تصاعدت موجة الغضب العارم بين سائقي تطبيقات النقل الذكي في مختلف المحافظات، معلنين بدء خطوات تصعيدية حاسمة تشمل الإضراب عن العمل ومقاطعة المنصات الإلكترونية، احتجاجًا على تدني أسعار الرحلات وارتفاع كلفة التشغيل اليومية.
​
​
كما يواصل آلاف السائقين عبر منصات التواصل الاجتماعي تنظيم صفوفهم وتوحيد مطالبهم، مؤكدين أن الأرباح الحالية لم تعد تغطي نفقات الوقود والصيانة، مما يحول ساعات عملهم الطويلة التي تتجاوز 14 ساعة يوميًا إلى خسائر متراكمة.
​
​
أزمة تسعير الرحلات وتكاليف التشغيل
​
​
وفي سياق متصل، وثقت مقاطع مصورة تداولتها منصات إخبارية مشاهد غضب عارم بين سائقي النقل الذكي، حيث أعلن المئات الدخول في إضراب ومقاطعة شاملة للتطبيقات رفضا للأجور الزهيدة التي تفرضها الشركات دون مراعاة لمعاناتهم.
​
​
​
​

وبناءً على ذلك، أوضح السائقون المحتجون أن الشركات تقتطع نسب عمولة تصل إلى 25% أو حتى 30% من قيمة كل رحلة، في حين يتحمل السائق بمفرده كامل تكاليف الوقود واستهلاك السيارة وأقساطها الشهرية المرهقة.
​
​
ومن هذا المنطلق، شهدت أسعار البنزين والزيوت ارتفاعات متتالية خلال عام 2024، كان آخرها زيادة أسعار الوقود في شهر أكتوبر بنسبة بلغت نحو 17%، دون أن تواكبها أي زيادة عادلة في تسعيرة الكيلومتر داخل التطبيقات.
​
​
إلى جانب ذلك، شدد الكباتن على أن تسعيرة فتح العداد الحالية باتت مهينة، إذ تبلغ في بعض التطبيقات أقل من 15 جنيهًا، وهي قيمة غير منطقية في ظل التضخم غير المسبوق وانهيار القوة الشرائية للجنيه المصري.
​
​
علاوة على ذلك، أشار المشاركون في حملات الغضب إلى أن شركات النقل الذكي تمنح الركاب خصومات وعروضًا ترويجية من حساب السائق الصافي، مما يقلص دخله اليومي بصورة دراماتيكية تجعله عاجزًا عن صيانة سيارته.
​
​
وفي الإطار ذاته، ارتفعت أسعار قطع الغيار وإطارات السيارات بنسب تجاوزت 100% خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي وضع ملاك السيارات وسائقيها تحت ضغوط مالية خانقة، قد تدفع بالكثيرين منهم إلى التوقف النهائي عن العمل.
​
​
في المقابل، تجاهلت إدارات التطبيقات الشهيرة كافة الاستغاثات والمذكرات التي رفعها السائقون لتحريك أسعار الرحلات، متمسكة بهوامش أرباحها العالية وسياساتها التسعيرية الجائرة، ومكتفية بإرسال رسائل آلية لا تقدم أي حلول واقعية للمشكلة.
​
​
ونتيجة لذلك، وجد السائقون أنفسهم مضطرين للعمل لأكثر من 16 ساعة متواصلة يوميًا فقط لتعويض تكلفة استهلاك البنزين وتأمين نفقات المعيشة الضرورية، وهو ما يشكل خطرًا داهمًا على سلامتهم البدنية وسلامة الركاب.
​
​
وتماشيًا مع هذه المعاناة، يرى خبراء اقتصاديون أن نموذج عمل منصات النقل الذكي تحول من توفير فرص عمل مرنة إلى استنزاف كامل لممتلكات ومجهود الطبقة المتوسطة، عبر نقل أعباء المخاطر التشغيلية إلى السائق وحده.
​
​
دعوات الإضراب والمقاطعة تجتاح المحافظات
​
​
وعلى صعيد ميداني، دشنت لجان التنسيق المستقلة للسائقين حملات مقاطعة واسعة انطلقت بالتزامن عبر مجموعات فيسبوك وتيليجرام، واتفق المشاركون على إغلاق التطبيقات في أوقات الذروة الصباحية والمسائية لإحداث شلل واضح في الخدمة.
​
​
فضلاً عن ذلك، اتسعت رقعة الإضراب لتشمل محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية، حيث شهدت ميادين رئيسية تجمعات احتجاجية رمزية للتعبير عن رفض التدني الصادم في دخل العاملين بقطاع النقل التشاركي.
​
​
ومن جهة ثانية، تضامن آلاف المواطنين والركاب مع مطالب السائقين العادلة، مؤكدين أن الجودة تراجعت بشكل لافت، وأن من حق السائق الحصول على مقابل شريف يضمن له حياة كريمة ويغطي تكاليف مركبته.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، حذر الداعون للحراك الاحتجاجي زملائهم من كسر الإضراب أو استغلال تراجع أعداد السيارات المتاحة لتحقيق أرباح مؤقتة، مؤكدين أن وحدة الصف هي السبيل الوحيد لإجبار الشركات العالمية على الاستجابة لمطالبهم.
​
​
وفي ضوء هذا التضامن، لجأ بعض السائقين إلى تطبيق استراتيجيات بديلة، من بينها الاتفاق المباشر مع العملاء خارج التطبيقات بعد استلام الطلب، لتفادي عمولة المنصات التي تلتهم ما يقارب ثلث قيمة كل رحلة.
​
​
ومع ذلك، واجهت تلك المبادرات الفردية مخاطر قانونية وتشغيلية كبيرة، إلى جانب تهديد المنصات بإيقاف حسابات أي سائق يتواصل بشكل غير مصرح به مع العميل، مما فاقم مشاعر الإحباط والتوتر بين العاملين.
​
​
وعلى نحو متصل، شدد ممثلو السائقين على ضرورة الاستمرار في الإضراب الجزئي يومي الجمعة والأحد من كل أسبوع، والامتناع تمامًا عن فتح التطبيقات خلال ساعات الذروة التي تعتمد عليها الشركات لتحقيق عوائدها.
​
​
ومن زاوية أخرى، أظهرت بيانات تشغيلية ارتباكًا ملحوظًا في حركة طلب السيارات في شوارع العاصمة، حيث ارتفعت معدلات انتظار الركاب لأكثر من 30 دقيقة، مع فرض تسعيرة مرتفعة تلقائيًا عبر خوارزميات الذروة.

 

وعلى خلفية ذلك، أطلقت مجموعات من السائقين استطلاعات رأي لتأسيس منصة وطنية بديلة أو تدشين تطبيق تعاوني، يدار بمعرفة الكباتن أنفسهم ويقتطع نسبًا رمزية فقط لتغطية التكاليف البرمجية والإدارية الأساسية.
​
​
غياب الرقابة وتفاقم الأعباء المعيشية
​
​
وفي تطور لاحق، انتقد حقوقيون واقتصاديون الغياب التام لأجهزة الرقابة الرسمية ووزارة النقل عن تنظيم العلاقة بين المنصات الدولية والسائقين، وترك مئات الآلاف من الشباب فريسة لشروط الإذعان التي تفرضها تلك التطبيقات.
​
​
ومن الجدير بالذكر أن قانون تنظيم النقل البري باستخدام تكنولوجيا المعلومات الصادر برقم 87 لسنة 2018، لم يضع آليات واضحة وملزمة تضمن حماية حقوق السائقين المالية، أو تحدد حدًا أقصى لعمولات الشركات.
​
​
وفي هذا السياق، ربط مراقبون بين انفجار غضب السائقين والسياسات الاقتصادية والتقشفية التي ينتهجها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، والتي أسفرت عن رفع متكرر لأسعار الوقود وفرض رسوم ترخيص وضرائب باهظة.
​
​
وبموازاة ذلك، أدت قرارات تحرير سعر الصرف وتراجع قيمة الجنيه المتتالي إلى ارتفاع جنوني في أسعار السيارات الجديدة والمستعملة، مما جعل تجديد السيارة أو صيانتها عبئًا تعجيزيًا يهدد مصدر رزق آلاف الأسر.
​
​
بالتوازي مع ذلك، يعاني السائقون من انعدام أي مظلة للتأمين الاجتماعي أو الصحي، حيث تعاملهم الشركات كمتعاقدين مستقلين دون أي التزامات وظيفية أو تعويضات في حال وقوع حوادث سير أثناء تأدية العمل اليومي.
​
​
وفي خضم هذه الأزمة، طالب السائقون بإنشاء نقابة مهنية مستقلة تمثلهم قانونيًا، وتفاوض الشركات والدولة من أجل إقرار تعريفة عادلة ترتبط تلقائيًا بأسعار المحروقات ومعدلات التضخم الرسمية داخل السوق المصري.
​
​
وعلى المستوى ذاته، أكد نشطاء عماليون أن أزمة سائقي النقل الذكي تجسد هشاشة العمل في قطاع اقتصاد العمل المؤقت، وتفضح تنصل الدولة والشركات العابرة للقارات من مسؤولياتهما الاجتماعية تجاه الطبقة الكادحة.
​
​
وفي غضون ذلك، تترقب الأوساط الشعبية مدى استجابة إدارات التطبيقات لتهديدات السائقين بتصعيد الإضراب إلى مقاطعة شاملة ودائمة في شهر نوفمبر القادم، خاصة مع استمرار تآكل دخولهم وغلاء المعيشة.
​
​
وفي الختام، يظل حراك سائقي النقل الذكي جرس إنذار يعكس حجم الاحتقان الاجتماعي المتراكم في الشارع المصري، ويدق ناقوس الخطر إزاء تفاقم الأزمات المعيشية في ظل غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية.