أعادت السلطات فتح ملف ضريبة الأطيان الزراعية بإقرار تمديد التجميد بدلًا من إنهائها، متجاهلة دعوات الخبراء لدفن هذا العبء المالي الذي يهدد استقرار الفلاح في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم الأزمات المعيشية المتلاحقة.
وفيما تروّج الحكومة لهذا الوقف المؤقت كإجراء لدعم القطاع الريفي، تؤكد الأرقام الرسمية تدني حصيلتها البالغة 200 مليون جنيه عام 2017، ما يثبت إصرار المنظومة على إبقاء الفلاح رهينة لمقصلة استنزاف معلقة قانونيًا.
استنزاف الجباية يهدد الأمن الغذائي
وبينما يعود أصل هذا التشريع لعامي 1935 و1939، تفرض مصلحة الضرائب العقارية 14% من القيمة الإيجارية السنوية المقدرة للفدان، ليتحملها المزارع سواء أكان مالكًا أم مستأجرًا أم واضعًا لليد وسط قفزات أسعار المحروقات.
وعلى الرغم من تجميد التحصيل بقرار مجلس الوزراء رقم 44 لسنة 2026، يرى مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية أشرف عبد الغني أن تمديد الإيقاف 5 مرات لم يعد حلًا عمليًا لمواجهة التكاليف المتصاعدة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الخبير الضريبي أن الحصيلة المحدودة تجعل الإلغاء الشامل ضرورة ملحة لتحفيز التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، محذرًا من توسع النظام في استهداف 389 مليار جنيه كضرائب غير مباشرة.
وبناءً على هذه المعطيات، يمتد الأثر التضخمي لهذه الجباية ليشمل تكاليف النقل والتخزين وأسعار السلع المعفاة، ما يعمق اختلالات المنظومة الإنتاجية تحت وطأة سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الرامية لجمع الأموال.
إضافة إلى ذلك، يمثل القطاع الزراعي دعامة تشغيل لنحو 6.7 مليون عامل يشكلون 24% من قوى العمل، ويسهم بما بين 12% و15% من الناتج الإجمالي، فضلًا عن توفيره 24% من الصادرات غير البترولية.
وفي سياق متصل، تتسع الفجوة الغذائية مع بلوغ الواردات الزراعية نحو 11 مليار دولار مقابل صادرات لا تتجاوز 9 مليارات، رغم مساعي تحقيق أهداف رؤية 2030 المعلنة للاكتفاء الذاتي من السلع الضرورية.
أزمة الإنتاج وفخ التجميد المؤقت
ومع تراجع نسبة الاكتفاء الذاتي من الغذاء إلى 81% خلال 10 سنوات أخيرة، تصبح حماية الرقعة الزراعية من التآكل وتوفير مياه الري من متطلبات البقاء الوطني التي تتناقض كليًا مع سياسات الجباية المفروضة.
لذا، يشدد المتخصصون على ضرورة استصلاح الأراضي الصحراوية، وتحديث منظومات الري، وتثبيت أسعار مدخلات الإنتاج، ومراقبة تداول الأسمدة والمبيدات لمواجهة أزمات السوق السوداء، فضلًا عن تفعيل منظومة الزراعة التعاقدية لضمان عائد عادل.
وفي هذا الاتجاه، أوضح رئيس لجنة الزراعة بالجمعية المصرية اللبنانية لرجال الأعمال هيثم عكري الهواري في 14 يونيو 2026 أن القطاع يحتاج حزم دعم حقيقية تحفز توسيع المساحات المنزرعة وترفع الإنتاجية الوطنية.
واعتبر المهندس الزراعي أن استمرار تعليق الضريبة يوجه رسائل طمأنينة مؤقتة في مواجهة تضخم التكاليف، بينما تقتضي مصلحة الأمن القومي خفض تكاليف الإنتاج لتعزيز تنافسية الصادرات وتقليص العجز في الميزان التجاري.
غير أن هذه التهدئة لا تبدد مخاوف المنتجين من مباغتتهم بإنهاء التجميد في أية لحظة، خصوصًا مع لجوء السلطة المتكرر إلى الجباية المباشرة وغير المباشرة لسد عجز الموازنة المتفاقم على حساب الفلاح.
تداعيات غلاء الغذاء وسلاسل التوريد
وعلى صعيد تداول السلع، أكد رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب وحيد قرقر في 6 يونيو 2026 أن تخفيف الأعباء يمثل ضرورة لتفادي انفجار تكاليف نقل وتوزيع المحاصيل من الحقول إلى الأسواق.
ولفت البرلماني إلى أن كبح الرسوم الزراعية ينعكس إيجابيًا على استقرار أسعار المواد الغذائية، ويحمي صغار المزارعين والأسر الريفية من تداعيات الغلاء التي تضرب سلاسل الإمداد ومنافذ البيع في مختلف المحافظات.
وبالرغم من تلك التحذيرات، تواصل الحكومة المناورة بالقرارات الوقتية منذ موافقة لجنة الخطة والموازنة في 21 يونيو 2017 على وقف العمل بأحكام القانون رقم 113 لسنة 1939 لمدة 3 سنوات متتالية.
ثم أصدرت السلطات القانون رقم 143 لسنة 2017 ببدء التجميد في أول أغسطس 2017، ليتلوه تمديد تلو الآخر عبر القانون رقم 147 لسنة 2020، ثم القانون رقم 152 لسنة 2022.
وبالتالي، يثبت هذا التردد التشريعي أن السلطة تتعامل مع حقوق الفلاحين كورقة مساومة موسمية، مانعة استقرار القطاع ومبقّية سيف الجباية مسلطًا على الأراضي الزراعية بدلًا من تحرير الإنتاج من قيود الاستنزاف.

