استيقظت مدينة السادس من أكتوبر، صباح اليوم السبت ، على فاجعة مرورية مروعة إثر اصطدام عنيف بين سيارتين على الطريق الأوسطي، أسفر عن مصرع 10 مواطنين وإصابة 19 آخرين بجروح بالغة الخطورة.
وتجسد هذه الكارثة المتكررة استمرار نزيف الدماء فوق المسارات السريعة التي دُشنت على عجل دون توفير متطلبات السلامة الميدانية، ليتحول هذا المحور الحيوي إلى مصيدة يومية تبتلع أرواح الركاب وسائقي المركبات بلا توقف رسمي حاسم.
4 عيوب هندسية تفضح استعجال المشاريع
إذ وقع الحادث الدامي في المسار المتجه نحو طريق الضبعة، حيث أظهر الفحص الميداني تهشم السيارتين بصورة كاملة نتيجة السرعات الزائدة وغياب العلامات الإرشادية، الأمر الذي ضاعف أعداد الضحايا وعطل التدخل الإسعافي السريع لإنقاذ المصابين.
بينما احتشد الأهالي وفرق الطوارئ لنقل الجثامين والمصابين إلى مستشفى أكتوبر المركزي، سادت حالة عارمة من الغضب الشعبي جراء استمرار مشاهد الأشلاء على أسفلت المحور، وسط مطالبات بمحاسبة الجهات المسؤولة عن سوء التخطيط والتشييد.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة القاهرة أن قطاعات واسعة من الطريق تفتقر للمطابقة الفنية في ميول المنحنيات ومسافات الرؤية، مما يسلب قائدي المركبات القدرة على التوقف الآمن والمفاجئ عند الطوارئ المرورية.
علاوة على ذلك، يضيف الباحث المتخصص في تصميم الكباري والمنشآت الخرسانية أن الحواجز الأسمنتية المستخدمة تعجز عن امتصاص قوة الارتطام، الأمر الذي يؤدي لانشطار المركبات أو ارتدادها العنيف إلى منتصف المسار السريع مسبباً اصطدامات متتالية.
في حين تغيب الإنارة الكافية واللوحات الفسفورية التحذيرية عن المداخل والمخارج الإقليمية، مما يضاعف من ارتباك السائقين ليلاً وفي الصباح الباكر، ويزيد احتمالات الاصطدام المباشر بالشاحنات الثقيلة المتوقفة فجأة دون إشارات استغاثة ضوئية واضحة.
غير أن الضغوط الزمنية الصارمة التي فرضتها قيادات الهيئة الهندسية للجيش أدت لتجاوز معايير السلامة الدولية المعتمدة، بغية تدشين مسارات سريعة للاستهلاك الإعلامي والترويج السياسي، متجاهلة تماماً الضمانات الإنشائية لحماية أرواح المواطنين وأمنهم اليومي.
إهمال المرور ومأساة 29 فتيلًا ومصاباً
ومن جهته، يشهد قطاع النقل الداخلي حالة تسيب واسعة تسمح بتسيير مركبات ميكروباص متهالكة تفتقر لمنظومات الفرامل السليمة والإطارات الصالحة، وسط غياب شبه كامل لعمليات التفتيش والمطابقة الفنية الدورية داخل المواقف الرسمية والمحطات الفرعية.
توازياً مع ذلك، يفتقر الطريق الأوسطي إلى منظومة الرادارات الذكية المتصلة بغرف العمليات، ما يغري السائقين بتجاوز سرعة 120 كيلومتراً في الساعة، والقيام بمناورات اجتياز انتحارية ترفع احتمالات التصادم العنيف إلى مستويات قياسية مفزعة.
ويرى خبير السلامة المرورية والوقاية من الحوادث أن غياب الضبط الإلكتروني الرادع يفاقم الفوضى، مشيراً إلى أن الإخفاق في إجراء تحاليل الكشف عن المخدرات للسائقين بصورة مستمرة يجعل الركاب عرضة لمخاطر قاتلة ومباشرة يومياً.
بالموازاة مع هذا، تركز أجهزة المرور على الجباية المالية الفورية عبر تحصيل المخالفات التصالحية، بدلاً من تطبيق تدابير عقابية حاسمة تسحب التراخيص نهائياً من مكرري المخالفات الخطرة وتلزم السائقين بقواعد الانضباط والمسارات المحددة قانوناً.
وعلى صعيد متصل، فاقم تأخر استجابة سيارات الإسعاف التابعة لمديرية صحة الجيزة خطورة الإصابات بين الضحايا الـ 19، ما يسلط الضوء على هشاشة التنسيق اللوجستي الميداني ونقص التجهيزات الطبية المخصصة لتأمين محاور السفر السريعة.
فضلاً عن ذلك، يعاني المصابون المنقولون إلى المستشفيات الحكومية من عجز الإمدادات الدوائية وغرف الرعاية المركزة، لتتحول الفاجعة المرورية إلى أزمة استشفاء إنسانية معقدة، يتحمل تكاليفها الباهظة المواطنون وذووهم دون دعم حكومي منصف ومباشر.
نزيف المليارات والدماء على الأسفلت
من ناحية أخرى، تأتي هذه المأساة امتداداً لسياسة ممنهجة يتبناها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، تركز على ضخ المليارات في شبكات الأسفلت الصامتة لتقديم استعراضات شكلية سريعة، بمعزل عن معايير الأمان الميداني والجدوى الاقتصادية الحقيقية للمجتمع.
بيد أن الآلة الدعائية للنظام واصلت الترويج لتلك المشروعات باعتبارها إنجازات حضارية عملاقة، في حين تؤكد الوقائع اليومية تحولها إلى مصائد دامية تلتهم أرواح البسطاء، نتيجة التعتيم على الأخطاء التنفيذية وإسناد العقود لمؤسسات عسكرية ترفض الرقابة.
ويؤكد باحث في الاقتصاد التنموي والتخطيط العمراني أن استنزاف موازنات الدولة في توسيع الطرق المعيبة يفاقم الاختلالات التنموية، مشدداً على أن تحديث أساطيل النقل الجماعي وتأمين مساراتها كان الأجدر بالتمويل الحكومي لحماية الأرواح وتوفير بيئة نقل آمنة.
وبناءً على ذلك، تتعالى أصوات الغضب الشعبي للمطالبة بالتحقيق الجنائي المستقل مع مسؤولي تنفيذ الطريق الأوسطي، وعدم الاكتفاء بإلقاء اللوم على السائقين ككبش فداء معتاد للتهرب من المسؤولية السياسية والمادية عن الانهيار المتكرر لمنظومة الأمان.
وفي المقابل، يقابل مسؤولو وزارة النقل تلك المطالبات بصمت مريب ورفض معلن لإعادة تقييم سلامة المحاور السريعة، مواصلين سياسة التوسع العشوائي لحماية عقود الهيئة الهندسية، رغم تصاعد أعداد الضحايا والمصابين على الأسفلت بصورة شبه يومية.
وختاماً، تبقى دماء الضحايا الـ 10 وإصابات الـ 19 الآخرين وثيقة إدانة صارخة تلاحق سياسات التشييد الدعائي المتسرع، مؤكدة أن إهدار المليارات دون التزام هندسي حقيقي يحول شرايين التنمية المزعومة إلى مقابر جماعية مفتوحة لأبناء الشعب.

