التهمت فاتورة خدمة الدين العام نحو 96 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة لمصر، مسجلة قفزة غير مسبوقة عكست تصاعد الأعباء المالية الخانقة التي تطبق على الموازنة المصرية في مستهل العام المالي الحالي بصورة تنذر بانهيار هوامش التنمية.
وابتلعت مدفوعات فوائد الديون وحدها ما قيمته 512.2 مليار جنيه خلال شهري يوليو وأغسطس، لتحرم خزينة الدولة من توجيه أي موارد حقيقية نحو المشروعات الإنتاجية أو تلبية المتطلبات المعيشية الأساسية للمواطنين المحاصرين بموجات التضخم.
استنزاف الخزانة يهدد التوازن الهيكلي
وفي هذا السياق، يوضح ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي والرئيس الأسبق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، أن وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 510 مليارات جنيه يجسد دخول الدولة في متوالية استدانة تسحق الموارد الذاتية للمجتمع.
وعلاوة على ذلك، سجلت فاتورة خدمة الدين نمواً سنوياً بلغ 6.5 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها، وهو ما يبرهن على تسارع تراكم الأعباء المالية وفشل السياسات الرسمية في كبح الفوائد المركبة الناتجة عن التوسع في الاقتراض.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الولي أن استئثار الفوائد بما نسبته 96 بالمئة من الإيرادات يعني تحول الخزانة إلى قناة لتحصيل الأموال وضخها مباشرة لصالح الدائنين والمقرضين دون أي عائد إنتاجي حقيقي يخدم المواطنين.
وبموازاة هذه الضغوط، تآكلت الحصيلة الإيرادية الشاملة، حيث تؤكد بيانات وزارة المالية أن استمرار الاستدانة بشراهة يجهض أي أثر إيجابي للنمو المالي النسبي، ويدفع الخزانة العامة برمتها نحو الشلل التام والعجز التمويلي المزمن.
وعلى نحو متصل، يرى مراقبون أن سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أغرقت الاقتصاد في دوامة ديون خانقة، جعلت الوفاء بالتزامات الفوائد يبتلع الموارد السيادية دون أدنى اعتبار للأولويات التنموية وقطاعات بناء الإنسان.
وإزاء هذا الواقع، تبدو خيارات صانع القرار مقيدة تماماً في ظل انحسار السيولة، حيث يفرض التوسع في خدمة الدين عزلة تمويلية قاسية تشل قدرة الحكومة على تسيير الخدمات العامة دون اللجوء إلى قروض إضافية.
تزايد المصروفات يعمق الفجوة التمويلية
ومن جانب آخر، يرى الدكتور أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أن قفزات المصروفات العامة تعكس مواصلة نهج الإنفاق التوسعي المفرط رغم حدة الأزمة المالية الهيكلية التي تعصف بالاقتصاد القومي.
وبالنظر إلى الأرقام، قفز إجمالي المصروفات العامة للدولة خلال شهري يوليو وأغسطس بنسبة تجاوزت اثني عشر بالمئة، لتقترب من ثمانمائة وتسعة وأربعين مليار جنيه، مما وسع الفجوة التمويلية بمعدلات يصعب السيطرة عليها.
وفي المقابل، يشير ذكر الله إلى أن مخصصات الحماية الاجتماعية تظل عاجزة عن تعويض المواطنين، إذ تلتهم موجات الغلاء المتلاحقة كل أثر للزيادات المقررة، في ظل تآكل القيمة الحقيقية للدعم وارتفاع تكاليف المعيشة.
غير أن فاتورة الأجور وتعويضات العاملين بالجهاز الإداري، رغم ارتفاعها بنسبة تخطت تسعة بالمئة، ظلت عاجزة تماماً عن مواكبة التراجع الحاد في القوة الشرائية والضغوط المعيشية الطاحنة التي تمزق الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وفوق كل هذا، تتركز الموارد في بنود جامدة تخدم التزامات الدائنين، بينما تُهمل القطاعات الإنتاجية، مما يفرغ الوعود الحكومية بتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل الفئات الأولى بالرعاية الاجتماعية من أي مضمون واقعي ملموس.
وبناءً عليه، يوضح أستاذ الاقتصاد أن الإدارة المالية الحالية تكرس نموذجاً هشا يقوم على استدانة جديدة لسداد التزامات قديمة، دون تقديم أي رؤية جادة لإعادة هيكلة حقيقية للإنفاق العام ووقف الهدر المالي.
أوهام الفائض تصطدم بالعجز المتفاقم
وفي إطار تقييم المؤشرات، يوضح عبد الحافظ الصاوي، الباحث في الاقتصاد السياسي، أن الاحتفاء بتحقيق فائض أولي يمثل التفافاً شكلياً على العجز الكلي البالغ نحو 1.3 بالمئة، والناجم بالأساس عن تراكم أعباء خدمة الديون.
ومن ثم، تتهاوى رهانات الحكومة على تحقيق نمو اقتصادي يفوق خمسة بالمئة، في ظل سحق النشاط الاستثماري وتوسيع الجباية الضريبية التي تخنق مجتمع الأعمال والممولين المترنحين تحت وطأة الركود وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وبالإضافة إلى هذا المسار، تصطدم برامج الطروحات وجذب الاستثمارات الأجنبية بحالة انعدام الثقة، ما يجعل التعويل على حصيلة بيع أصول الدولة مجرد مسكنات وقتية لا توقف نزيف الخزانة ولا تعالج الخلل الهيكلي.
وما يزيد المشهد تعقيداً، هو ارتهان الدولة لعوائد السياحة وتحويلات المغتربين، وهي موارد يتم استنزافها سريعاً لسداد فوائد الديون، بدلاً من بناء احتياطيات نقدية تحمي العملة المحلية وتدعم مسارات التنمية الإنتاجية المستدامة.
وفي المحصلة، يثبت استنزاف فوائد الديون لمعظم الإيرادات فشل الروشتات المالية التقليدية، ليظل الرهان على خفض أسعار الفائدة مجرد سراب في مواجهة ديون ضخمة تعصف بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

