ماذا تفعل عندما تمتلك أفكارًا كثيرة، لكنك لا تملك الوقت الكافي لتنفيذها؟ أو عندما تتراكم المهام أمامك بينما تنفد طاقتك ولا تجد ما يكفي لإنجازها؟ يواجه رواد الأعمال هذه المعضلة باستمرار، إذ تظهر دائمًا فرصة جديدة تستحق التجربة أو فكرة مشروع تبدو مثيرة للاهتمام.
ويقول الكاتب جيمس كلير إنه ظل فترة طويلة يشعر بالذنب تجاه تجاهل الأفكار الجيدة التي تخطر له، ولذلك اعتاد إضافة المزيد منها إلى قائمة مهامه، حتى تعرّف خلال حوار أجراه مؤخرًا مع ترافيس دومرت على استراتيجية مختلفة للتعامل مع كثرة الأفكار والمشروعات.
وبحسب مقال نشره جيمس كلير على موقعه الإلكتروني، تقوم هذه الاستراتيجية على التعامل مع الحياة كما لو كانت شجيرة ورد، تحتاج باستمرار إلى التقليم حتى تنمو بصورة صحية وتزدهر. فليس المطلوب تنفيذ كل فكرة جيدة تظهر في طريقنا، بل اختيار الأفكار الأكثر قدرة على تحقيق نتائج مؤثرة، والتخلي عن غيرها قبل أن تستنزف وقتنا وطاقتنا.
الأفكار مثل براعم الورد.. لماذا نحتاج إلى التقليم المستمر؟
عندما تنمو شجيرة الورد، تنتج براعم أكثر مما تستطيع تحمّله. وإذا سألت بستانيًا خبيرًا، فسيخبرك أن شجيرات الورد تحتاج إلى التقليم للحفاظ على جمال مظهرها وتحسين قدرتها على النمو والإزهار.
وتختلف شجيرة الورد عن الأشجار؛ فهي لا تستطيع التوسع في العرض والارتفاع عامًا بعد عام. ولذلك، إذا لم نتخلص من بعض البراعم باستمرار، فتستنزف الشجيرة مواردها تدريجيًا، وقد ينتهي بها الأمر إلى الذبول والموت. فالموارد المتاحة محدودة، ولكي تنمو شجيرة الورد بصورة مثالية، ينبغي تقليمها بانتظام، وليس مرة واحدة فقط، بل كل عام.
وتشبه الأفكار شجيرات الورد؛ فهي تحتاج إلى تقليم متواصل واختيار دقيق. وكما يسمح التخلص من بعض البراعم، حتى تلك التي تحمل إمكانات واعدة، للبراعم المتبقية بالنمو والازدهار، فإن التخلي عن بعض الأفكار يتيح للأفكار الأخرى فرصة أكبر لتحقيق أفضل نتائجها.
ونواجه في حياتنا قيودًا مشابهة لما تواجهه شجيرات الورد؛ إذ نمتلك قدرًا محدودًا من الطاقة والإرادة نستطيع توظيفه كل يوم. ومن الطبيعي أن تظهر أفكار ومشروعات جديدة في حياتنا، تمامًا كما تنتج شجيرة الورد براعم جديدة، لكن علينا التخلص من بعض الخيارات قبل أن نستنزف أنفسنا.
وبعبارة أخرى، يُعد ظهور أفكار ومهام جديدة أمرًا طبيعيًا، لكن تحقيق النمو الحقيقي والوصول إلى أفضل نسخة من حياتنا يتطلبان معرفة ما ينبغي التخلي عنه.
لا بد من التخلي عن بعض الخيارات الجيدة للوصول إلى الأفضل
يحب جيمس كلير تشبيه الحياة بشجيرة الورد؛ لأنه يسلط الضوء على جانب غالبًا ما تغفله النقاشات المتعلقة بالإنتاجية وتبسيط الحياة، وهو أن الوصول إلى أقصى إمكاناتنا يتطلب استبعاد بعض الأفكار والمهام الجيدة، حتى لو كانت واعدة، والتركيز بدلًا منها على ما هو استثنائي.
ويرى الكاتب أن اتخاذ هذا القرار ليس أمرًا سهلًا، لكنه ضروري لتحقيق نتائج أكبر. فعلى سبيل المثال، إذا كنت تدير مشروعًا تجاريًا، فقد تمتلك ثلاثة خطوط إنتاج تحقق أرباحًا بالفعل، وربما ينمو نشاطك خمسة أضعاف إذا ركزت عليها جميعًا، لكن يبقى السؤال: أي خط إنتاج منها يمكن أن يحقق نموًا يصل إلى 500 ضعف إذا خصصت له كامل طاقتك؟
وينطبق الأمر نفسه على التدريب البدني؛ إذ توجد تمارين كثيرة يمكن أن تزيد قوتك، لكن أي تمرينين أو ثلاثة يمكن أن تشكل أساسًا للقوة بصورة أفضل من غيرها؟
أما في العلاقات الإنسانية، فقد ترتبط بعشرات الأشخاص بدرجات مختلفة، لكن من منهم يمنحك الطاقة الإيجابية، ومن منهم يستنزف طاقتك؟
ويوضح هذا التشبيه أن معظم براعم الورد لديها فرصة للنمو إذا توفرت لها الظروف المناسبة. وبالمثل، تحمل معظم الأفكار الجيدة قدرًا من الإمكانات، لكن ازدهار الشجيرة بأكملها والحفاظ على صحتها يتطلبان اختيار البراعم الأكثر قدرة على النمو، والتخلص من البقية.
ولا يعني ذلك أن الأفكار المستبعدة سيئة أو عديمة القيمة، بل يعني أن الموارد المحدودة تفرض علينا ترتيب الأولويات، وأن منح كل فكرة فرصة متساوية قد يحرم الأفكار الأكثر أهمية من الاهتمام الذي تحتاج إليه.
حياة بلا أولويات تتحول إلى فوضى
تقول البستانية والكاتبة إليزابيث روث: «قد تتحول شجيرات الورد التي لا تُقلم إلى كتلة متشابكة من السيقان القديمة والجديدة، تتنافس جميعها على الهواء والضوء».
ويمكن تطبيق الفكرة نفسها على حياتنا؛ فالحياة التي نفتقر فيها إلى التقليم قد تتحول إلى شبكة متشابكة من الأفكار والمهام والمشروعات، يتنافس جميعها على وقتنا ومواردنا المحدودة.
وإذا لم نتخلص من بعض الفروع في حياتنا، فلن تحصل الفروع الأكثر أهمية على المساحة الكافية للنمو والازدهار.
لذلك، لا تتوقف الإنتاجية الحقيقية على إضافة المزيد من المهام إلى جدولنا، أو السعي وراء كل فرصة جديدة، بل تعتمد على قدرتنا على الاختيار والتخلي بوعي. فليس كل ما نستطيع فعله يستحق أن نفعله، وليس كل فكرة جيدة تستحق أن نمنحها وقتنا.
https://jamesclear.com/pruning

