يتحرك المشهد السياسي المصري نحو مرحلة مفصلية مع طرح تيار جيل الوسط تصوره لبناء دولة المؤسسات، متجاوزاً قبضة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، ومؤسساً لمشروع تداول السلطة الغائب عبر آليات العمل السلمي والتخطيط المنظم.
إذ يضع الإعلان الأخير أسس الانتقال الجذري من إدارة اللحظة الراهنة إلى استراتيجية سياسية متكاملة، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي ينبع من كفاءة الهياكل الدستورية المنتخبة، وليس من احتكار القرارات المصيرية بيد سلطة فردية حاكمة.
تفكيك احتكار الحكم وطرح البديل المؤسسي
وفي هذا السياق، يحدد مؤسس التيار إسلام بهي الدين منطلقات المواجهة السلمية لاحتكار السلطة، مشدداً على أن استمرار الدولة يرتبط باستقلالية مؤسساتها وقدرتها على البقاء، بعيداً عن ربط مصير الوطن بأشخاص يرحلون حتماً.
وبناءً على ذلك، يوضح البيان التأسيسي أن التغيير المطلوب لا يقف عند حدود استبدال الوجوه، بل يتطلب إعادة الاعتبار لسيادة القانون والحريات العامة، بعد سنوات من تغييب المسار الديمقراطي لحساب التمكين المطلق لرأس النظام.
ومن جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية المقارنة الدكتور سمير الخولي أن تأسيس مشروع مدني منظم يمثل الخطوة الأولى لسحب الشرعية المصطنعة من الحكم العسكري، موضحاً أن التداول الدوري للمواقع يمنع تحول الدساتير إلى أدوات لخدمة أشخاص بعينهم.
وعلاوة على ذلك، يشدد التيار على ضرورة إخضاع المسؤولين للمحاسبة الشعبية، معتبراً أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون خادماً لأهداف الدستور ومحكوماً بنصوصه، وليس حاكماً أعلى يعلو فوق الرقابة ويسيطر على مقدرات الشعب المصري دون مساءلة.
وبالتوازي مع ذلك، تؤكد بنود الإعلان أن التمسك بالنضال السلمي هو السبيل الوحيد لإسقاط سرديات التخويف التي توظفها السلطة لترهيب المواطنين، مؤكدة رفضها القاطع لأي محاولات لجر الشارع نحو الفوضى أو العنف المجتمعي.
فضلاً عن ذلك، يرفض المشروع الولاءات الفردية العمياء التي أنتجت منظومة القرار الأحادي، داعياً إلى حوار وطني مفتوح يستوعب 3 ركائز أساسية تبدأ من إصلاح العدالة وتمكين الكفاءات وصولاً إلى صياغة عقد اجتماعي معاصر.
مأزق الركون الفردي واستحقاقات التداول السلمي
وانطلاقاً من هذه الرؤية، تبرز خطورة الاعتماد على الأفراد في تسيير دفة الحكم، حيث يظهر عجز الإدارة المركزية الصارمة عن مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة الناتجة عن تهميش القنوات التشريعية والمؤسسات الرقابية المستقلة.
بينما يرى الباحث في القانون الدستوري الدكتور مدحت عبدالسلام أن اختزال الدولة في موقع الرئاسة يعطل ديناميكية التطوير السياسي، مبيناً أن الأنظمة المتماسكة قانونياً هي التي تنظم تداول السلطة وفق جدول زمني صارم يحمي المكتسبات الوطنية.
واستناداً إلى هذا المبدأ، يدعو التيار إلى الفصل التام بين شخص الحاكم والدولة المصرية بمؤسساتها التاريخية، حتى لا تصبح مؤسسات السيادة مجرد أدوات لتثبيت حكم الفرد وتأبيد بقائه في سدة القيادة دون تفويض ديمقراطي حقيقي.
في حين يؤكد الخطاب السياسي للتيار أن استيعاب طاقات الشباب وتأهيل القيادات الجديدة يعزز متانة الدولة، بدلاً من سياسات الإقصاء والتخوين التي اعتمدها النظام لحرمان المجتمع من قيادات مدنية قادرة على ملء الفراغ السياسي.
واتصالاً بذلك، يستند المشروع إلى تجارب التحول الديمقراطي التي أثبتت أن استقرار الأوطان يتحقق بمرونة المؤسسات وقبول التعددية، لا بالقمع الأمني الذي ينتج استقراراً شكلياً هشاً سرعان ما ينهار عند أول اختبار مجتمعي حقيقي.
ومن جهة أخرى، يرى التيار أن استعادة التوازن تتطلب التوقف عن تجريف الأحزاب والنقابات، وإفساح المجال لجيل يمتلك الكفاءة العلمية والعملية للمشاركة في اتخاذ القرار، انطلاقاً من مبدأ أن السلطة تكليف مجتمعي وليست تشريفاً سلطوياً.
صياغة المستقبل وكسر معادلة الجمود الراهن
وتأسيساً على ذلك، يطرح تيار جيل الوسط برنامجاً يعيد بناء الأولويات الوطنية، واضعاً المواطن المصري في قلب السياسات التنموية، بالتوازي مع دعم مؤسسات التعليم والصحة المتردية جراء توجيه الموارد نحو مشروعات استعراضية تفتقر للجدوى.
إلى جانب ذلك، يؤكد خبير السياسات العامة الدكتور حازم الملاح أن تحييد النخبة وتغييب التخصص في إدارة الدولة قادا إلى تعميق الاختلالات الهيكلية، لافتاً إلى أن بناء الدولة الحديثة يشترط إسناد الملفات الحيوية لأصحاب الاختصاص الفعلي.
وبحسب هذا المسار، يرفض الإعلان ثنائية الاستسلام للأمر الواقع أو هدم مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المعارضة الوطنية تهدف إلى تصويب المسار وتثبيت دعائم الديمقراطية، وليس ممارسة التمترس العقيم الذي يخدم استمرار الوضع الراهن ومصالحه.
وفي سياق متصل، توجه المبادرة دعوة مفتوحة لكافة القوى الفاعلة للمشاركة في بلورة البديل، مشددة على أن اعتبار التعدد في الرأي خيانة يمثل ذريعة واهية تستخدمها الأنظمة التسلطية لعزل المجتمع وتفكيك روابط التضامن المدني والسياسي.
تبعاً لذلك، يتحدد مستقبل مصر السياسي بقدرة الأجيال الجديدة على انتزاع حق المشاركة وصياغة مستقبل تحكمه المؤسسات الراسخة، دون ارتهان لقرارات فردية تدفع بالبلاد نحو مزيد من التراجع المعيشي والاحتقان الشعبي المكتوم.
وبالمحصلة، يفتح هذا الحراك المدني أفقاً لتجاوز الجمود الحالي وإرساء تداول السلطة كقاعدة ملزمة، مؤكداً أن شرعية الحكم تبدأ وتنتهي عند إرادة المواطنين الحرة، وليس عبر احتكار أدوات القوة وتغييب الخيارات الديمقراطية عن الشارع.

