يرهن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي دماء الجنود المصريين في بازار الصفقات الإقليمية، عبر تمرير موافقة برلمانية عاجلة يوم الاثنين لإرسال قوات ومعدات عسكرية نحو المملكة العربية السعودية.
وبينما تتفاقم الأزمات المعيشية الطاحنة داخل البلاد، سارع مجلس النواب برئاسة المستشار هشام بدوي إلى منح غطاء تشريعي فوري لتلك المغامرة الخارجية، متجاهلاً المخاطر المحدقة بالأمن القومي المصري على كافة الاتجاهات.
ارتهان القرار العسكري لدفتر الديون الخليجية
وفي هذا السياق، تبرز التبعية المالية المطلقة كمحرك رئيسي وراء قرار الزج بالجيش المصري في أتون الصراعات الإقليمية المشتعلة، حيث تسعى السلطة الحاكمة جاهدة لإرضاء الممولين الخليجيين وضمان تدفق الودائع الدولارية.
علاوة على ذلك، تزامنت هذه الخطوة المتسرعة في شهر أكتوبر مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الخانقة، ومطالبة الدائنين الدوليين بضرورة سداد التزامات مالية ضخمة تتجاوز مليارات الدولارات قبل حلول شهر ديسمبر المقبل.
ومن ثم، تتحول المؤسسة العسكرية من درع يحمي حدود الوطن إلى أداة سياسية تستخدمها السلطة لتسديد فواتير بقائها على كرسي الحكم، مما يفرغ العقيدة القتالية المصرية من مضمونها الدفاعي الأصيل والتاريخي.
فضلاً عن ذلك، فإن تحويل المهام القتالية إلى سلعة تفاوضية يهدر كرامة الجندي المصري، الذي يجد نفسه مدفوعاً لخوض معارك خارجية لا تخدم مصالح شعبه ولا تدفع خطراً حقيقياً عن حدود بلاده.
وإزاء هذه التطورات، يوضح الباحث المتخصص في العلاقات المدنية العسكرية الدكتور محمود جمال أن إرسال قوات مصرية للخارج حالياً يمثل توظيفاً سياسياً خطيراً للمؤسسة العسكرية، بهدف تأمين استمرار الدعم المالي الخليجي للسلطة.
ويضيف الدكتور محمود جمال أن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يتعامل مع القدرات الدفاعية للدولة باعتبارها أوراق مساومة، يدفع بها في التوقيت الذي يضمن له تجديد الودائع وتأجيل سداد الديون المستحقة.
كما يشير الباحث العسكري إلى أن غياب أي تهديد مباشر للأمن القومي المصري في الأراضي السعودية، يثبت أن المهمة المعلنة تفتقر لأي مبرر استراتيجي، وتندرج حصراً ضمن صفقات المقايضة السياسية والمالية المشبوهة.
وبناءً على ذلك، يفقد القرار السيادي المصري استقلاله الكامل، ليصبح مرهوناً بإرادة العواصم الدائنة التي تمتلك اليوم قرار تحريك الوحدات القتالية المصرية، وفقاً لحساباتها الإقليمية الخاصة بعيداً عن المصالح العليا للدولة المصرية.
توريط الجنود وتجاهل انهيار الجبهة الداخلية
وعلى صعيد متصل، نشرت منصة صدى مصر بياناً حاداً عقب الجلسة البرلمانية، أكدت فيه أن تفويض قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لإرسال تجهيزات عسكرية للسعودية، يعكس انحرافاً فجاً في أولويات السلطة الحاكمة.
وبدلاً من توجيه موارد الدولة الشحيحة لإنقاذ الجنيه المنهار الذي فقد أكثر من 50% من قيمته، تصر السلطة على تبديد المليارات في مهام عسكرية خارجية، تزيد من أعباء الموازنة العامة المثقلة بالعجز.
إلى جانب ذلك، يعاني المواطن المصري يومياً من كوارث انقطاع الكهرباء والغلاء الفاحش منذ شهر يوليو الماضي، في حين تنشغل دوائر صنع القرار بترتيب انتشار عسكري خارجي لحماية أنظمة أخرى بالمنطقة.
نتيجة لذلك، يتسع الشرخ بين الشارع المصري والسلطة التي تمارس السمسرة بأرواح أبناء الشعب في مغامرات غير محسوبة العواقب، متخلية عن واجبها الأساسي في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لملايين الفقراء.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور عبدالحافظ الصاوي أن الإنفاق على التحركات العسكرية الخارجية في ظل الأزمة المالية الراهنة، يستنزف الاحتياطي النقدي ويعمق من جراح الاقتصاد المصري المتداعي بشكل غير مسبوق.
ويتابع الدكتور عبدالحافظ الصاوي أن المقايضات السياسية التي تجريها السلطة عبر إرسال قوات للخارج مقابل وعود بمنح مالية، تفشل دائماً في معالجة الاختلالات الهيكلية، وتزيد من فاتورة خدمة الدين العام التي تلتهم الموازنة.
كذلك يشدد الخبير الاقتصادي على أن توجيه هذه المخصصات المالية الضخمة لدعم قطاعات الإنتاج والصحة والتعليم داخل مصر، كان سيوفر حصانة حقيقية للأمن القومي، بدلاً من المغامرة بمقدرات البلاد في صراعات إقليمية.
وهكذا، تستمر السياسات الرسمية في تهميش الأزمات الداخلية المتفجرة، مفضلة الهروب إلى الأمام عبر استعراض القوة خارج الحدود، بينما تنهار القوة الشرائية للمواطنين وتتآكل الطبقة الوسطى تحت وطأة التضخم المتصاعد منذ شهر يناير.
وبالتوازي مع ذلك، تتجاهل السلطة التحذيرات المتكررة من خطورة تفريغ الجبهة الداخلية من عناصر قوتها، وإشغال القوات المسلحة بمهام خارجية تستنزف طاقتها البشرية والمادية في توقيت يموج بالتقلبات الجيوسياسية المعقدة.
برلمان يمرر أجندة السلطة دون رقابة
ومن جهة أخرى، كشفت الجلسة العامة لمجلس النواب برئاسة المستشار هشام بدوي عن غياب تام لأي نقاش برلماني جاد، حيث جرى تمرير قرار إرسال القوات بسرعة قياسية تعكس طبيعة المجالس التشريعية الخاضعة للسلطة.
بل إن النواب وافقوا بالإجماع على تفويض قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي دون مساءلة الحكومة عن حجم القوات المشاركة، أو المدة الزمنية للمهمة، أو التكلفة المالية التي ستتحملها الخزانة العامة للدولة.
وعليه، تحول البرلمان إلى مجرد ختم رسمي يمرر قرارات السلطة التنفيذية، متخلياً عن دوره الدستوري في الرقابة وحماية أرواح الجنود المصريين من الزج بهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وفي سياق متصل، تغيب الشفافية بشكل مطلق عن تفاصيل هذا الانتشار العسكري الذي أقر في شهر أكتوبر، حيث تفرض السلطة تعتيماً إعلامياً صارماً يمنع الرأي العام من معرفة حقيقة المهام الموكلة لأبنائه.
وتأسيساً على ما سبق، يرى أستاذ القانون الدستوري الدكتور محمد شوقي أن الموافقة البرلمانية المتسرعة تفتقر للضمانات الدستورية الحقيقية، وتمثل تفويضاً على بياض يهدر مبدأ الفصل بين السلطات ويقوض الرقابة الشعبية.
ويوضح الدكتور محمد شوقي أن المادة 152 من الدستور تشترط إجراءات صارمة ومحددة لإرسال قوات للخارج، غير أن مجلس النواب برئاسة المستشار هشام بدوي تعامل مع الأمر كإجراء شكلي لتمرير إرادة السلطة التنفيذية.
كما يبين أستاذ القانون الدستوري أن غياب المبررات الموضوعية المتعلقة بالدفاع عن الأمن القومي المصري المباشر، يجعل من هذا القرار البرلماني غطاءً غير مشروع لعمليات عسكرية تخدم أجندات سياسية خاصة بالنظام الحاكم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استمرار احتكار قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لقرار الحرب والسلام دون رادع مؤسسي، يضع البلاد على حافة مخاطر استراتيجية كبرى، قد تجرها إلى مواجهات إقليمية مفتوحة ومدمرة.
وفي النهاية، يبقى الجيش المصري ملكاً للشعب وحامياً لأرضه، رغم محاولات السلطة المستمرة لتحويله إلى أداة للتأجير السياسي، ووقود لمعارك خارجية تهدف فقط لتأمين بقاء النظام في سدة الحكم.

