تتسارع وتيرة الغلاء في الأسواق المصرية بصورة مباغتة، بعدما قفز سعر طن السكر إلى نحو 26 ألف جنيه، مسجلًا صعودًا قدره 2000 جنيه وبنسبة بلغت 8.3% خلال أسبوع واحد فقط.
​
​
وفي المقابل، تتراكم البضائع في المستودعات بمستويات غير مسبوقة بتجاوز المخزون المحلي حاجز 3 ملايين طن، في مشهد يعكس انفصالًا حادًا بين وفرة الإنتاج وحرمان المستهلكين من استقرار الأسعار اليومية.
​
​
مضاربات أسعار السكر تمهد لغلاء متواصل
​
​
وبناءً على ذلك، تعيش السوق المحلية تقلبات أسبوعية حادة أعقبت قرار فتح باب تصدير السكر الفائض حتى نهاية العام الجاري، مما دفع الأسعار إلى مسار تصاعدي غير متزن يخدم المصدرين.
​
​
والجدير بالذكر أن نهاية الشهر الماضي شهدت قفزة عنيفة للسعر بنحو 5 آلاف جنيه للطن دفعة واحدة ليصل إلى 26 ألف جنيه، مدفوعًا بمضاربات واسعة فور صدور القرار الحكومي بالسماح بالتصدير.
​
​
وعقب ذلك، تراجع السعر مع مطلع الشهر الحالي إلى مستوى 24 ألف جنيه للطن، قبل أن يعاود الصعود السريع مجددًا خلال الأسبوع الجاري إلى عتبة 26 ألف جنيه تحت وطأة المضاربات.
​
​
ومن ثم، يثبت هذا التأرجح السريع أن أسعار السلع الاستراتيجية أصبحت رهينة للتوقعات التصديرية وقرارات الاحتكار، دون أي مراعاة للقوة الشرائية المنهارة للمواطنين في ظل أزمات المعيشة المتلاحقة داخل البلاد.
​
​
وإزاء هذا التخبط، يوضح رئيس شعبة السكر السابق باتحاد الصناعات ورئيس لجنة السكر بغرفة الصناعات الغذائية حسن فندي أن تلك القفزات الأخيرة تعد غير مبررة إطلاقًا ولا تستند لأي معطيات سوقية واقعية.
​
​
علاوة على ذلك، يشدد فندي على أن المعروض الداخلي الوفير يجعل موجات الغلاء الحالية صناعة مفتعلة من كبار التجار، لإعادة تسعير المخزونات القديمة وفق أسعار العقود التصديرية لجني أرباح طائلة وسريعة.
​
​
مخزون السكر القياسي يدحض ذرائع التكلفة
​
​
وعلى نحو متصل، تحاول الشركات الحكومية تسويق تبريرات واهية للزيادة بدعوى تعويض تكاليف الإنتاج والتشغيل المرتفعة، والادعاء بحدوث خسائر سابقة نجمت عن بيع السكر بأسعار تدعي أنها تقل عن التكلفة.
​
​
غير أن خبير واستشاري الاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي الدكتور عبد التواب بركات يرى أن فائض المخزون البالغ 3 ملايين طن يسقط ذريعة الخسائر ويؤكد تعمد الإدارة الاقتصادية تعطيش الأسواق لرفع الأسعار.
​
​
فضلًا عن ذلك، تؤكد حسابات التكلفة الحقيقية أن محصول البنجر والقصب تم شراؤه من المزارعين بأسعار زهيدة قبل موجات التضخم الأخيرة، مما يعني أن تكاليف الإنتاج الفعلي محملة على عاتق الفلاحين وحدهم.
​
​
إلى جانب ذلك، تستغل الإدارات الحكومية اقتراب موسم شهر رمضان لفرض زيادات استباقية بحجة ارتفاع الطلب التجاري للمصانع، وتحويل المواسم الدينية والغذائية إلى فرصة إضافية لجباية الأموال من بطون المستهلكين المنهكين.
​
​
وبالتالي، تبرز ازدواجية المعايير لدى الأجهزة الرسمية التي تسارع إلى إلقاء عبء أي تضخم مستورد أو محلي على المستهلك، بينما تحتجز السلع التموينية لبيعها بأسعار السوق الحرة لتحقيق فوائض مالية صورية.
​
​
ومن هذا المنطلق، تصبح مبررات التعويض المالي للشركات مجرد ستار لتمرير زيادات قسرية في أسعار السلع الأساسية، رغم إعلان سلطة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عن تحقيق اكتفاء ذاتي غير ملموس.
​
​
تصدير السكر الفائض يفاقم أزمات المعيشة
​
​
وفي هذا السياق، يحذر الخبير الاقتصادي والباحث المتخصص في الاقتصاد الكلي ممدوح الولي من خطورة رهن الأمن الغذائي القومي بالحصول على العملات الصعبة عبر تصدير السلع الحيوية التي يدعمها دافعو الضرائب.
​
​
إضافة إلى ذلك، فإن فتح منافذ التصدير في ظل تجاوز المخزون 3 ملايين طن يمثل تحويلًا قسريًا للدعم الغذائي الداخلي إلى المستوردين بالخارج، وحرمانًا للمواطن المصري من الاستفادة من انخفاض تكلفة المحصول المحلي.
​
​
بالتوازي مع ذلك، يتجاهل القرار الحكومي مسألة العدالة التوزيعية، إذ يسمح للمصنعين بمطابقة الأسعار المحلية بأسعار البورصات العالمية، رغم تدني الأجور وانهيار سعر صرف الجنيه المصري أمام سلة العملات الأجنبية.
​
​
وعلى النقيض تمامًا، كان من المفترض أن يدفع تسجيل مخزون قياسي يتجاوز 3 ملايين طن نحو خفض أسعار السكر للمستهلكين، وتشغيل المصانع المحلية بكامل طاقتها الإنتاجية لخفض تكلفة السلع الغذائية المرتبطة.
​
​
لكن السياسات القائمة تصر على تحويل كل وفرة إنتاجية إلى وسيلة لجمع السيولة الدولارية لسداد أعباء الديون الخارجية، تاركة ملايين الأسر المصرية فريسة سهلة لموجات الغلاء المتواصلة دون أي حماية اجتماعية.
​
​
وختامًا، تكرس هذه القرارات التصديرية نمطًا اقتصاديًا يخدم كبار المحتكرين والشركات الحكومية المتعثرة، ويحول قوت الشعب إلى سلعة مضاربة تفوق قدرة الغالبية الساحقة من المواطنين على تلبية احتياجاتهم اليومية.