أثار المبعوث الأمريكي إلى العراق وسوريا توماس باراك جدلاً واسعاً بشأن تموضع القاهرة الإقليمي، مبيناً الدوافع الجوهرية التي أبعدت الدبلوماسية المصرية عن التوقيع على بنود اتفاق مكة المشترك إلى جانب حلفاء إقليميين بارزين.
​
​
كما يوضح الدبلوماسي الأمريكي أن ارتباط القاهرة بمعاهدة سلام مع إسرائيل، وتوقيعها اتفاقية أمنية مع اليونان، حالا دون انخراطها المباشر في هذا الحلف العسكري، رغم استمرار مساعي التنسيق المشترك مع بقية الأطراف الفاعلة.
​
​
معاهدة إسرائيل وتداعيات الشراكة اليونانية
​
​
وفي هذا السياق، أكد باراك خلال مقابلة متلفزة أن الاتفاقيات الأمنية الدولية التي تلتزم بها مصر تحدد نطاق تحركاتها العسكرية، مما يجعل انضمامها إلى معاهدات دفاعية جديدة أمراً معقداً يتطلب مراعاة توازنات استراتيجية دقيقة للغاية.
​
​
علاوة على ذلك، أشار المبعوث إلى أن وجود معاهدة سلام نافذة بين القاهرة وتل أبيب يفرض التزامات متبادلة، تمنع مصر من الدخول في منظومات عسكرية قد تثير تحفظات تل أبيب الأمنية أو تؤثر سلباً على التنسيق المشترك.
​
​
ومن جهة أخرى، يبرز الاتفاق الأمني المبرم بين مصر واليونان كحجر عثرة أساسي يمنع التقارب الدفاعي مع أنقرة داخل حلف واحد، نظراً لحالة التنافس والنزاع التاريخي المعروفة بين أثينا وأنقرة في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط.
​
​
وبناءً على ذلك، تجد القاهرة نفسها ملزمة بالحفاظ على شراكتها الأمنية مع الجانب اليوناني لتأمين حقوق الطاقة، الأمر الذي يجعل توقيع اتفاق دفاعي يضم تركيا مغامرة دبلوماسية قد تهدد مكتسباتها الإقليمية المتحققة في المتوسط.
​
​
وفي المقابل، تحرص العواصم الغربية على مراقبة تموضع مصر العسكري لضمان بقائها ضمن أطر التهدئة، حيث تفضل واشنطن تجنب انخراط القاهرة في أحلاف إسلامية واسعة قد تؤدي إلى تبديل قواعد اللعبة الأمنية القائمة بالمنطقة.
​
​
ومن هذا المنطلق، تعكس تصريحات توماس باراك حرص الجانب الأمريكي على إبراز الخطوط الحمراء التي تحكم السياسة المصرية، وتمنع تجاوز الترتيبات الأمنية الدولية الراسخة مع إسرائيل والشركاء الأوروبيين منذ عقود طويلة مضت.
​
​
القاهرة تدرس بنود اتفاق مكة
​
​
وعلى صعيد متصل، شهد شهر سبتمبر الماضي إعلاناً رسمياً من وزير الخارجية بدر عبد العاطي، أكد فيه أن مصر تدرس بجدية بنود اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ضمن مقاربة شاملة لتقييم المخاطر الأمنية المتصاعدة في الإقليم.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، تواصل القاهرة إجراء مشاورات معمقة بشأن مستقبل منظومة الأمن الإقليمي، بهدف صياغة رؤية تضمن حماية المصالح الحيوية للدولة دون الانزلاق إلى مواجهات عسكرية غير محسومة العواقب مع أطراف مجاورة.
​
​
وفي هذا الإطار، يسعى نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى الموازنة بين متطلبات التحالف مع دول الخليج العربي، وبين استمرار الالتزام بالاتفاقيات الدولية الموقعة التي تحكم علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل والغرب.
​
​
ومن ناحية أخرى، تدرك القيادة في القاهرة أن الانضمام إلى تحالف عسكري يضم 3 قوى إقليمية يتطلب توافقاً سياسياً شاملاً، لا سيما في ظل تباين الأولويات الاستراتيجية بين العواصم المشاركة تجاه قضايا الشرق الأوسط.
​
​
وإلى جانب ذلك، تنظر الدبلوماسية المصرية إلى اتفاق مكة بوصفه فرصة لتعزيز التنسيق مع الرياض وأنقرة وباكستان، شريطة عدم تعارض أي التزام دفاعي جديد مع بنود السيادة الوطنية والتعهدات المسبقة للأمن القومي.
​
​
وجدير بالذكر أن، وزير الخارجية المصري شدد على ضرورة بناء هيكل أمني إقليمي متماسك، يراعي التهديدات المشتركة ويستوعب التطلعات العربية والإسلامية في مواجهة الأزمات المتفاقمة التي تهدد استقرار المنطقة برمتها.
​
​
مستقبل المجموعة الرباعية وهيكل المنطقة
​
​
وفي غضون ذلك، أكد الوزير بدر عبد العاطي أن المجموعة الرباعية تمثل منصة تشاورية محورية لبحث التحديات، حيث تشارك فيها 4 دول رئيسية هي مصر والسعودية وباكستان وتركيا لرسم ملامح استقرار الشرق الأوسط.
​
​
ومن زاوية موازية، أوضحت المصادر الدبلوماسية أن هذه المجموعة ستجتمع قريباً لتبادل الرؤى حول الترتيبات العسكرية والأمنية، والبحث في سبل تفعيل التنسيق الاستراتيجي المشترك بين القوى الأربع دون فرض قيود دفاعية ملزمة لأي طرف.
​
​
بالتزامن مع ذلك، تبرز أهمية المنصة الرباعية في الجمع بين قوة تركيا الأطلسية والقدرات النووية لباكستان والنفوذ المالي للسعودية، إلى جانب الدور الجغرافي المحوري الذي تمثله مصر في حماية الممرات البحرية الحيوية.
​
​
ومما تجدر الإشارة إليه، أن اللقاء المرتقب بين هذه العواصم يسعى لتخفيف حدة الاستقطاب بين المشاريع الإقليمية المتنافسة، وفتح مسارات حوار أمني جديد لا يصطدم بالمعاهدات الثنائية التي أبرمتها مصر سابقاً مع إسرائيل.

وتأسيساً على ما سبق، يرى المراقبون أن القاهرة تفضل صيغة المنتديات الحوارية على التحالفات العسكرية المغلقة، حرصاً على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن وتل أبيب دون خسارة علاقاتها المتنامية مع الرياض وأنقرة.
​
​
وفي ضوء هذه المعطيات، يظل موقف مصر خاضعاً لحسابات دقيقة تفرضها الجغرافيا والتاريخ، حيث تحاول التوفيق بين التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل واليونان، وبين رغبتها في التأثير داخل ترتيبات الأمن القومي العربي والإسلامي.