تندفع السلطات في القاهرة نحو التوسع النووي باهظ التكلفة برغم أزمة التضخم وشح العملات الصعبة، ساعية لإبرام تفاهمات جديدة مع موسكو لتشييد محطات إضافية تثقل كاهل الأجيال القادمة بالتزامات مالية دولية قاسية لا تتناسب مع الأولويات المعيشية.
في غضون ذلك، يسعى قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لتوريط الموازنة في مفاعلات إضافية بعد عام 2030، فضلاً عن وحدات عائمة لتحلية المياه، دون تقديم أي دراسات جدوى معلنة توضح مصادر سداد هذه الفواتير المليارية المرهقة.
رهانات الديون ومخاطر العجز المالي
بالتوازي مع ذلك، يرى أستاذ التمويل الدولي الدكتور ممدوح الولي أن الاندفاع نحو قروض موسكو يضاعف التبعية الاقتصادية، مؤكداً أن تمويل المشروع بالاستدانة الخارجية يرهن الموارد السيادية في وقت تعجز فيه الدولة عن سداد التزاماتها الدورية.
علاوة على ذلك، يشمل مشروع الضبعة تشييد 4 وحدات من طراز VVER-1200 بقدرة 1200 ميغاوات للوحدة وبإجمالي 4800 ميغاوات، ما يفرض تدفقات تمويلية ضخمة ترهق الخزينة العامة وتستنزف إيرادات بيع الطاقة قبل بدء توليدها.
من هذا المنطلق، يمثل الاتفاق مع روسيا على إضافة وحدة 5 لرفع القدرة الإجمالية إلى 6000 ميغاوات مضاعفة غير محسوبة للمديونية، تتجاهل اشتراطات سداد القروض الروسية بفوائد تراكمية بالغة الصعوبة في ظل انهيار سعر الصرف.
بالمقابل، جاء استبعاد العروض الدولية المقدمة من كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا وحصر البناء بروسيا ليرهن مستقبل قطاع الطاقة لجهة واحدة، متجاهلاً مخاطر العقوبات الدولية المفروضة على موسكو وتأثيراتها المحتملة على خطوط الإمداد وقطع الغيار.
نتيجة لذلك، يوظف النظام شراكته النووية مع موسكو لتثبيت تحالفات سياسية تعود إلى دعمها لأحداث 30 يونيو، مفضلاً المكاسب الدعائية على الحسابات التنموية الرشيدة التي تقتضي توجيه مليارات الدولارات لدعم التعليم والصحة والإنتاج المحلي.
مغامرة المفاعلات العائمة وسواحل الجمهورية
ارتباطاً بهذا المسار، يشدد رئيس هيئة المواد النووية الأسبق الدكتور عبد العاطي سالمان على أن المفاعلات العائمة تحمل مخاطر تشغيلية وبيئية استثنائية، تستوجب معايير أمان صارمة تعجز البيئة الساحلية الحالية عن الوفاء بها لغياب البنية المؤهلة.
استناداً إلى ذلك، أبدت مؤسسة روساتوم حماساً ملحوظاً لنشر مفاعلات بحرية مدمجة على الشواطئ المصرية، مستغلة رغبة النظام في الهروب إلى مشاريع استعراضية لم تثبت كفاءتها الاقتصادية عالمياً خارج الحدود المتجمدة لروسيا الاتحادية ذات الظروف الخاصة.
فضلاً عن ذلك، تتجاهل خطط تحلية مياه البحر بالمفاعلات العائمة البدائل الأرخص والأكثر أماناً، مثل محطات الطاقة الشمسية المنتشرة بالصحراء، مضحية بجدوى التكلفة الاقتصادية لمصلحة عقود خارجية مركبة تزيد من ارتهان مياه الشرب للتقلبات التقنية.
على صعيد متصل، تنذر المفاعلات البحرية بكوارث بيئية قد تدمر الموارد السمكية وتصيب النشاط السياحي بالشلل التام، فضلاً عن احتمالات تعطيل الملاحة الدولية في البحرين المتوسط والأحمر في حال حدوث أي طارئ فني أو تسرب إشعاعي.
انطلاقاً من ذلك، جاء تقديم القاهرة مقترحات لمواقع بحرية متعددة ليعكس تسرعاً غير مدروس، في ظل إقرار مسؤولي روساتوم بعدم التوصل إلى اتفاقات تجارية نهائية، ما يؤكد غياب الرؤية المتكاملة والاعتماد على خطط مرتجلة.
إزاء هذا التردي، تبرز الوعود الحكومية بنقل تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد والصناعات المتخصصة كغطاء لتمرير التكلفة الباهظة، بينما تؤكد التجارب السابقة اقتصار الدور المحلي على المقاولات الإنشائية البسيطة دون أي توطين علمي حقيقي للخبرات المتقدمة.
أوهام الكهرباء الفائضة وشلل الشبكات
في سياق موازٍ، يوضح عضو مجلس الطاقة العالمي واستشاري الطاقة والبيئة الدكتور ماهر عزيز أن الشبكة القومية تعاني من تشوهات هيكلية تجعل استيعاب طاقات ضخمة جديدة أمراً غير مجدٍ، متجاوزة حدود الاحتياج الفعلي للبلاد.
تبعاً لذلك، يظهر زيف الادعاءات بحل معضلة الطاقة بينما يعيش المواطنون تحت وطأة انقطاع الكهرباء المستمر بسبب شح الغاز الطبيعي، ما يثبت أن أزمة القطاع تكمن في سوء الإدارة وسداد فواتير الوقود لا في نقص المحطات.
في ضوء ذلك، يمثل ترحيل موعد تشغيل المرحلة الأولى لمحطة الضبعة إلى منتصف عام 2028 دليلاً على التعثر الفني والمالي، وتكراراً لمسلسل الوعود الوهمية التي يطلقها المسؤولون لامتصاص الغضب الشعبي دون التزام بالجدول التعاقدي.
بالموازاة مع ذلك، عكس لقاء السيسي وبوتين في القمة 3 الروسية الأفريقية تخوفاً مصرياً عميقاً من بطء التنفيذ، إذ حاول النظام التوسل لانتظام التدفقات المالية، متناسياً أن المقرض يفرض شروطه السياسية والاقتصادية على الطرف الأضعف.
بناءً على ذلك، تؤكد لقاءات وزير الكهرباء محمود عصمت مع قيادات روساتوم وجود رضوخ كامل للإملاءات التكنولوجية، وتحميل القطاع التزامات مالية لا طائل منها، بينما تظل تكلفة الكيلووات النووي أعلى بكثير من مصادر الرياح والطاقة الشمسية.
ختاماً لهذا المشهد، يدفع الشعب المصري كلفة هذه المشاريع غير الإنتاجية من قوت يومه عبر رفع أسعار الفواتير وتقليص الدعم، بينما تواصل السلطة تكريس سياسات القروض والاستعراض التي ترهن سيادة البلاد لصالح قوى دولية كبرى.

