قلبت أديس أبابا موازين الردع في حوض النيل باستلامها 12 مقاتلة روسية من طراز سوخوي 35 ومنظومات إس 400، في خطوة تفرض واقعاً استراتيجياً جديداً وتُحرج القاهرة بعد حرمانها بقرار أمريكي.
وتُجسد هذه الصفقة الإثيوبية تحولاً خطيراً يُقوض قدرة الجيش المصري على حماية أمنه المائي، بعدما أذعن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي للإملاءات الغربية، تاركاً سد النهضة محصناً بمظلة دفاعية روسية متقدمة.
اختلال موازين الردع في حوض النيل
وبناءً على المعطيات الميدانية، يمنح الجمع بين مقاتلات سوخوي 35 ومنظومة إس 400 أديس أبابا تفوقاً نوعياً يُعرف عسكرياً بمفهوم تحريم الدخول، مما يُسقط فاعلية أي تحرك مصري مستقبلي.
ويوضح الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية محمود جمال أن امتلاك إثيوبيا هذه المقاتلات يرفع مستوى حماية سد النهضة، ويضاعف تكلفة أي عملية جوية قد تفكر القاهرة في تنفيذها للدفاع عن مياهها.
وعلاوة على ذلك، تتيح تلك المنظومة الجوية المتكاملة للجيش الإثيوبي فرض سيطرة عملياتية بعيدة المدى، واعتراض الأهداف بدقة، وتوفير مظلة أمان لمشاريع السدود التي تنوي أديس أبابا تشييدها دون أي تنسيق.
وفي المقابل، يقف سلاح الجو المصري مجرداً من مقاتلات السيادة الجوية المكافئة، بعد تجميد صفقة السوخوي تحت وطأة التهديدات الأمريكية، والاكتفاء بطائرات رافال ونسخ إف 16 المحدودة في التسليح.
ونتيجة لهذا التباين، يرى الخبير العسكري ذاته أن إثيوبيا تحولت إلى قوة ردع إقليمية قادرة على فرض إرادتها في القرن الأفريقي، بينما تراجعت مكانة القاهرة الاستراتيجية في محيطها الحيوي.
وبالتوازي مع ذلك، تؤكد سرعة تسليم موسكو للأسلحة قبل عام من موعدها، وجود رغبة روسية في إعادة تشكيل الخارطة الأمنية لشرق أفريقيا، وتوجيه رسائل صارمة للنظام المصري المرتهن لواشنطن.
ازدواجية واشنطن وخضوع القرار المصري
ومن زاوية التوازنات الدولية، تبرز الازدواجية في الموقف الأمريكي الذي شهر قانون كاتسا في وجه مصر عام 2019، بينما صمت تماماً أمام حصول إثيوبيا على نفس الترسانة المتطورة.
وفي هذا الإطار، يعود الحظر الأمريكي غير المعلن على تسليح الجيش المصري بطائرات إف 15 إلى عام 1980، حيث تراجعت واشنطن عن وعودها المعلنة في مارس 2022.
وبحسب توصيف الباحث في العلاقات الدولية معتز منصور، فإن أديس أبابا تراكم أوراق القوة، بينما يعيش نظام القاهرة على هامش حسابات القوى الدولية، عاجزاً عن حماية مصالحه ومكتسباته الحيوية.
ومن جهة أخرى، تعكس هذه السياسة رغبة مستمرة في حرمان مصر من أدوات الردع الجوي، لضمان التفوق الإسرائيلي المطلق، وتقييد قدرات الجيش المصري بمعدات محددة التسليح والمدى.
وتأسيساً على ذلك، يدفع الامتثال المصري للشروط الغربية نحو عزلة عسكرية، في وقت تتجه فيه دول أفريقيا نحو التسليح الروسي بنسبة تتجاوز 30 بالمئة من إجمالي الطلبيات المصدرة.
تمويل مشبوه يهدد مصر
وحيال هذا الإنفاق العسكري، تتصاعد التساؤلات حول قدرة إثيوبيا على تمويل صفقة ضخمة، في ظل معاناتها من أزمة ديون خارجية تبلغ 15 مليار دولار وتخلفها المالي منذ 2023.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي محمد النجار أن المؤشرات تؤكد عجز أديس أبابا عن تدبير تكلفة هذا السلاح، مشيراً إلى تسريبات تؤكد وجود تمويل مباشر من دولة عربية.
وبناءً على الرصد الميداني، يتطابق التدفق التسليحي مع بيانات ملاحية ترصد إمدادات متواصلة من أبوظبي لدعم حكومة آبي أحمد، بمواجهة تحالف يضم 7 جماعات مسلحة تشكل في سبتمبر الماضي.
ومن جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي يحيى الجبالي أن ضخ هذه المنظومات المتقدمة يرسم واقعاً خطيراً يعيد صياغة موازين القوة، ويضاعف الضغوط العسكرية المباشرة على الأمن القومي لمصر.
وعلاوة على ذلك، تمتد هذه التحركات لتغذي أطماع إثيوبيا في انتزاع منفذ بحري عبر صوماليلاند، مما يشعل مدخل البحر الأحمر ويهدد الملاحة المتجهة إلى قناة السويس بالخطر.
وفي المحصلة النهائية، يُثبت المشهد الراهن أن التفريط في استقلال القرار العسكري يترك القاهرة رهينة لحسابات الآخرين، بينما تبني إثيوبيا أسباب الردع لفرض الهيمنة ومحاصرة الحقوق المائية المصرية.

