عبد الناصر سلامة

رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق

 

لا أحد يستطيع أن ينكر أن إيران استطاعت كسب الرأي العام الإسلامي بشكل عام، والعربي بشكل خاص، في معركتها الدائرة حاليًا مع الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني حول مضيق هرمز، ليس ذلك فقط، بل في معركتها غير المباشرة مع دول الخليج العربية، وذلك على الرغم من ضعف الآلة الإعلامية الإيرانية، مقارنة بآلة الدعاية العربية والعالمية، على اختلاف أنواعها، ما يطرح العديد من علامات الاستفهام، وعلامات التعجب في آن واحد.

 

قد يكون من الطبيعي ذلك الانحياز الشعبي، العربي والإسلامي، للموقف الإيراني، في مواجهة واشنطن وتل أبيب معًا، والأسباب في ذلك معلومة ومنطقية، إلا أن المثير للدهشة هو الانحياز الواضح لإيران في مواجهة دول الخليج العربية، على الرغم مما طالها من قصف إيراني بالصواريخ والمسيرات، في الوقت الذي لم تستطع فيه آلة الدعاية العربية مجتمعة، ولا حتى البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة من كل عواصم دول مجلس التعاون الخليجي، وبقية العواصم العربية، تغيير هذه الظاهرة التي عبرت عنها جموع الشعوب العربية والإسلامية، من خلال "السوشيال ميديا" بشكل خاص، على اعتبار أنها المسار المتاح شعبيًا للتعبير خارج الإطار الرسمي.

 

وربما كانت البرامج الحوارية لقناة الجزيرة الإخبارية شاهدًا، من خلال ظاهرة خطف الأضواء التي سجلها منذ اليوم الأول الباحث الإيراني حسن أحمد يان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط، من بين مجمل الضيوف العرب والأمريكيين، ولم يكن ذلك بسبب فصاحته، أو قوة حجته، أو دقة تعبيره، بقدر ما سبق ذلك من انحياز شعبي عربي واسع للجانب الإيراني، سواء في الحرب الدائرة عمومًا، أو في توجيه ضربات للقواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة، دون الوقوف طويلًا أمام موقعها.

 

الشاهد في الأمر، هو أننا أمام قضية على قدر كبير من الأهمية، تتعلق بذلك الاستقطاب الذي حققته إيران شعبيًا في الساحة العربية مجتمعة، في مواجهة مئات الصحف وقنوات التلفزة العربية، بل ومئات المواقع الإلكترونية، واللجان والكتائب الرسمية، وما واكب ذلك من محاولات تشويه الدور الإيراني، ومحاولات استعداء الرأي العام العربي على المحور الإيراني بالمنطقة ككل (المقاومة اللبنانية من جهة، وجماعة أنصار الله اليمنية من جهة أخرى، وجماعات أخرى عراقية، إلى غير ذلك من كثير)، ما يجعل من الضرورة الإشارة إلى عدة نقاط:

 

أولًا: كان للموقف الإيراني من العدو الصهيوني، ودعم المقاومة الفلسطينية، فيما سبق عملية طوفان الأقصى، وخلال عامي حرب الإبادة على قطاع غزة، أكبر الأثر في الشارع العربي، ثم تم دعم هذا الموقف بالقصف على العدو في تل أبيب وغيرها من المدن والمطارات والقواعد العسكرية هناك، ما يشير إلى أن القضية الفلسطينية ما تزال تمثل أولوية لدى المواطن العربي، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت، إعلاميًا وتعليميًا، لتغيير هذه العقيدة.

 

ثانيًا: سوف يظل المواطن العربي عمومًا رافضًا لوجود قواعد عسكرية أمريكية وغربية على أراضي بلاده، خصوصًا في ظل حقائق دامغة، تؤكد استخدام تلك القواعد لحساب العدو الصهيوني، ناهيك عن أن نفقات كل هذه القواعد من الخزائن والثروات العربية الخليجية، في الوقت الذي تراجع فيه الدعم العربي- الخليجي للقضية الفلسطينية، ماديًا وسياسيًا، إلى حد كبير، لأسباب تتعلق بضغوط أمريكية.

 

ثالثًا: عمليات التطبيع العربية مع العدو، والتي تقودها دولة الإمارات تحديدًا، تثير امتعاضًا ورفضًا قاطعًا لدى المواطن العربي، وهو ما يجعل من أي مواجهة صهيونية، مع أي من بلدان العالم، محسومة نفسيًا ومعنويًا لصالح هذا البلد أو ذاك، ما دامت الأراضي العربية محتلة، والقضية الفلسطينية، دون أمل في الحل، في غياب العدالة الدولية.

 

رابعًا: كل المؤشرات تؤكد أن استمرار تلك المستعمرة الصهيونية في المنطقة، ممثلة في ذلك الكيان، بمثابة استمرار للقلاقل والحروب وعدم الاستقرار، خصوصًا في ظل أطماع توسعية معلن عنها طوال الوقت، وهو ما يجعل أي مواجهة إيرانية مع العدو تمثل العالم العربي والإسلامي قاطبة، حتى وإن اختلف موقف الأنظمة مع موقف الشعوب لأسباب معلومة.

 

خامسًا: لن يقبل المواطن العربي في مجمله بمواقف سياسية تنطلق من حسابات طائفية، أو عرقية، أو عنصرية بين الأشقاء، ما يجعل من أي تدخل عسكري في اليمن، أو العراق، أو لبنان، أو غيرها، بمثابة لعب بالنار، غير محسوب العواقب، وغير مدعوم شعبيًا، ما كان سببًا في حالة اللامبالاة الشعبية تجاه الأزمات المفتعلة على هذه الخلفية أو تلك، حتى عندما تعلق الأمر بالزج باسم مكة والمدينة.

 

سادسًا: أعتقد أننا يجب ألا نضع رؤوسنا في الرمال، ونتغاضى عن سبب رئيس يتعلق بتلك الغضبة الشعبية، عربيًا وإسلاميًا، من المملكة السعودية، على خلفية ما تسمى هيئة الترفيه، وما استتبعها من مهرجانات وليالٍ لا تتناسب وقدسية أراضي الحرمين الشريفين، الأمر الذي يتوجب معه إعادة النظر هذه الممارسات، بما يتناسب مع أسس العقيدة جملة وتفصيلًا.

 

ولأن الأمر كذلك، كان من الطبيعي أن تكسب الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه الجولة من الصراع، حول الرأي العام العربي والإسلامي، رغم ما كان يمكن أن يمثله الرأي العام من دعم كبير لصانع القرار الخليجي بشكل خاص، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو ما لم يوضع في الحسبان منذ بداية الأزمة، كما هو واضح، في الوقت الذي تشير فيه المعطيات، إلى أن الفجوة آخذة في الاتساع، بمعنى أنه لا توجد أي جهود لتدارك الموقف حتى الآن، وربما قد فات الأوان.