تتكدس  كتل العمارات الخرسانية التابعة لمبادرة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي داخل القرى المصرية وسط فراغ تام، محولة مليارات الجنيهات إلى كتل صامتة تصطدم بواقع الفلاحين وعجزهم عن دفع أثمان الوحدات السكنية الباهظة المفروضة عليهم.
​
​
وتتجلى الفجوة العميقة بين الترويج الدعائي لمشروع سكن كريم والمعاناة المعيشية في شهادات الأهالي بمحافظات المنوفية والمنيا وأسيوط والجيزة، الذين يؤكدون فرض نماذج إسكان حضرية غريبة تهدر الموارد وتتجاهل طبيعة الزراعة.
​
​
عمارات معزولة وزرائب تخنق الريف
​
​
ففي قرية سمادون بالمنوفية، تبيت عمارات سكنية شيدت منذ أكثر من 5 أعوام مهجورة تماما، بعدما فوجئ المزارعون بزج زرائب أسمنتية ملاصقة للشقق السكنية في تشويه صريح لأسس التخطيط البيئي.
​
​
وبناءً على المعايير الهندسية والبيئية، يصف أستاذ العمارة والتخطيط العمراني الدكتور علي عبد الرءوف هذه النماذج بالمخازن البشرية، مشددا على أن حبس الفلاح بمبنى خرساني يفصله عن حقله ويهدم إنتاجيته الاقتصادية.
​
​
وفي السياق ذاته، يشتكي الأهالي من تصاعد الروائح الكريهة وانسداد منافذ التهوية نحو غرف النوم بالوحدات المرتفعة، ما يحيل حياة الأسر إلى جحيم صحي دائم يخالف عادات التوطين الريفي المستقرة تاريخيا.
​
​
وعلاوة على ذلك، تمتد ظاهرة الهجر الإنشائي إلى قرى مجاورة تضم عمارتين كاملتين شيدتا قبل قرابة 12 عاما دون تسليم أو انتفاع، بينما تتراكم مجمعات مماثلة بمحافظات أخرى كأطلال أسمنتية معطلة.
​
​
ومن جهة أخرى، يجمع مزارعون بالمنيا والمنوفية على أن ملاصقة الماشية للمساكن متعددة الطوابق تنسف طبيعة النشاط الزراعي اليومي، الذي يحتاج لمساحات مفتوحة ورحبة تسمح بحركة التخزين وتأمين الأعلاف والمعدات الثقيلة بحرية.
​
​
وتأكيدًا لهذا المأزق، تتجاهل القرارات الإدارية مركزية الثروة الحيوانية بوصفها رأس المال الوحيد للفلاح، لتفرض عليه بدائل هندسية قسرية تجبره على هجر المأوى الجديد والتمسك ببيته الطيني المفتوح.
​
​
تكاليف باهظة وشروط إدارية تعجيزية
​
​
وإلى جانب التشوهات المعمارية، تفرض وزارة الإسكان أعباء تسعيرية تفوق طاقة الفلاحين، إذ تقدر كلفة تملك الوحدة بنحو مليون جنيه، في حين لا تتعدى تكلفة تشييد منزل قروي مستقل 200 ألف جنيه.
​
​
ويؤكد باحثو الاقتصاد الريفي أن تفضيل الأهالي للبناء الذاتي يعود لمرونته الاستيعابية؛ إذ يتيح التوسع الرأسي التدريجي لتزويج الأبناء مستقبلاً، بخلاف الشقق الجاهزة التي تصادر السيولة وتحرم الأسرة من التمدد العائلي.
​
​
وبالتوازي مع أزمة التملك، طرحت السلطات خلال نوفمبر وديسمبر 2024 وحدات للإيجار بسوهاج والمنوفية وأسيوط بقيم شهرية تتراوح بين 1500 و2000 جنيه، إضافة إلى تأمين قطعي يبلغ 10 آلاف جنيه.
​
​
فضلًا عن هذا، ألزمت كراسات الشروط المتقدمين بدفع مصاريف صيانة وتسجيل باهظة وزيادة سنوية مركبة تبلغ 7%، متناسية التذبذب الحاد في مداخيل عمال اليومية والمزارعين غير المشمولين برواتب ثابتة.
​
​
وفي مركز أطفيح بالجيزة، صدم الأهالي بحزمة اشتراطات تعجيزية تحصر الاستفادة في الفئة العمرية بين 21 و35 عامًا، وتشترط تقديم إثباتات وظيفية رسمية أو سجلات تجارية سارية لزوجات المتقدمين.
​
​
ونتيجة لهذه الإجراءات البيروقراطية الصارمة، أقصيت الشريحة الأكثر احتياجًا من صغار الفلاحين والعمالة غير المنتظمة، لتتحول المشاريع المصنفة اجتماعية إلى عبء تعجيزي يغلق الأبواب في وجوه المستحقين الفعليين.
​
​
انهيار الخدمات وغياب الجدوى التنموية
​
​
وفي محافظة الجيزة، جسد مشروع قرية الديسمي المنفذ لإيواء متضرري سيول 2020 عبر 32 عمارة تضم 256 وحدة وحظيرة وسلمت في 12 يناير 2026، إهدارًا فادحًا لتجاهله خيار إعادة تأهيل البيوت الأصلية.
​
​
وعلى نحو متزامن، تفجرت أزمة بيئية وصحية حادة بمساكن قرية المطمر بأسيوط، ما دفع البرلمان في 10 أكتوبر 2026 لمساءلة وزيري الإسكان والتنمية المحلية إثر غرق المجمع بمياه الصرف الصحي.
​
​
ويرى خبراء هندسة البنية التحتية أن تدشين التجمعات العمرانية دون شبكات معالجة مستدامة يحولها لبؤر تلوث طاردة، ويهدر المخصصات المالية العامة في هياكل تفتقر لأبسط مقومات الحياة الآمنة والصيانة الدورية.
​
​
وبالمثل، يغيب التدقيق في معايير دراسات الجدوى المسبقة ومستويات الإشغال الحقيقية، إذ تحجم الأجهزة الحكومية عن نشر بيانات التكلفة الشاملة ونسب الإقبال الفعلي على 3280 وحدة سكنية معلنة بالمحافظات.
​
​
وختامًا، يظل إصرار النظام على تصدير أرقام التدشين الصماء دون محاسبة حقيقية عن مآلات الإنفاق، تكريسًا لسياسات استعراضية تهدر ثروات المجتمع وتترك الفلاحين بلا مأوى ملائم يضمن كرامتهم المعيشية.