تشهد حركة الملاحة الجوية في ليبيا تحولًا تاريخيًا غير مسبوق، عقب صدور قرار أممي يقضي بإلغاء كافة القيود والتحذيرات الاحترازية المفروضة على استخدام المجال الجوي للبلاد منذ سنوات طويلة بسبب النزاعات المسلحة.
ومن جانبها، تستعد السلطات المختصة في طرابلس لاستقبال تدفقات هائلة من رحلات الطيران العابرة للقارات، وسط توقعات حكومية بانتعاش كبير في العوائد المالية وتطوير شامل لمنظومة الملاحة الجوية ومطارات البلاد خلال الفترة المقبلة.
إلغاء القيود الأممية على الأجواء الليبية
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة النقل الليبية في طرابلس، عبر صفحتها بموقع فيسبوك، عن إلغاء القيود والتحذيرات الاحترازية من استخدام المجال الجوي الليبي، والتي فرضتها منظمة الطيران المدني الدولي إيكاو في عام 2015.
وعلاوة على ذلك، أوضحت الوزارة أن هذا القرار الرسمي الصادر في يوم 23 أكتوبر الجاري، أعلنه الأمين العام للمنظمة خوان كارلوس سالاسار خلال افتتاح اجتماع مديري عموم الطيران بالشرق الأوسط في الدوحة.
وبناء على ذلك، أكدت وزارة النقل أن هذا الإجراء الدولي المهم يأتي نتيجة للتقدم الملحوظ، ويعكس حجم الثقة المتزايدة في قدرات قطاع الطيران المدني الليبي وإمكانياته الفنية والأمنية خلال الفترة الأخيرة على كافة المستويات.
ومن ناحية أخرى، أضافت الوزارة أن قرار منظمة إيكاو الجديد سيجري تعميمه بشكل رسمي على جميع الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، والبالغ عددها نحو 193 دولة حول العالم، وذلك للبدء الفوري في العمل بموجبه.
وجدير بالذكر أن منظمة الطيران المدني الدولي كانت قد أصدرت خلال عامي 2013 و 2015 تحذيرات أمنية وقيودا مشددة للغاية بشأن استخدام المجال الجوي الليبي ومطارات البلاد، على خلفية الاضطرابات الأمنية التي شهدتها الدولة آنذاك.
بالإضافة إلى ذلك، استمرت تلك التحذيرات الصارمة مفروضة على البلاد لأكثر من عقد كامل من الزمن، قبل الإعلان الرسمي عن إلغائها نهائيا في يوم 23 أكتوبر من عام 2026، وفق ما أكدته الحكومة الليبية.
طفرة قياسية في طلبات عبور الطيران
وفي سياق متصل، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية الليبية، أمس الثلاثاء، عن ارتفاع طلبات تصاريح عبور المجال الجوي للبلاد بأكثر من 30 ضعفا للموسم الشتوي المقبل، مقارنة بمتوسط رحلات العبور المسجلة خلال الموسم السابق.
ومن جهتها، أفادت الحكومة في بيان رسمي بأن طلبات تصاريح عبور المجال الجوي الليبي للموسم الشتوي 2026–2027 بلغت نحو 61.9 ألف رحلة شهريا، وذلك اعتبارا من شهر نوفمبر المقبل في قفزة تشغيلية كبرى.
وفي المقابل، سجلت الأجواء الليبية متوسط عبور بلغ نحو 2000 رحلة جوية شهريا فقط خلال الموسم السابق، ما يبرز الفارق الهائل في حجم الإقبال الدولي على استخدام المسارات الجوية الليبية بعد رفع الحظر عنها.
وبالتالي، تعادل الطلبات الجديدة المسجلة للموسم الشتوي المقبل نحو 31 ضعف متوسط رحلات العبور الشهرية التي شهدتها البلاد خلال الموسم السابق، وهو ما يمثل تحولا جذريا في نشاط الحركة الجوية العابرة فوق الأراضي الليبية.
ولهذا السبب، أرجعت حكومة الوحدة الوطنية هذه القفزة غير المسبوقة في أعداد الطلبات إلى إعلان منظمة الطيران المدني الدولي إيكاو، في يوم 23 أكتوبر الجاري، إلغاء كافة التحذيرات الأمنية المتعلقة باستخدام المجال الجوي الليبي.
وفضلا عن ذلك، أوضحت الحكومة الليبية أن هذه الخطوة الدولية الإيجابية عززت بشكل مباشر من فرص عودة شركات الطيران العالمية الكبرى إلى اعتماد الأجواء الليبية ممرا آمنا ورئيسيا لرحلاتها الجوية العابرة بين مختلف القارات.
عوائد اقتصادية مرتقبة وتجاوز لسنوات الفوضى
وعلى الصعيد الاقتصادي، توقعت الحكومة الليبية أن يسهم هذا النمو المرتقب والكبير في حركة الطيران العالمية العابرة للأجواء الليبية في تحقيق زيادة ملموسة ومباشرة في حجم إيرادات الخزانة العامة للدولة خلال الأشهر القليلة المقبلة.
ولهذا الغرض، أكدت الحكومة ضرورة مواصلة العمل على رفع الجاهزية الفنية والتشغيلية لمصلحة الطيران المدني الليبي، وذلك من أجل مواكبة الزيادة المتوقعة في حركة العبور الجوي وضمان أعلى معايير سلامة العمليات الجوية.
وبالعودة إلى الماضي، كانت دولة ليبيا قد انزلقت إلى حالة من الفوضى الأمنية والسياسية العارمة عقب الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي في عام 2011، ما أثر سلبا على كافة قطاعات النقل والملاحة والخدمات.
وعقب مرور نحو 3 سنوات على تلك الأحداث، اندلعت حرب أهلية طاحنة في البلاد، مما أدى في نهاية المطاف إلى انقسام ليبيا سياسيا وإداريا بين إدارتين متنافستين، تقع إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب.
ونتيجة لتلك الصراعات، ألحقت الحرب الأهلية العنيفة التي شهدتها البلاد في عام 2014 أضرارا مادية جسيمة بما يصل إلى نحو 20 طائرة مدنية، من بينها طائرات حديثة من طراز إيرباص، داخل مطار طرابلس الدولي.
وختاما، لا يوجد في الوقت الراهن سوى عدد قليل للغاية من شركات الطيران التجارية التي تسير رحلات جوية مباشرة من ليبيا وإليها، وسط آمال واسعة بأن ينهي القرار الأممي الأخير سنوات العزلة الجوية المفروضة.

