دعت بريطانيا وهولندا وفرنسا واليابان مواطنيها إلى رفع مستوى الاستعداد لمواجهة الطوارئ، من خلال تخزين الأغذية والأدوية ومياه الشرب والمستلزمات الأساسية، تحسبًا لاحتمالات وقوع أزمات عالمية أو كوارث طبيعية أو نزاعات مسلحة قد تؤدي إلى تعطيل الخدمات الحيوية واضطراب سلاسل الإمداد ونقص السلع في الأسواق.

 

وتأتي هذه التحركات في ظل تزايد الاهتمام الدولي بتعزيز قدرة المجتمعات على التعامل مع الأزمات المفاجئة، سواء كانت مرتبطة بالتوترات العسكرية أو الهجمات الإلكترونية أو التغيرات المناخية الحادة أو الكوارث التي قد تتسبب في انقطاع الكهرباء والمياه وتعطل وسائل النقل والاتصالات.

 

ورغم اختلاف طبيعة التحذيرات والإجراءات التي اتخذتها الدول الأربع، فإنها تتفق على ضرورة استعداد الأسر لمواجهة الأيام الأولى من أي أزمة دون الاعتماد الكامل على المساعدات الحكومية، من خلال الاحتفاظ بمخزون منزلي من الطعام والمياه والأدوية والاحتياجات الضرورية.

 

وتطرح هذه التحركات تساؤلات بشأن طبيعة المخاطر التي تستعد لها الحكومات الأوروبية واليابان، وما إذا كانت الدعوات لتخزين المؤن ترتبط بمخاوف من اندلاع حروب جديدة أم أنها جزء من خطط أوسع للتعامل مع الكوارث والطوارئ.

 

بريطانيا تستعد لاحتمالات الحرب بحلول 2030


في بريطانيا، دعا وزير الدفاع ويس ستريتنج إلى رفع مستوى الاستعداد العسكري والمدني في المملكة المتحدة، تحسبًا لاحتمال اندلاع حرب بحلول عام 2030، محذرًا من امتلاك خصوم البلاد قدرات عسكرية واقتصادية يمكن استخدامها لشن هجمات عليها.

 

وذكرت صحيفة إندبندنت البريطانية أن ستريتنج أطلق تحذيراته في مقال نشرته صحيفة تليجراف، أشار خلاله إلى أن بريطانيا وحلفاءها أمامهم ما يزيد قليلًا على ألف يوم لاستكمال الاستعدادات اللازمة لمواجهة التهديدات المحتملة.

 

وأكد وزير الدفاع البريطاني أن التعامل بجدية مع أسوأ السيناريوهات يمثل ضرورة لتجنب المفاجآت، مشيرًا إلى أهمية الاستعداد لمواجهة التحديات الأمنية والعسكرية، إلى جانب المخاطر التي يمكن أن تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين.

 

وتزامنت هذه التحذيرات مع تنفيذ الحكومة البريطانية حملة توعية تحت شعار «كن مستعدًا»، تستهدف مساعدة الأسر والشركات على التعامل مع حالات الطوارئ، بما يشمل الهجمات الإلكترونية وانقطاع الخدمات الأساسية والكوارث الطبيعية.

 

وتتضمن الإرشادات الرسمية توصيات بتوفير مخزون من مياه الشرب لا يقل عن ثلاثة لترات يوميًا لكل فرد، إلى جانب أغذية غير قابلة للتلف تكفي لمدة ثلاثة أيام على الأقل، بما يسمح للأسر بتلبية احتياجاتها الأساسية في حال تعطل المتاجر أو صعوبة الحصول على الإمدادات.

 

ولا تقتصر المخاوف البريطانية على المواجهات العسكرية المباشرة، إذ حذر ستريتنج من تأثير الهجمات الإلكترونية التي تنفذها جهات معادية، موضحًا أنها قد تتسبب في اضطراب سلاسل الإمداد وتعطيل أنظمة الدفع داخل المتاجر، وهو ما قد يعرقل عمليات شراء السلع الأساسية حتى في حال استمرار توافرها.

 

هولندا ترفع مخزون الغذاء إلى 8 أيام


في هولندا، اتجهت التحذيرات إلى التركيز بصورة أكبر على أمن الغذاء وسلاسل التوريد، إذ دعت وزارة الزراعة المواطنين إلى توسيع مخزونهم الغذائي المنزلي ليكفي لمدة ثمانية أيام بدلًا من ثلاثة أيام، وفقًا لما أورده الموقع الإلكتروني لمؤسسة الإذاعة الهولندية العامة.

 

وجاءت الدعوة استنادًا إلى دراسة أعدها باحثون من معهد «كلينغندايل» وجامعة إراسموس، بتكليف من وزارة الزراعة الهولندية، حذرت من هشاشة منظومة الإمدادات الغذائية أمام الأزمات المفاجئة، رغم الكفاءة العالية التي تتمتع بها سلاسل التوريد ومتاجر التجزئة.

 

وأوضحت الدراسة أن اعتماد المتاجر الكبرى على أنظمة توريد سريعة ومنتظمة يجعلها لا تحتفظ عادة بمخزونات احتياطية كبيرة، وهو ما يعني أن أي اضطراب في عمليات النقل والتوزيع يمكن أن ينعكس سريعًا على توافر المنتجات داخل الأسواق.

 

ووفقًا للباحثين، قد تصبح أرفف المتاجر فارغة خلال يومين إلى ثلاثة أيام فقط إذا تعرضت الأنظمة اللوجستية لقطاع التجزئة لهجوم إلكتروني، أو شهدت البلاد ظروفًا جوية قاسية أو اندلاع نزاع مسلح يؤثر على حركة الإمدادات.

 

وقال الباحث بيتر زفان إن التقديرات السابقة كانت تقوم على افتراض إمكانية استعادة المتاجر إمداداتها خلال أيام قليلة، لكن الكوارث الطبيعية، مثل الأمطار الغزيرة والفيضانات، قد تؤدي إلى عزل مناطق بأكملها لفترات أطول، بما يعقد وصول المواد الغذائية إليها.

 

ولم تقتصر توصيات الباحثين على مسؤولية الأسر، بل امتدت إلى ضرورة إبرام اتفاقيات مع المتاجر الكبرى والموردين للاحتفاظ بحد أدنى من المخزون الاحتياطي، مقابل تقديم تعويضات مالية للشركات التي تتحمل تكاليف تخزين الأغذية الاستراتيجية، مع منح الدولة صلاحية توجيه هذه المخزونات خلال حالات الطوارئ.

 

وتشير الدراسة إلى مفارقة تتعلق بالاقتصاد الهولندي، إذ تعد البلاد من أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم، لكنها لا تزال تعتمد على الأسواق الخارجية في توفير مدخلات أساسية، من بينها الأعلاف الحيوانية والأسمدة والوقود.

 

وحذرت الدراسة من أن اضطراب الإمدادات قد يؤدي إلى نقص حاد في بعض المنتجات وارتفاع الأسعار وظهور توترات اجتماعية، لكنها استبعدت وجود خطر مجاعة وشيك، معتبرة أن الهدف الأساسي هو تقليل آثار الأزمات المحتملة.

 

فرنسا تجهز دليلًا لمواجهة الأزمات الكبرى


أما في فرنسا، فتعمل الحكومة على تعزيز استعداد المواطنين من خلال دليل إرشادي بعنوان «الجميع مسؤولون»، يتضمن تعليمات للتعامل مع مجموعة واسعة من المخاطر، تشمل الكوارث الطبيعية والأزمات المناخية والنزاعات المسلحة والأوبئة واضطرابات الطاقة والقطاعات الصناعية والتجارية.

 

وكشفت صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية أن الدليل أعدته الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني التابعة لرئاسة الوزراء، ويقع في 27 صفحة، ضمن جهود تستهدف تعزيز قدرة السكان على التعامل مع الطوارئ، خصوصًا بعد التجربة التي كشفت عنها جائحة كوفيد-19 بشأن أهمية الاستعداد للأزمات الصحية واسعة النطاق.

 

وقررت الحكومة الفرنسية نشر الدليل إلكترونيًا عبر المواقع الرسمية للأمانة العامة والوزارات المعنية، بدلًا من طباعته وتوزيعه على المنازل، في محاولة لنشر التوعية بإجراءات الاستعداد دون إثارة مخاوف واسعة بين المواطنين.

 

ويركز الدليل على أهمية تجهيز حقيبة طوارئ منزلية تكفي لمدة 72 ساعة، باعتبارها فترة قد تشهد صعوبات في الحصول على المساعدات أو استعادة الخدمات الأساسية بعد وقوع كارثة كبيرة.

 

وتشمل محتويات الحقيبة ستة لترات من مياه الشرب لكل شخص، وكميات مناسبة من الأطعمة القابلة للتخزين لفترات طويلة، إلى جانب الأدوية الشخصية ومستلزمات الإسعافات الأولية والملابس الدافئة وأدوات الطهي.

 

كما تتضمن القائمة الاحتفاظ بوثائق إثبات الشخصية والمستندات المهمة، إلى جانب مبالغ مالية نقدية يمكن استخدامها عند تعطل أنظمة الدفع الإلكتروني أو أجهزة الصراف الآلي.

 

ولم يغفل الدليل الجوانب النفسية والاجتماعية للأزمات، إذ أوصى بتوفير كتب وألعاب ووسائل ترفيهية تساعد أفراد الأسرة، خصوصًا الأطفال، على تخفيف التوتر والملل خلال فترات الطوارئ التي قد يضطرون فيها إلى البقاء داخل المنازل.

 

ويتضمن الدليل كذلك إرشادات تتعلق بإجراءات الحماية والتصرف عند وقوع الحوادث الكبرى، مع اختلاف التعليمات بحسب طبيعة الخطر، سواء كان حريقًا واسعًا أو فيضانًا أو حادثًا صناعيًا أو أزمة صحية أو اضطرابًا في إمدادات الطاقة.

 

وتعكس الخطوة الفرنسية توجهًا نحو تحويل الاستعداد للطوارئ إلى مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين، بدلًا من الاعتماد على تدخل أجهزة الدولة بعد وقوع الأزمة فقط.

 

اليابان تطلب تخزين المؤن لمدة أسبوع


وفي اليابان، تتصدر الكوارث الطبيعية قائمة المخاطر التي تدفع السلطات إلى مطالبة السكان بالاستعداد المسبق، في ظل تعرض البلاد للزلازل والأعاصير والفيضانات، وما قد يصاحبها من انهيار بعض المنشآت وتعطل شبكات الكهرباء والمياه والنقل.

ووفقًا لموقع تلفزيون فوجي الياباني، أعلن وزير إدارة الكوارث غوشي هوسونو أن الحكومة تعتزم إصدار طلب طارئ إلى المواطنين في مختلف أنحاء البلاد لرفع مستوى الجاهزية وتخزين المستلزمات الضرورية، بالتزامن مع إطلاق وكالة جديدة لإدارة الكوارث.

 

وخلال مشاركته في برنامج «نيوز إينتشوشين هاجيميماسو» عبر قناة فوجي تيلفيجن، شدد هوسونو على أهمية اعتماد السكان على أنفسهم خلال المراحل الأولى من الكوارث، عندما قد تواجه السلطات صعوبة في الوصول السريع إلى جميع المناطق المتضررة.

 

ودعا الوزير الياباني المواطنين إلى توفير المؤن الأساسية في منازلهم لمدة ثلاثة أيام على الأقل، مع تفضيله زيادة هذه الكميات لتكفي أسبوعًا كاملًا، بما يمنح الأسر قدرة أكبر على مواجهة الانقطاعات الطويلة للخدمات.

 

وأكد هوسونو ضرورة توفير الطعام ومياه الشرب ووسائل قضاء الحاجة، بما يشمل المراحيض الطارئة، باعتبارها من الاحتياجات الأساسية التي قد يصبح الحصول عليها صعبًا عند وقوع زلزال كبير أو كارثة تؤدي إلى تضرر شبكات الصرف الصحي والمرافق العامة.

 

وأوضح أن الطلب المرتقب لن يقتصر على المواطنين، بل سيشمل الوزارات المركزية والمحافظات اليابانية، بهدف ضمان التنسيق بين مختلف مستويات الإدارة الحكومية، والاستعداد لتوزيع الموارد وتقديم المساعدات عند الضرورة.

 

وبحسب شبكة تلفزيون فوجي الياباني، تستهدف الإجراءات تقليل الاعتماد الأولي على أجهزة الدولة والخدمات العامة خلال الساعات والأيام الأولى التي تعقب الكوارث، بما يسمح بتوجيه الموارد الحكومية المتاحة إلى عمليات الإنقاذ والإغاثة العاجلة، خصوصًا في المناطق الأكثر تضررًا.