطوة للتنسيق المشترك، للتغطية على الفشل الذريع في منع البرلمان الليبي من تمرير الاتفاقية البحرية المثيرة للجدل.
​
​
ومع ذلك، تدرك الدوائر الدبلوماسية أن معسكر حفتر يستخدم ورقة التقارب مع أنقرة لابتزاز القاهرة سياسيا، وانتزاع اعتراف كامل بسلطته المطلقة وتوريث النفوذ داخل المؤسسة العسكرية في الشرق.
​
​
وبناء عليه، فإن الاكتفاء بإصدار بيانات الشجب من وزارة الخارجية المصرية يظهر حجم العجز الفعلي عن فرض خطوط حمراء حقيقية، على غرار التصريحات الاستعراضية التي أطلقت في 2020.

 

 

عجز الدبلوماسية المصرية أمام التمدد التركي
​
​
وفي المقابل، نجحت الدبلوماسية التركية بهدوء في تفكيك جبهة الخصوم داخل ليبيا، مستفيدة من التناقضات العميقة وتراجع الثقة في قدرة النظام المصري على توفير غطاء سياسي واقتصادي مستدام.
​
​
وفضلا عن ذلك، اكتفى وزير الخارجية بدر عبدالعاطي بإبلاغ نظيره التركي هاكان فيدان برفض القاهرة للتصديق البرلماني، وهو إجراء روتيني لا يغير من الواقع القانوني والسياسي الجديد شيئا.
​
​
وفي هذا الصدد، يوضح الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمود جمال أن رد الفعل التركي اتسم بالهدوء، حيث امتصت أنقرة الاعتراض المصري بعبارات دبلوماسية عامة حول مواصلة التشاور.
​
​
واستكمالا لهذه الرؤية، يشير الدكتور محمود جمال إلى أن نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي كبل يديه بالتبعية الاقتصادية، مما أفقده القدرة على المناورة الحقيقية في ملف غاز المتوسط.
​
​
وبالتزامن مع ذلك، تستثمر أنقرة هذا التصديق البرلماني لتعزيز موقفها التفاوضي في شرق المتوسط، وتثبيت حدودها البحرية التي ترفضها القاهرة وتعتبرها تعديا على مناطقها الاقتصادية الخالصة منذ 2019.
​
​
وعلى صعيد متصل، تراجعت مكانة مصر من فاعل رئيسي يفرض شروطه في الأزمة الليبية إلى طرف متلق يتعامل مع الأمر الواقع، ويكتفي بتسجيل الاعتراضات القانونية غير الملزمة للأطراف.
​
​
علاوة على هذا، فإن غياب التنسيق المسبق بين برلمان طبرق والقاهرة قبل جلسة التصديق يبرهن على أن صانعي القرار في شرق ليبيا لم يعودوا يخشون ردود الفعل المصرية.
​
​
ومن ثم، فإن محاولات الخارجية المصرية لوصف المذكرة بأنها معدومة الأثر القانوني تصطدم بواقع حصولها على شرعية تشريعية كاملة، من ذات البرلمان الذي طالما اعتبرته القاهرة الممثل الوحيد.

 

 

تداعيات المصادقة البرلمانية على غاز المتوسط
​
​
وعلى المستوى الاقتصادي، يفتح تصديق البرلمان الليبي الباب أمام الشركات التركية للتنقيب عن الطاقة في مناطق متداخلة، مما يهدد طموحات القاهرة في التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز.
​
​
وإلى جانب ذلك، تتعرض اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي وقعها النظام المصري مع اليونان وقبرص في 2020 لضغوط هائلة، بعدما كسبت المذكرة التركية الليبية غطاء تشريعيا من الشرق.
​
​
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب أن خسارة النفوذ السياسي في ليبيا تنعكس مباشرة على الاقتصاد المصري، عبر ضياع فرص استثمارية ضخمة في إعادة الإعمار.

وتأسيسا على ذلك، يضيف الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب أن السياسات الاقتصادية لنظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أضعفت القوة الشاملة للدولة، وجعلت الشركات المصرية عاجزة عن منافسة نظيرتها التركية.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، فإن استحواذ الشركات الأجنبية والإقليمية على عقود الإعمار والطاقة في بنغازي وطرابلس يحرم الخزينة المصرية من عوائد مالية بالعملة الصعبة، في وقت تتفاقم فيه الديون.
​
​
ومن جهة أخرى، تسعى زيارة صدام حفتر الحالية لتقديم تطمينات شكلية للقاهرة حول مشاريع الربط الكهربائي والعمالة، لتمرير الصفقة البحرية الكبرى مع أنقرة دون صدام مباشر مع مصر.
​
​
ومع هذا، تظل المصالح الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بسيادة مصر البحرية وحقوقها في ثروات المتوسط مرهونة بتوازنات إقليمية جديدة، صيغت تفاصيلها بعيدا عن غرف صنع القرار في العاصمة المصرية.
​
​
وبناء على ما تقدم، يدفع المواطن المصري وحده فاتورة هذه الإخفاقات الجيوسياسية المتتالية، التي فرطت في العمق الاستراتيجي الغربي لمصر وحولته إلى ساحة نفوذ للقوى الإقليمية والدولية المنافسة.
​
​
وفي نهاية المطاف، تبرهن تطورات أكتوبر 2026 على أن غياب المؤسسية وانفراد السلطة بالقرار الخارجي يؤديان حتما إلى تآكل الأمن القومي، وخسارة الحلفاء والمصالح في آن واحد.