تواصلت موجة الانهيارات العنيفة داخل البورصة المصرية لتعصف بمدخرات آلاف المتعاملين، بعدما فقدت السوق نحو 170.8 مليار جنيه خلال جلسة الأحد، تلتها خسائر إضافية بلغت 46.3 مليار جنيه في ختام تعاملات الاثنين.
​
​
وتهاوت المؤشرات الرئيسية بشكل جماعي ومفزع يعكس حالة الذعر المالي، حيث هبط المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 3.56 بالمئة ليغلق عند 49,234 نقطة، وسط عجز حكومي كامل عن وقف نزيف الأسهم المتسارع.

 

 

تبخر المليارات وسقوط المؤشرات يفضحان الهشاشة
​
​
وفي هذا السياق، انزلق مؤشر الأسهم الصغيرة والمتوسطة EGX70 بنسبة كارثية بلغت 11.07 بالمئة ليستقر عند مستوى 15,282 نقطة، بينما انخفض المؤشر الأوسع نطاقا EGX100 بنسبة 8.88 بالمئة مسجلا 21,064 نقطة فقط.
​
​
وعلى صعيد متصل، تقلصت القيمة السوقية الإجمالية للشركات المدرجة إلى نحو 3.731 تريليون جنيه، بعدما اضطرت إدارة السوق إلى وقف التداول لمدة 30 دقيقة، في محاولة يائسة لفرملة البيع الجماعي الهستيري.
​
​
ومن ناحية أخرى، أرجع الخبير الاقتصادي هاني جنينة هذه التراجعات القاسية إلى 3 عوامل رئيسية، تتصدرها فقاعة التقييمات السعرية المبالغ فيها، خاصة في الأسهم الصغيرة، بالتوازي مع تصاعد المخاوف من التطورات السياسية.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، أشار جنينة إلى أن مؤشر EGX70 فقد بالفعل نحو 30 بالمئة من أعلى مستوى بلغه خلال العام، مما يبرهن على أن الصعود السابق كان وهميا ومدفوعا بتآكل قيمة العملة.
​
​
وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحافظ الصاوي أن هذا السقوط المدوي يرتبط جذريا بتشوهات السياسات المالية لنظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، التي حولت البورصة إلى ساحة للمضاربات السريعة.
​
​
علاوة على ذلك، أوضح الصاوي أن غياب الاستثمارات الإنتاجية الحقيقية جعل السوق هشة للغاية أمام الصدمات، حيث تتركز السيولة في قطاعات عقارية وخدمية تفتقر إلى القيمة المضافة القادرة على حماية رؤوس الأموال.
​
​
ومن جهته، أكد الصاوي أن تذرع المؤسسات الرسمية باستمرار الثقة في توجه البنك المركزي المصري نحو احتواء التضخم يتناقض تماما مع واقع التآكل اليومي للقوة الشرائية، وهروب المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
​
​
وبناء على ذلك، فإن الخسائر الفادحة التي التهمت مليارات الجنيهات في ساعات معدودة تثبت زيف الرواية الرسمية حول تعافي الاقتصاد، وتضع صغار المودعين في مواجهة مباشرة مع شبح الإفلاس وتبخر المدخرات.

 

 

استدراج الشباب لوهم الرواج وحصاد الخسائر
​
​
وعلى الرغم من الكارثة، خرج رئيس مجلس إدارة البورصة المصرية عمر رضوان لتصوير الانهيار باعتباره تصحيحا طبيعيا، متجاهلا حجم الذعر الذي أصاب المتعاملين عقب 3 سنوات من التضخم السعري المصطنع للأسهم.
​
​
وفي غضون ذلك، أقر رضوان بدخول نحو 600 ألف مستثمر جديد إلى السوق خلال العام الحالي، معظمهم من فئة الشباب تحت سن 30 عاما، والذين اندفعوا وراء الدعاية الحكومية الباحثة عن السيولة.
​
​
ومن هذا المنطلق، ألقى رئيس البورصة باللوم على هؤلاء الشباب الوافدين، متهما إياهم بالتخارج السريع والبيع الجماعي دون إدراك طبيعة الاستثمار طويل الأجل، في تنصل واضح من مسؤولية غياب الرقابة والشفافية.
​
​
وحول هذه الأزمة، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى عبد السلام أن استقطاب 600 ألف شاب دون سن 30 عاما إلى سوق مضطربة يمثل استدراجا خطيرا لمدخراتهم الصغيرة، في ظل انعدام فرص العمل.
​
​
وفضلا عن ذلك، شدد عبد السلام على أن لجوء إدارة البورصة إلى وقف التداول لمدة 30 دقيقة يعكس عمق الهلع المالي، ولا يمكن تبريره بأنه إجراء اعتيادي سبق تطبيقه في سنوات ماضية.
​
​
وإلى جانب ذلك، أوضح عبد السلام أن الارتفاعات التي شهدتها البورصة طوال 3 سنوات لم تكن ثمرة رواج اقتصادي حقيقي، بل كانت نتيجة مباشرة لانهيار الجنيه المصري والبحث الاضطراري عن التحوط.
​
​
وبالتالي، فإن تحميل صغار المتعاملين مسؤولية تعميق الخسائر يتغاضى عمدا عن دور الصناديق الكبرى والمضاربين المحترفين، الذين استغلوا اندفاع الشباب لتصريف الأسهم بأسعار متضخمة قبل بدء موجة الهبوط العنيفة.
​
​
وهكذا، تحولت البورصة في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي من أداة للتمويل والاستثمار التنموي إلى مصيدة مالية، تستنزف السيولة المتبقية في جيوب المواطنين الهاربين من لهيب الأسعار وتدهور العملة المحلية.
​
​
وبالتزامن مع تلك التطورات، تتزايد المخاوف من امتداد عدوى الخسائر إلى القطاع المصرفي، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من المتعاملين الأفراد على آلية الشراء بالهامش، مما يهدد بموجات تسييل إجباري قريبا.

 

 

هروب الأموال الساخنة يكذب رواية التعافي
​
​
وفيما يخص الاستثمارات الأجنبية، اعترف عمر رضوان بخروج المستثمرين الأجانب من السوق إثر الأزمات الجيوسياسية الراهنة، بعد فترة زعم أنها شهدت استقرارا نسبيا على مدار 2.5 عام في حركة دخولهم وخروجهم.

ومع ذلك، حاول رضوان تجميل المشهد بالادعاء أن بعض الأجانب عادوا مجددا، مستندا إلى مزاعم نمو الاقتصاد بأكثر من 5 بالمئة، وتحسن الاحتياطي النقدي، وارتفاع إيرادات السياحة وقناة السويس مقارنة بالعام الماضي.
​
​
وفي هذا الإطار، فند الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور عمرو عدلي هذه المزاعم، مؤكدا أن الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة طوال 2.5 عام هو السبب الجوهري وراء هشاشة السوق المالية المصرية.
​
​
علاوة على ما سبق، أوضح عدلي أن التباهي بتحقيق نسبة نمو تتجاوز 5 بالمئة لا ينعكس إطلاقا على المؤشرات الإنتاجية، بل يرتكز على ديون خارجية متراكمة ومشروعات لا تدر عوائد دولارية مستدامة.
​
​
ومن زاوية أخرى، أشار عدلي إلى أن هروب الأجانب عند أول هزة جيوسياسية يثبت عدم ثقتهم في قدرة الاقتصاد المنهك على الصمود، خلافا للتصريحات الرسمية التي تزعم جاذبية السوق المحلية للمستثمرين.
​
​
وبالإضافة لما ذكر، فإن التناقض الصارخ بين حديث المسؤولين عن استقرار سعر الصرف وبين التراجع التاريخي للجنيه أمام الدولار، يضعف مصداقية البيانات المتعلقة بزيادة إيرادات قناة السويس والسياحة والاحتياطي النقدي.
​
​
ونتيجة لذلك، تظل السوق المصرية رهينة لتقلبات الأموال الساخنة التي تدخل لجني أرباح سريعة من فروق أسعار الفائدة، ثم تفر هاربة تاركة خلفها أزمات عميقة في السيولة وضغوطا تضخمية مضاعفة.
​
​
وفي نهاية المطاف، تؤكد خسارة 170.8 مليار جنيه ثم 46.3 مليار جنيه في يومين متتاليين أن الأزمة هيكلية بامتياز، وأن المسكنات الإعلامية لن تفلح في إخفاء فشل السياسات الاقتصادية القائمة.